د. منى فياض/إعلان حرب على اللبنانيين

56

إعلان حرب على اللبنانيين
د. منى فياض/الحرة/09 حزيران/2019

نعجز عن متابعة وتيرة تهديدات إيران “اللفظية” لأميركا، أو “الشيطان الأكبر” في قاموسها؛ مع أنها بدأت تظهر “اللين” مؤخرا تجاه الدول العربية، مطالبة بمعاهدة عدم اعتداء معها! وتفرج عن نزار زكا، في مسايرة وإظهار حسن نية للبنانيين.
إذ يبدو أنها ترغب برفع حملة “الويل والثبور” عن كاهلها؛ موكلة إياها إلى وكيل أعمالها اللبناني.
أعني هنا، الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، الذي صعّد خطابه المتوتر ضد الجميع مؤخرا بعد فترة هدوء، إلى حد افتعال الهجوم على موقف رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في القمة العربية “الذي لم يحترم النأي بالنفس”!
هذا النأي المنصوص عليه خصيصا كي يمتنع حزب الله بالذات عن التدخل في الشؤون العربية الداخلية!
تصعيد نصرالله هذا، ضرب، مرة أخرى، بعرض الحائط وجود الدولة اللبنانية من أساسها.
مع ذلك يخفي تصعيده أكثر مما يظهر. يبدو أنه يجهد لإخفاء المعلومة التي يريد إيصالها، تجاوبا مع ما جاء به ديفيد ساترفيلد في جولته الأخيرة بين بيروت ـ تل أبيب.
فالأخير، بحسب صحيفة الحياة، نقل معطيات وعرض صورا وخرائط لما نقل أنها مواقع منصات الصواريخ الدقيقة في لبنان، محذرا من أن واشنطن لا تستطيع إلا أن تأخذها بعين الاعتبار وأنها قد لا تتمكن من لوم إسرائيل عند القيام بعمل ما!
يبدو أن الشعب اللبناني قد تدجن وغلبه اليأس والاحباط لأنه لا يغضب ولا يحرك ساكنا.
من هنا مسارعة الأمين العام إلى خطابه التهديدي عالي النبرة بشكل معاكس تماما لتمارين التهدئة التي كان يلعبها مؤخرا.
ومع أنه أعلن امتلاكه صواريخ دقيقة الصنع؛ لكنه مرر، في الوقت ذاته، الجملة المفصلية “لا مصانع لتصنيع الصواريخ الدقيقة!”. ولم ينس التهديد ببنائها في حال…
هذا التوتير الإضافي للأجواء يحصل على مشارف فصل الصيف، الذي كان يُنتظر أن يكون واعدا سياحيا، علّه يخفف من ثقل الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي يعيشها لبنان.
ولقد درج حزب الله على التصعيد في مطلع كل صيف، وكأن هناك خطة لإضعاف الشعب اللبناني وإفقاره سواء برفع الضرائب والاقتطاع من الرواتب أو بشل الاقتصاد وتعطيل استعادة الحركة السياحية.
كل ذلك يدل على عدم الالتزام بمصلحة الدولة ومصلحة الشعب اللبناني ولا بإرادته؛ وعدم احترام الدستور أو القوانين، ما يضرّ بمصلحة الدولة العليا؛ الأمر الذي يهدد بالخراب الشامل؛ إذا لم يكن ما نعيشه خرابا كافيا بعد.
لكن إذا اعتمدنا مقولة فريدريك أنجلز: “في كل مكان تتناقض فيه بنية السلطة لبلد ما، مع النمو الاقتصادي لهذا البلد، تكون الهزيمة من نصيب السلطة السياسية وأدوات العنف التي تلجأ إليها”.
فهذه السلطة السياسية، التي تحكم بإشراف وهيمنة حزب الله العلنية، تشعر أنها غير مجبرة على تقديم أي حساب لأحد عما تمارسه بحق البلاد والعباد.
حكم اللاأحد هو الحكم الأكثر طغيانا طالما أن ليس ثمة أي شخص يبقى ليُسأل أو يُحاسب عما أنجز أو لم ينجز.
هذا ما يعيدنا إلى مقولة جان بول سارتر: “إن المرء يشعر نفسه أكثر من مجرد إنسان حين يتمكن من فرض نفسه، ومن جعل الآخرين أدوات تطيع رغباته، ما يعطيه لذة لا تضاهى”.
فالسلطة كما يفهمها حكام لبنان الجدد تقوم على جعل الآخرين يتصرفون تبعا لاختياراتهم. وتمارس حاليا على طريقة وزير الخارجية جبران باسيل الذي تشي تصرفاته بأنه يريد أن يقول للبنانيين: “سأفرض إرادتي رغم مقاومة الآخرين لها، حيثما أستطيع”.
إنها إعلان حرب على اللبنانيين، بحسب تعريف الحرب بوصفها: “فعل عنف يهدف إلى إجبار الخصم على فعل ما أريده”.
إنها سياسة الأمر والطاعة؛ الشرط الأساسي لممارسة سلطة الطغيان. فالسلطة التي تستخدم قوة لا تتوافق مع القانون، هي سلطة عنف خارجة عن الشرعية وبالتالي مستبدة. فحتى ولو كانت سلطة تلجأ إلى نوع مخفف من العنف. النتيجة هي نفسها في النهاية.
ليس أدل على ما وصلنا إليه من مخالفة القوانين من مطلع محاضرة بعنوان “نعتذر من الشعب اللبناني…
لكن القضاء ليس بخير”؛ ألقيت في مطلع الشهر الحالي في نادي قضاة لبنان ألقتها القاضي أماني سلامة، وجاء فيها:
“نعتذر من الشعب اللبناني الذي نحكم باسمه، لأن بعضنا لم يقم بملاحقة فاسدي هذا الوطن،
نعتذر لأن بعضنا لم يقطع دابر الهدر الفاضح في الدولة،
نعتذر لأن بعضنا استقوى بالغير ولم يستقوِ إلا على الضعيف،
نعتذر لأن لبعضنا حسابات شخصية ومساومات تعيق ارتقاء القضاء إلى حيث يجب،
نعتذر لأننا لم نستطع العمل على استرداد بعض من حقوقنا إلا بالاعتكافات،
نعتذر لأننا لم نحاسب أنفسنا كفاية،
نعتذر لأننا لم ننتزع بعد استقلاليتنا الكاملة،
نعتذر لكل ذلك ونعتذر بعد وأكثر”…
نحن، للأسف، فقدنا أي حس بالعدالة، أو أي ثقة بالقدرة على التغيير
لكن يبدو أن الشعب اللبناني قد تدجن وغلبه اليأس والاحباط لأنه لا يغضب ولا يحرك ساكنا.
وعلى رأي حنة أرندت، في أنه من المؤكد أن غياب الغضب والعنف، مؤشر واضح على انتزاع الإنسانية عن الإنسان، لا حضورهما.
فليس الغضب، بأي حال من الأحوال، رد فعل تلقائيا إزاء البؤس والألم؛ فما من أحد تصرف بغضب إزاء داء لا دواء له أو إزاء هزة أرضية أو أوضاع اجتماعية تبدو له غير قابلة لأي تغيير.
يظهر الغضب فقط حين تكون هناك احتمالات لحدوث تبدل في الأوضاع. وحين يخدش حس العدالة لدينا، نتصرف بغضب.
وها نحن، للأسف، فقدنا أي حس بالعدالة، أو أي ثقة بالقدرة على التغيير. ينحصر الاعتراض بالعراضات الافتراضية على منصات التواصل الاجتماعي.
وإلا فكيف نفسر نزول حوالي مئة شخص فقط أمام المحكمة العسكرية يوم 3 حزيران/يونيو بعد صدور الحكم القضائي “الفضائحي” بتبرئة المقدم سوزان الحاج وعدم محاسبة أحد على سجن وتعذيب الممثل المسرحي زياد عيتاني البريء من كل تهمة؟