الكاتب العراقي علي الصراف: سرطان اسمه إيران

64

سرطان اسمه إيران
الكاتب العراقي علي الصراف/العرب/19 حزيران/2019

التقيّة إنما تمارس مع حقد دفين، لا يشفى، وينتظر الفرصة لينقض على ضحاياه، فيشنع بهم ويبشع، لأنه يضيف على ما قد لا يرضاه من ضحاياه ما اعتمل في صدره هو من حقد متراكم عليهم.

إيران “الولي الفقيه” لم ترث إلا التاريخ الأسود
عندما تكذب إيران بشأن مسؤوليتها عن الاعتداءات على ناقلات النفط، سواء في الفجيرة أو خليج عمان، أو غيرها مما سيأتي، فإنها تمارس طقسا دينيا، له فقهه الخاص. الديانة الصفوية تجيز الكذب وتسميه “تقيّة”، وتبرره بدواعي الخوف أو حماية النفس من الأذى.

ولأنها ديانة جبناء غارقين بالخوف، فإنها ديانة خبث شديد. والخبث هو “المعادل الموضوعي” الوحيد للجبن، دائما. وهي ديانة “باطنية”، لأنها تستبطن مرضا في النفس وتبتهل له مزيجا سفسطائيا من الذرائع والمقدسات والتزوير.

والتقيّة إنما تمارس مع حقد دفين، لا يشفى، وينتظر الفرصة لينقض على ضحاياه، فيشنّع بهم ويبشع، لأنه يضيف على ما قد لا يرضاه من ضحاياه ما اعتمل في صدره هو من حقد متراكم عليهم.

انظر في الطريقة التي تُعامل بها ميليشيات طهران العراقيين، أو حتى سلطتهم في العراق هي نفسها، ولسوف تكتشف حقدا يبلغ عنان السماء. إذ أفسدوا به، ودمروه، وخربوا مقوماته، وأعجزوه من كل ركن، وجعلوا حياة الملايين فيه جحيما غير مفهوم السبب. وأقول “غير مفهوم السبب” لأنهم بالغوا فيه إلى درجة لم يعد معها أي سبب منطقيا.

ولقد تولوا العراقيين “ولية مخانيث”، في وصف لا يفهمه إلا العراقيون. وهذا جزء من طبيعة تلك الديانة. إذ أنها إذا امتلكت الفرصة لتستفرد بمن كانت تخاف سطوته، فإنها تبطش به، بطش غوغاء بلا مشاعر. شيء يشبه أن يجد المرء نفسه أعزل في غابة ضباع. تخافه ولكنها إذا اجتمعت عليه نهشت لحمه من دون رحمة.

المذابح التي مُورست في سوريا، وأعمال الدمار الشديد، قالت شيئا مماثلا. فالكثير من تلك الأعمال لم تكن لتفرضه ضرورات عسكرية، ولكنها نُفذت بدافع الغل فقط، حتى بدا هذا البلد وكأنه وقعت عليه عشر قنابل نووية، أحالت الكثير من مدنه وبلداته إلى عصف.

السل الذي أصبح سرطانا لا يشفى
ولقد تمت تعبئة هذا الغل بصور مزيفة وحكايات مبالغ في دراميتها من التاريخ، من أجل أن تضفي عليه طابعا مقدسا، حتى أصبح القتل انتقاما للماضي شعارا مقدسا، ويمارس علنا على الملايين من البشر، من دون أن يكون مفهوما على الإطلاق. إذ ما الذي يجعل الفلوجة، أو حلب، ضحية انتقام من عطب من أعطاب الصراع على الخلافة في التاريخ القديم؟

إنها ديانة شديدة الوحشية أيضا. هذا ما يعرفه عنها التاريخ منذ أن قطع إسماعيل شاه الصفوي رأس أمه، في ميدان عام، إلى كل المذابح الشهيرة التي ارتكبها في مختلف أرجاء إيران من أجل توحيدها على ديانته.

ومنها مذبحة الشيروانيين حيث بنى منارة من جماجمهم. ومذبحة قلعة باكو التي أُبيد فيها ثمانية عشر ألفا من جيش الأمير عثمان آق قويونلو بعد استسلامهم.

ومذبحة بغداد عام 1499 التي انتهت بنبش قبر أبي حنيفة النعمان والتنكيل بأهلها وتجويعهم حتى أكلوا القمامة. ومذبحة مرو عام 1500 التي قُتل فيها أكثر من أحد عشر ألفا بعد الحرب مع شيبك خان التركماني الذي قام جنود إسماعيل شاه بتقطيعه وأكله أمام أهل المدينة.

ومذابح شيراز ومازندران ويزد وأصفهان عام 1501، التي قتل فيها عشرات الآلاف.

ومذبحة قلعة قرشي عام 1511، التي قتل فيها خمسة عشر ألفا من سكان القلعة ولم تسلم منها النساء والأطفال والكلاب والقطط.

ويقول المؤرخ قطب الدين النهروالي في كتابه “الإعلام بأعلام بيت الله الحرام” إن إسماعيل شاه “قتل خلقا كثيرا لا يحصون عن ألف ألف نفس″. وهو ما يكاد يعني الجزء الأعظم من البشر في إيران ذلك الزمان.

إيران “الولي الفقيه” لم ترث إلا هذا التاريخ الأسود، ولم تنتسب إلا إلى ديانة إسماعيل شاه، ولم تأخذ إلا من فقهه الدموي وجرائمه ووحشيته.

ولئن تمكن السلطان العثماني سليم الأول من هزيمة إسماعيل شاه في صحراء جالديران شرق الأناضول في أغسطس 1514، وأجبره على الهرب إلى أذربيجان تاركا زوجته في أرض المعركة، فإن السلطان العثماني ترك بذرة السرطان، فلم يلاحقها، واكتفى بما فاز به من غنائم.

حتى الميليشيات التي تستعين بها طهران من أجل مد نفوذها في الجوار، كانت في الأصل من خطط إسماعيل شاه. وكانوا يُسمون بـ”الغلمان” الذين بهم تمكن من كسر أسوار بغداد. وقد كسروها اليوم مرة أخرى بالفعل، واستباحوها وجعلوا أهلها بين أذلة ومشردين وجياع.

إنه سرطان 500 عام، وقد أثبت قابليته للتفشي والانتشار، حتى ليبدو أنه لا سبيل لوقفه من دون أن تُجتث شأفته من الجذر، فضلا عن توابعه وبقاياه.

لقد أخطأ سليم الأول بأنه لم يلاحق إسماعيل شاه حتى النهاية، ولكنه أخطأ أكثر بأنه لم يأخذ بنظر الاعتبار ديانته واستهان بها.

مات إسماعيل شاه مسلولا وهو في السابعة والثلاثين من عمره. وأهل السل، هم أهل غل، عادة، ولكن لم يعرف التاريخ غلا متوارثا كغل أهل هذه الديانة. أصحابها ذوو خوف، ولكنهم أنذال دائما.

وسطوة الأنذال ليست كسطوة الضباع إذا استفردوا، بل أسوأ، لأن الضباع تشبع، وهؤلاء لا يشبعون من سفك الدماء.

لقد حان الوقت، لا لكي نحارب السفيه من جرائم إيران الولي الفقيه، وإنما ديانته نفسها. الغل نفسه. السل الذي أصبح سرطانا لا يشفى.