فيديو مقابلة من تلفزيون المر مع د.نبيل خليفة تحكي مسيرة تاريخ ونضال وإيمان وبساطة وقوة غبطة البطريرك صفير الذي هو بطريرك القضية اللبنانة ومبدأ العيش مع الآخر/مع 24 مقالة وكلمة رثاء لكتاب وصحافيين تتناول تاريخ وانجازات البطريرك

395

فيديو مقابلة من تلفزيون المر مع د. نبيل خليفة تحكي مسيرة تاريخ ونضال  وبساطة وقوة وصلابة إيمان وتواضع وبساطة غبطة البطريرك صفير الذي هو بنظر خليفة بطريرك القضية اللبنانية والحياة مع الآخر والرؤيوية السيادية والكيانية.

13 أيار/2019

مقالات وكلمات في رثاء غبطة البطريرك صفير.. للكتاب: الياس بجاني/أحمد عدنان/د. توفيق هندي/عقل العويط/د.مصطفى علوش/هيام القصيفي/محمد عبد الحميد بيضون/المحامي عبد الحميد الأحدب/سجعان قزي/جورج حايك/جوزف طوق/مرلين وهبة/طوني عيسى/سناء الجاك/خيرالله خيرالله/جليل الهاشم/منير الربيع/يوسف بزي/الدكتورة رندا ماروني/أنطوان الخوري طوق/محمد قواص/نقولا ناصيف/د. أحمد خواجة/نديم قطيش/المطران جورج صليب/

 

بعض عناوين مقابلة الدكتور نبيل خليفة من تلفزيون المر
تلخيص وتفريغ الياس بجاني بتصرف وحرية كاملين
13 أيار/2019
*البطريرك صفير تابع مسيرة الموارنة الأوائل السياديين والرؤيويين والإستقلاليين وهي مسيرة نضالية مستمرة منذ 1600 سنة
*آمن البطريرك صفير بالحريات واعتبر بأن لا لبنان دون حريات ونجاح الحياة مع المسلمين.
*الموارنة سعوا بجهد وتضحيات ونضال إلى تحقيق لبنان الكيان ومعه الاستقلال والحريات “والحياة مع الآخر” منذ سنة 410 ، وهذا ما أكمله البطريرك صفير طول حقبة مسيرة الحبرية.
*آمن البطريرك صفير بلبنان القضية والكيان وبدور الموارنة بحراسته وصونه والدفاع عنه وبجعله نموذجاً عالمياً للحياة بين الطوائف والمذاهب.
*ما يميز البطريرك صفير هي قدرته بأن يرى صحيحاً وبأن يرى بعيداً.
*عمل النظام السوري ما لا يُعمل لإخضاع البطريرك صفير، لكنه فشل بوجه عناده وصلابته وصبره وإيمانه وجرأته المجبولة بالتواضع والبساطة.
*تعرض البطريرك صفير لخمسة محاولات اغتيال لكن الله حماه.
*من المحزن أن 19 مطراناً مارونياً وقعوا على عريضة رفعت إلى الفاتيكان تقول بعدم صلاحية البطريرك صفير وذلك على خلفية تقدمه في السن للاستمرار في موقعه البطريركي.
*مؤامرة هي التي أزاحت البطريرك صفير من موقعه البطريركي.
*في كل مجتمع أقلوي تيارات ثلاثة: تيار انعزالي، وتيار اندماجي وتيار وسطي يجمع الأقلوية والأكثرية على أسس العدل والحريات والمساواة.. وفي قلب هذا التيار الوسطي كان موقع البطريرك صفير.
*البطريرك صفير هو راعي أمين للميثاقية اللبنانية.
*البطريرك صفير هو راعي أمين للحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين.
*البطريرك صفير برؤيوته الإيمانية والوطنية والإنسانية والتاريخية فهم أن المصالحات هي أولية قصوى بين الشرائح اللبنانية ولذلك عمل له ومن أجلها وحققها.
*البطريرك صفير فهم كما كانت حال الرؤيويين الموارنة تاريخياً بأن الجبل اللبناني هو السلسلة الفقرية للبنان الوطن والكيان والحريات ولهذا سعى بجهد وحقق المصالحة في الجبل بين الدروز والموارنة وبين المسيحيين وكل المسلمين رغم كل التهديدات والعوائق.
*البطريرك صفير آمن عملاً وقولاً بأن العلاقات المسيحية الإسلامية لم تكن تسوية بل مصير حياة.
*آمن البطريرك صفير بأن “لبنان القضية” أي لبنان الحريات والحياة المشتركة، هو مؤول الأحرار، وبأن لا نجاح  لهذا ال لبنان المميز والفريد، ولا إمكانية لإستمراريته دون النجاح في التعايش مع الآخر والعمل معه. أي الحياة بين مسلميه ومسيحييه.
*استقال غبطته بنتيجة ضغوطات كبيرة جداً من قوى الاحتلال ومن اللبنانيين الذين لا يؤمنون بالقضية اللبنانية وذلك بعد أن فشل هؤلاء جميعاً ورغم كل إمكانياتهم ومواقعهم السلطوية في تدجينه وتغيير مواقفه اللبنانية الكيانية الصرف.
*آمن البطريرك صفير بمفهوم عامودية مار مارون الإيمانية، أي الرؤيا إلى فوق حيث الله، وحيث لا أحد يحدد للمسيحي علاقته بالله التي هي علاقة عامودية.
*في الخلاصة، فإن لبنان ليستمر بكيانه ونموذجه الحضاري هو بحاجة إلى رجال من خامة وصلابة وإيمان وتواضع ولبنانية البطريرك صفير .. رجال وقادة ورعاة رؤيويون وقادرين على الحياة مع الآخر ومؤمنين بقضية لبنان وبدوره الحضاري وبكيانه الأزلي وبسيادته والحريات.
*الحروب حالياً هي حروب ديموغرافية وصراع حضارات، وهنا تكمن قيمة لبنان “الحياة مع الآخر” والذي هو وطن أكبر بكثير من مساحته في هذا المضمار، ولهذا فالعالم كله بحاجة له ولنموذجه.
*البطريرك صفير جذرنا في الجغرافيا، وأبرزنا في التاريخ.
*الأقضية التي أعيدت للبنان الكبير هي أصلاً اقتطعت منه وقد عادت إليه.
*لبنان هو جبل الحرية، وليس جبل الموارنة، والبطريرك من هذا المفهوم.
*كيسنجر قال للرئيس السوري الرحال حافظ الأسد، “إن أردت السيطرة على لبنان سيطر أولاً على الموارنة فيه”.
إسرائيل وسوريا لا يؤمنان “بكيانية لبنان”، ولهذا يعملان كل على طريقته لإسقاطه وضربه.

مقالات وكلمات في رثاء غبطة البطريرك صفير.. للكتاب: الياس بجاني/أحمد عدنان/د. توفيق هندي/عقل العويط/د.مصطفى علوش/هيام القصيفي/محمد عبد الحميد بيضون/المحامي عبد الحميد الأحدب/سجعان قزي/جورج حايك/جوزف طوق/مرلين وهبة/طوني عيسى/سناء الجاك/خيرالله خيرالله/جليل الهاشم/منير الربيع/يوسف بزي/الدكتورة رندا ماروني/أنطوان الخوري طوق/محمد قواص/نقولا ناصيف/د. أحمد خواجة/نديم قطيش/المطران جورج صليب/

غبطة أبينا وسيدنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في ذمة الله
الرب أعطا والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً
الياس بجاني/13 أيار/2019
جاء في خبر عاجل لوكالة الأنباء الوطنية قبل قليل بأن الموت قد غيب غبطة أبينا وسيدنا غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي كان يعالج في مستشفي أوتيل ديو منذ عدة أيام.
سيدنا صفير في المفهوم الإنجيلي المسيحي لم يمت، بل هو انتقل من الموت إلى الحياة.. الحياة الأبدية حيث لا خوف ولا وجع، بل فرح وسعادة أبديين.
جسد سيدنا صفير الترابي هو الذي توقفت فية الحياة بعد أن استرد الخالق جل جلاله وديعة الحياة منه.
فمن التراب جبل جسد الإنسان الترابي وإلى التراب يعود.
ولكن روح سيدنا صفير هي الآن في السماء تنظر إلى لبنان وأهله من فوق تباركهم وتصلي لهم وتتضرع من أجل عودة السلام والحريات والإستقلال والسيادة إلى وطن الأرز الذي أحبه سيدنا وقدم حياته على مذبحه.
روح سيدنا صفير الطاهرة هي في السماء محاطة بالملائكة وبين أيدي الخالق جل جلاله.
سيدنا صفير تمم واجباته الإيمانية والكهنوتية والكنسية والوطنية والإنسانية، وكان طوال حياته تقياً ومؤمناً وشفافاً ومتواضعاً وحاملاً بعناد رسالة المسيح ومبشراً بها دون تعب أو كلل.
دائماً كان يشهد للحق ببساطة دون مواربة، وبكلمات قليلة، ولكن معبرة ونافذة إلى القلوب والعقول والوجدان.
لم ييأس يوماً،
ولم يُحبط،
ولا قل إيمانه،
ولا خاب رجاؤه في مواجهة التجارب والصعاب الجسام والشدائد.
بل كان دائماً مؤمناً وبثقة صلبة وأكيدة برحمة ومحبة الله.
سيدنا صفير كان حارساً أميناً على الكنيسة المارونية، وراعياً أميناً لرعيته، وهو عمل دون كلل وبحماس وصبر وبعناد وصلابة وإيمان على تأمين وحماية حقوق ووجود كل المسيحيين في لبنان وبلاد الإنتشار عموماً والموارنة منهم تحديداً.
وقف بعناد وكالجبل الشامخ في مواجهة الاحتلال السوري ورموزه المحليين وكان رأس حربه في إنهاء هذا الاحتلال الغاشم من خلال لقاء قرنة شهوان السلمي والحضاري والعابر للطوائف.
سيدنا صفير رعى مصالحة الجبل ولم يقطع الاتصالات مع أي شريحة من شرائح وطن الأرز المذهبية والمجتمعية ولم يقفل باب الصرح البطريركي بوجه أحد.
سيدنا صفير وبشهادة كثر من اللبنانيين، مواطنين ورجال دين وقادة، كان أباً ومرشداً ومسانداً ومتفهماً للجميع، وقد لاقاه الكل بمحبة واعترفوا له بفضائله الحميدة وبرعايته المخلصة واعتبروه عن قناعة وعن تجربة وأفعال أباً وصديقاً لهم.
في المسيحية لا موت، بل انتقال من الموت إلى الحياة.. وسيدنا صفير انتقل اليوم إلى جوار ربه ليكون بمعية وإلى جانب البررة والقديسين.
ذكراه العطرة باقية طالما بقيت ذاكرة حية وعرفان بالجميل وتقدير للكبار والعظماء والبررة عند الموارنة بشكل خاص، وعند اللبنانيين السياديين والشرفاء والاستقلاليين والوطنيين عموماً.
الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً.

رحيل البطريرك
أحمد عدنان/عكاظ/15 أيار/2019
غادر إلى جوار ربه الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وهو على مشارف المئوية، وإن كان صفير بطريرك الموارنة السابق فهو – في الوقت عينه – بطريرك لبنان الدائم.
تولى صفير الزعامة الروحية لطائفته عام ١٩٨٦ في ظرف حساس جدا، إذ دخلت الحرب الأهلية اللبنانية في صفحاتها الأخيرة، وكانت الموارنة بحاجة إلى شخصية توازي اللحظة التاريخية الحرجة لاستعادة الدولة والعبور إلى السلم، وكان صفير أهلا لهذه المسؤولية.
دخل صفير إلى سجلات التاريخ بمعارك كبيرة وجليلة، وعلى رأسها معركة اتفاق الطائف، إذ أمن صفير – بالشراكة مع حزب القوات اللبنانية بقيادة د. سمير جعجع – الغطاء المسيحي للاتفاق، ولولا مباركة البطريرك ما انطوت صفحة الحرب في لبنان.
تصادم صفير كذلك مع رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية وللميثاقية – في ذلك الوقت – الجنرال ميشال عون، وهي معركة استمرت إلى أن غادر المقعد البطريركي سنة ٢٠١١، كانت مآخذ صفير على الحكومة العسكرية كثيرة وكبيرة؛ أهمها الاعتداء على الحريات، وتغليب المطامع الشخصية على المصلحة العامة، وجر اللبنانيين عموما والموارنة خصوصا إلى هاوية التهلكة، وبسبب صلابة البطريرك حرض الجنرال أتباعه على التهجم عليه لفظيا وجسديا في سابقة مخزية عبر التاريخ اللبناني.
بعد أن دخل اتفاق الطائف إلى حيز التنفيذ، خاض البطريرك أشرس معاركه ضد الوصاية السورية، واعتلى الزعامة السياسية للمسيحيين بعد نفي عون واعتقال جعجع، واجه صفير في سورية حافظ الأسد ثم نجله بشار، وواجه شبيحة البعث في لبنان من أمثال إميل لحود وجميل السيد، وكان شعار صفير صادقا وبسيطا: «استقلال لبنان»، وفي سبيل هذا الشعار جال صفير عواصم العالم، تحدث مع الملك حسين والرئيس حسني مبارك، فضلا عن زياراته الدائمة إلى واشنطن وباريس.
في عام ٢٠٠٠، ورغم أنف النظام السوري وأتباعه في لبنان، أطلق صفير في نداء المطارنة دعوته لخروج القوات السورية من لبنان، وأعلن مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط عن مصالحة الجبل بين المسيحيين والدروز، لتطوي هذه المصالحة صفحة الحرب الأهلية تماما، وتشكل نقطة ارتكاز متدحرجة تجمع اللبنانيين ضد الوصاية السورية والسلاح الإيراني.
باستشهاد الرئيس رفيق الحريري سنة ٢٠٠٥، خرج بشار الأسد من لبنان ولم يسترح صفير، إذ خاض معركة قاسية ضد السلاح الإيراني المتمثل في مليشيا حزب الله وحليفها ميشال عون، رفض صفير منطق القتل والإرهاب وتعطيل الدولة وقضمها، لم يمنح صفير حزب الله مجرد ابتسامة، وكان إذا تحدث عنه قال: «ما يسمى بحزب الله».
دخل لبنان عام ٢٠٠٩ منعطفا دقيقا في الانتخابات النيابية، وفي اللحظة الأخيرة أطلق صفير تصريحا تاريخيا حسم المسار الانتخابي وطنيا ومسيحيا: «إننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبه له، ولهذا، فإن الواجب يقضي علينا أن نكون واعين لما يدبر لنا من مكائد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغير، إذا نجحت، وجه بلدنا». ودعا الجميع إلى «التنبه لهذه الأخطار وإلى اتخاذ المواقف الجريئة التي تثبت الهوية اللبنانية، ليبقى لبنان وطن الحرية والقيم الأخلاقية والسيادة التامة والاستقلال الناجز، ولا يضيع حق وراءه مطالب».
كان لهذا التصريح ضد حزب الله وإيران أثر إيجابي في حسم مواقف الناخبين المترددين، فانتصرت القوى السيادية والاستقلالية في انتخابات ٢٠٠٩، وفي المشهد الإقليمي الأوسع، انتصرت المملكة وحلفاؤها وخسرت إيران وأتباعها.
وفي هذا التصريح، نستطيع فهم عقل صفير السياسي الذي ينطلق من عناوين: ١- استقلال لبنان وهويته العربية. ٢- سيادة الدولة والدستور والقانون. ٣- الاعتدال والتعايش. ٤- الحرية والحرية ثم الحرية. وهذه القيم من الواجب أن يجتمع عليها اللبنانيون مجددا هذه الأيام.
وبالتأمل في مسيرة صفير المشرفة والمشرقة، نلاحظ أن التسويات التي تبناها لم تخرق سقف ثوابته الوطنية، فإيمانه باتفاق الطائف لم يثنه عن المطالبة باستقلال لبنان كما أراد السوريون، وموقفه السلبي من آل الأسد لم يتحول إلى موقف عام ضد العروبة، وإيمانه بالعيش المشترك لم يسبب التغاضي عن المليشيا الإيرانية وإرهابها، وموقفه الصارم ضد الإرهاب لم يقفز مطلقا إلى موقع العداوة مع الإسلام.
كان صفير شجاعا بكل معنى الكلمة، فتصريحاته شاهدة ومواقفه راسخة، ففي ذروة انخداع العرب بحزب الله قال صفير «الطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين ونرفض وجود جيشين في لبنان». وحين سئل إن كان سيزور قصر المهاجرين (مقر الرئاسة السورية) أجاب: «أين يقع قصر المهاحرين؟!»، لم يزر صفير سوريا الأسد مطلقا رغم كل الضغوط، إذ أراد آل الأسد أن تكون هذه الزيارة رمزا لاستسلام اللبنانيين والمسيحيين، فكان رد البطريرك «لن أزور سورية إلا وطائفتنا معنا، وهذا الأمر صعب في ظل توجس المسيحيين من النظرة السورية إلى لبنان». وفي يناير ٢٠٠٩ قال إن اتفاقية سايكس بيكو منحت لبنان استقلاله، وإن إسرائيل ستخرج من مزارع شبعا بالسلام.
برحيل البطريرك صفير، خسر لبنان سندا رصينا، وفقدت المملكة حليفا صدوقا، وأظن أن صفير لو كان على رأس الصرح البطريركي (بكركي) لصرخ كل يوم في وجه توحش السلاح الإيراني ومآلات التسوية الرئاسية، «الكل عم يحكي تركي وبكركي عم تحكي صح».
* كاتب سعودي

البطريرك مار نصر الله بطرس صفير صخرة لبنان لن تموت
د. توفيق هندي/النهار/2019
صحيح أن المجد أعطي له. فالبطريرك مار نصر الله بطرس صفير إستحق هذا المجد بإمياز. فالظروف لا تكفي لخلق الرجل التاريخي.
إنتخب صفير بطريركا” في 19 نيسان 1986، 94 يوما” بعد إنتفاضة 15 كانون الثاني 1986 التي أطاحت بالإتفاق الثلاثي. كان الظرف صعبا” وسوف تظل الظروف صعبة طوال حبريته التي إمتدت زهاء 25 سنة.
غير أن ما جعل منه بطريركا” تاريخيا” هو طينته، معدنه، أي الصفات التي تميز بها. فهو يشع بالقوة الهادئة، وهي أفعل أنواع القوة.
كان لصفير إدراك عميق لدور البطريركية المارونية في الحفاظ على الكيان اللبناني، لبنان الرسالة، المميز في محيطه العربي ولكن ليس عنه، لبنان المساحة الحضارية وليس فقط المساحة الجغرافية، حيث تتفاعل إيجابيا” الثقافات والأديان والطوائف، أو هكذا يجب أن يكون.
كان يدرك تماما” أن لبنان والحرية صنوان وأن لبنان دون الحرية يفقد علة وجوده. والحرية تعني حرية الإنسان وحقوقه في حرية المعقد والتفكير والتعبير والكتابة وتعني الحريات الجماعية من حرية الصحافة وحق التجمع والعمل والحرية الإقتصادية والحرية السياسية، حرية مسؤلة منتظمة في إطار نظام ديمقراطي.
كان متمسكا” أيضا” بحرية الوطن والشعب، وكان هذا الأمر يتجسد بالمتسك بالدولة وتنفيذ الدستور والقوانين والحفاظ على إنتظام الحياة السياسية في مؤسسات الدولة وسيادة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية على كافة الأراضي اللبنانية وحصرية إمتلاك السلاح وتحريكه في يد السلطات الشرعية اللبنانية، وإستقلال لبنان الناجز ورفض الوصايات الخارجية والإحتلالات أكانت إسرائيلية أو سورية أو إيرانية وعدم الدخول في لعبة المحاور الإقليمة القاتلة ورفض علاقات أي دولة بأي طرف لبناني، على أن تكون علاقات لبنان بأي بلد من دولة إلى دولة.
كان يتمسك بالعيش المشترك ولكن في الوقت عينه بالحضور المسيحي الفاعل من منطلق الحفاظ على الكيان اللبناني الذي أراده وسعى إليه البطريرك الحويك وكان يعتبر أن البطريركية المارونية أوكلت إليها حراسة هذا الكيان المميز وأن دور لبنان في العالم العربي هو رفده بهذه التجربة الفريدة في التفاعل بين الأديان والثقافات.
أسمح لنفسي أن أتحدث عن رؤيته هذه لأني كنت لصيقا” به طوال حبريته وفاعلا” إلى جانبه.
وقد قاد الحركة السيادية بحكمة وصلابة ولكن بدون تهور. وقد كان الغطاء المسيحي والوطني لإتفاق الطائف وإلى جانبه شكلت القوات اللبنانية الغطاء السياسي المسيحي لهذا الإتفاق. ولكن الظروف الدولية والإقليمية وضعت أمر تنفيذه في يد سوريا-الأسد. فلم ينفذ الوصي منه إلا ما هو بمصلحة تسلطه على لبنان.
وفي أيلول 2000 كان نداء بكركي الشهير لخروج الجيش السوري من لبنان وقبل هذا التاريخ لقاء قونة شهوان الغير معلن وتحوله في 30 نيسان 2001 إلى صيغته العلنية الموسعة.
وعند عودته من أميركا بشباط 2001 توافدت الحشود (أكثر من 250000) إلى بكركي لإستقباله ومبايعته قائدا” للحركة السيادية، فكان لهذه الحركة في لبنان قائد وشعب وساعد سياسيي، أعني لقاء قرنة شهوان.
أختم بالقول أننا سوف نكون أوفياء لتعاليمه لنخرج لبنان من تحت الوصاية البديلة والطبقة السياسية الملحقة بها والتي تعبث بالكيان والدولة والحرية والسيادة والإستقلال.

“الحقير” نصرالله بطرس صفير لم يكن حقيرًا، وصيّة السادس والسبعين لا أحد يملي علينا موقفًا
عقل العويط/النهار/13 أيار/2019
مات السادس والسبعون في ليل لبنان البهيم. حسنًا. فليهنأ بموته الصغارُ الذين يهلّلون الآن في الداخل وفي الخارج، والذين كان نصرالله بطرس صفير حصرمًا في عيونهم، وشوكةً في الخواصر والحلوق والزلاعيم. لم يكن جسد الرجل أعجوبة، ولا أسطورة، ولا أرزةً، ولا صخرةً في جبل لبنان. كان محض جسدٍ فانٍ، وكان ينبغي لهذا الجسد الفاني أن يفنى، وإنْ على أنفةٍ ومعاندةٍ وصلابةٍ وكَبَر. كان لا بدّ لهذا الجسد من أن يستريح. والآن، في عزّ هذا الليل اللبنانيّ البهيم، بات في إمكان المرء أن يكتب: فليذهب جسد نصرالله بطرس صفير إلى حيث يجب أن يذهب. وعلى ما جاء في الإنجيل، فليتولّ الموتى، أحبارًا أكانوا أم علمانيين أم أهل أرضٍ وسلطة، دفن هذا الجسد. فقط، في وسع الخالدين فحسب وفقط، أن يشمّروا عن زنودهم وأفكارهم، وأن ينصرفوا إلى مواصلة أشغال الخلود التي دعاهم ابن ريفون إلى امتشاقها، أخذًا عن وصيّةٍ، وصيّة الحريّة، هي بنت الآن والأمس والغدً وبعد غدٍ وإلى الأبد.
لا أمدح الرجل، ولا أرثيه. فقد كان يشوبه، ما يشوب بني البشر. فهو، مثلًا، لم يكن معصومًا من الخطأ البشريّ الدنيويّ. كما لم يكن طليعيًّا في مسائل التجديد والإصلاح الدينيّ، ولا في العمل المؤسّسيّ، على مستوى كرسيّه. أعرف هذا معرفةً شبه يقينيّة، أنا المتملّص من كلّ ربقةٍ أو قيدٍ أو ارتباطٍ، لا باعتباري ذا شأنٍ، بل بصفتي المواطنيّة المدنيّة العلمانيّة، القريب جدًّا والمقرّب جدًّا من ثلاثةٍ أكنّ لهم حبًّا حرًّا، الملفانَين العلاّمتَين يواكيم مبارك وميشال الحايك، وعمّي، شقيق أبي، الذي كان موضع سرّه والصابر معه على المحن ومتطلّبات الكرامة.
فضيلته القصوى التي تستهويني، أنّه كان يحمل على منكبَيه، بلا وجلٍ، وبدون ادّعاءٍ أو بهورة، مسؤوليّة أن يشهد، وأن يحفظ إرثًا من الحريّة عمرُهُ ينوف على ألفٍ وخمسمئة عام. فقد كان نصرالله بطرس صفير هذا، صنديدًا، جبّيرًا، عنيدًا، مقدامًا، صلبًا، شجاعًا، بطريركًا حرًّا في الزمن المهول الصعب. ففي بلادٍ كهذه، بات كثرٌ من أسيادها وأهلها موظفّين، أجراء، عبيدًا، أزلامًا، خانعين، مرتزقة، مرتبطين، وبات قلائل منهم يعشقون الحريّة، كان ينبغي لكلّ حرٍّ أن يرتضي حريّة نصراللله بطرس صفير تلك إنجيلًا – حريّته فحسب -، وأن يدعو إلى ارتضائها إنجيلًا بهذه الصفة، وبهذا المعنى، ولهذه الغاية؛ إنجيلًا يُنادى به في المكمل، في صنّين، في الباروك، في حرمون، على رؤوس الجبال، في الوعر، في المغاور، في قنّوبين، في الأودية السحيقة، في السهول والمنبسطات، وعلى فقش الموج، والهدير الصاخب. أن تُرتضى حريّة نصرالله صفير إنجيلًا، بعدما شهدنا تمريغ الأناجيل، وسوى الأناجيل، في المستنقعات.
أن يكون المرء نصرالله بطرس صفير، بطريركًا حرًّا، وأن يقول لا للذهاب إلى دمشق، وإنْ لملاقاة سيّده الجالس على أسقفيّة روما، ثمّ يقول لا للإملاء والانحناء، وإن تحت التهديد بالقتل، والتركيع، والتمريغ، والاستهانة، والإهانة، فهذا ممًا لا يُنسى له، بل يُضاف في السجلّ، ويُكتَب، ويتراكم على مدى الأزمنة، ليتدرّب الأحرار، والأحبار، وليُزاد في ميزان الحريّة، في هذا الشرق العبد الكئيب.
لا أمدح الرجل، ولا أرثيه، إلاّ من حيث اعتباره ضوءًا حرًّا، سيّدًا، مستقلًّا، ذا كرامةٍ وسؤدد، حين في الليلة اللبنانيّة الظلماء المتواصلة فصولًا وعهودًا وحقبات، كان البدر يُفتقد، وهو البدر الذي لا يزال يُفتقَد، في ما بين الأحبار والقادة والرؤساء والمسؤولين وأهل السلطات والأساطين والسادة والشعب العظيم.
في سوى ذلك، في سوى الحريّة، لا أمدح نصرالله بطرس صفير، ولا أرثيه.
لطالما كنتُ أقصده في السرّ، في الخلوات، في الدغشة، في النعاس، في ما بعيد الفجر بقليل، بعد ارفضاض الأوقات العلنيّة الظاهرة، لأقوم بما ينبغي لي أن أتولّاه، وأن أقوم به، ولأشرب صلابة عينيه، والعزم، والشرر، والصمت المُحجِم عن كلّ شطط، والتحفّظ الذكيّ الماكر، وشبه الابتسامة، أو الابتسامة كلّها، بل الضحكة الملأى، والمشية الواثقة. ولطالما كنتُ أذهب إليه من تلقائي، أو مُرسًلًا، بتواضع التلقاء، وبتواضع المُرسَلين، وامحائهم، فقط من أجل الحريّة، وفقط من أجل لبنان. فقط وحسب من أجل الحريّة والدولة في لبنان.
أختم مقالي المتواضع هذا، بالتوقّف عند كلمة “الحقير”، وهي صفةٌ ملازمةٌ لاسم البطريرك المارونيّ، ولشخصه، ولمقامه، كان يمهر بها توقيعه في كلٍّ بيانٍ جلل يصدر “عن كرسيّنا في بكركي”، أو “عن كرسيّنا في الديمان”، أو كما كان أسلافه يمهرون تواقيعهم “عن كرسيّنا في كفرحي”، أو “عن كرسيّنا في يانوح”، أو “عن كرسيّنا في قنّوبين”. وإذا كانت الكلمة تنطوي في معناها القاموسي على الازدراء والتحقير والتصغير، فإنّما دلالتها الروحيّة البطريركيّة، تندرج في سياق الإعراب عن الخدمة والتواضع والامحاء أمام الله والناس، كلّ الناس.
“خادم خدّام المسيح” صفة ملازمة للبابا أسقف روما، كما “الحقير” صفةٌ كانت ملازمة للبطاركة الموارنة، وأيضًا لمار نصرالله بطرس صفير، البطريرك السادس والسبعين على كرسيّ أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة.
لكنّ “الحقير” مار نصرالله بطرس صفير هذا، لم يكن حقيرًا. هكذا، حسبي أن أقول إنّ في وسع المنشغلين بالحريّة، وبمقارعة الحقارة، أن يظلّوا يمتشقون حريّة نصرالله بطرس صفير من أجل الحفاظ على الإرث، ومن أجل المستقبل والحرية. هذه وصيّته.

مار نصر الله بطرس صفير.. كرَّم الله وجهَك
د.مصطفى علوش/الجمهورية/13 أيار/2019
«دخلت على تاريخنا ذات ليلة فرائحة التاريخ مسك وعنبر
وكنت فكانت في الحقول سنابل وكانت عصافير وكان صنوبر
لمست أمانينا فصارت جداولا وأمطرتنا حبا وما زلت تمطر» (نزار قباني)
«في البدء كان الكلمة»، وفي النص اليوناني لإنجيل يوحنا يقول «في البدء كان اللوغوس» وهي لفظة يونانية قديمة عنى بها من أطلقها وهو الفيلسوف الكبير «هرقليطس» بأنه النار الأزلية التي تنير الضمائر وتدفع البشر النيام على جهلهم ليستفيقوا ويحكموا عقوله في شؤونهم. ليس هناك أكثر أهمية من الكلمة العاقلة المسنيرة باللوغوس في أحداث التغيير، فبالكلمة تبدأ الحكاية وبالكلمة تصنع الأفكار وبالأفكار تنسج الحرية والحرية تصنع العجائب.
كان والدي يحلم بيوم الحرية، وكان يقول إن مناه هو اليوم الذي يشهد فيه خروج آخر جندي سوري من لبنان. ووالدي لم يمكن يوماً إلا عروبياً يحلم بوحدة العرب، ولكنه كان يكره الاستبداد، وعانى كما عانى كل اللبنانيين ظلم أجهزة القمع ومواقع المخابرات المعروفة التي نصبتها سلطة الوصاية لمراقبة وخنق كل نفس حر كان يحلم به اللبنانيون.
والدي كان يواظب على الاستماع لموعظة غبطة البطريرك نصرالله بطرس صفير كل، أحد وكان يقول لي: «اسمع يا ابني، إذا أردنا أن نتحرر يوماً فما علينا إلا سماع كلمات «البطرك» فهو يرسم لنا طريق الحرية». لم يعش والدي ليرى وعد الحرية يتحقق على يد مئات الآلاف من اللبنانيين الذين مشوا على صدى كلمات البطريرك، فكان لهم ما أرادوا وتمنوا على مدى ثلاثين سنة يوم اجتمعوا مسلمين ومسيحيين يرددون مقاطع من عظات غبطته ملخصها: سيادة حرية استقلال حقيقة وعدالة.
خلال الانتداب الفرنسي على لبنان، وبمسعى من المثلث الرحمات البطريرك الياس الحويك، أعلنت دولة لبنان الكبير بعد ضم أقاليم الى ما كان يعرف بإمارة جبل لبنان. لا نعلم اليوم ما كان يجول بخاطر البطريرك وقتها فدفعه الى وضع مسيحيي الجبل، ومعظمهم من الموارنة، تحت رحمة التبدلات الديموغرافية غير المحسوبة، بدل البقاء في دويلة صافية مذهبياً، فضم أقاليم ذات أكثرية ساحقة من المسلمين (مع وجود فيها لمجموعات متفرقة من الموارنة).
قد يكون في سجلات الكنيسة المارونية مدونات عن مسوغات هذا القرار وقد لا يكون، ولكن، وبالنتيجة، فقد أصبح لبنان مشروعاً لمغامرة حضارية ونموذجاً لا مثيل له في العالم.
وقد يكون البطريرك هدف من وراء كل ذلك الى الإثبات بأن المحبة قادرة على تخطي الاختلاف، لأن الطبيعة البشرية قادرة على التسامح وتفهم الآخر متى أعطيناها الفرصة لمعرفة الآخر المختلف، هذا لأن التعصب والعدائية ضد الغير المختلف أساسها الجهل والإحجام عن معرفة الآخر.
وهذا هو بالذات جوهر الإرشاد الرسولي بخصوص لبنان الذي ساهم بوضع أسسه غبطة البطريرك صفير. لقد فهم غبطته منطق الوصاية المبني على فلسفة الاستعمار القديم الذي يقول «فرق تسد»، لذلك فقد استمرت التفرقة والفتنة سلاحاً في يد المحتلين لاستمرار وصايتهم على لبنان لدرجة أن بعض دعاتهم كانوا يروّجون بأن منطق تحالف الأقليات في الشرق هو السبيل للحماية من الأكثرية، وبأن حماية المسيحيين في لبنان بالذات مرهونة لاستمرار الوصاية السورية في ظل المنطق الأقلوي. لقد رفض البطريرك هذا المنطق جملة وتفصيلاً، مؤكداً على أن الحرية هي التي دفعت الموارنة للهجرة الى لبنان.
لذلك فإن الحرية وحدها هي السبيل للمحافظة على وجودهم في لبنان وفي المشرق بأجمعه. وعلم بأن السبيل الوحيد الى الحرية هو في قطع دابر الفتن المخطط لها بشكل دقيق لاستمرار الوصاية.
لذلك، فقد دعا مبكراً الى الالتزام بمبادئ المواطنية والتفاهم مع المسلمين، ولم ترهبه مظاهرات حاملي السواطير من أتباع أجهزة المخابرات الذين حاولوا إشهار سلاح الفتنة، لأنه كان يعلم أن أغلبية مسلمي لبنان الساحقة لها الآمال نفسها لأغلبية المسيحيين، وهي الحياة الحرة والكريمة في ظل وطن يجمع الكل تحت رايته.لقد نجح اللبنانيون في تخطي هواجسهم الطائفية، ولو لفترة وجيزة في تاريخهم، يوم اجتمعوا لأول مرة تحت شعارات وطنية واحدة في 14 آذار، ولم يكن ذلك ممكناً لولا الكلمة الحكيمة التي كان يطلقها غبطة البطريرك نصرالله بطرس صفير. اليوم فارقنا مثلث الرحمات البطريرك مار نصر الله بطرس صفير وقد كرم الله وجهه بأن عفاه من ذل تولية وجهه نحو الأوثان والأصنام، هؤلاء الذين نكلوا بكل ما حلم به غبطته في حياتهم هؤلاء الذين زرعوا الموت والدمار والبراميل المتفجرة، ومن سمموا الهواء بالغاز القاتل، ومن استدرجوا رعاع الأرض وحثالتها من حشد وداعش ليفسدوا في البلاد والعباد.
كرم الله وجهه لأنه لم يدخل في تجربة الخضوع والذهاب إلى دمشق تحت نير الإحتلال، ورفض كل الإغراءات التافهة بأمجاد السلطة الفانية، ولم يرهبه بالمقابل غوغاء من هاجموه في صرحه يوم آثر الذهاب إلى السلم الأهلي بدل الأوهام الإنتحارية والحرب العبثية ورايات النصر الفارغة، يطلقها قائد موهوم بآفة العظمة الذاتية. سيدنا أنا قد يكون من المثير للشفقة بنا إن دعونا لك بالرحمة، فأنت موكل بطلب الرحمة لنا من حيث ستكون حتما إلى جوار القديسين، لكننا سنفتقد وجودك بيننا، وستبقى ذكراك في كل يوم نستذكر أبطال استقلالنا.

غابت أيقونة الطائفة المارونية…
هيام القصيفي/الأخبار/13 أيار 2019
حين تناول قربانته المقدسة ومسحة المرضى الأخيرة، عاد الأبونا والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير إلى حضن ابيه، مودّعاً حياة عمرها من عمر لبنان الكبير الذي أحب وخدم حتى الرمق الأخير، كما أحب كنيسته و«خاصته»، عملاً بما نص عليه كتابه الإنجيلي، زاده اليومي والأحب إلى قلبه. عاد إلى كنف والديه ومن سبقه من عائلته، مغادراً أحبة وجماعة انتمت إلى خطه الكنسي والوطني، وانطبعت في ذاكرتها صورته الأبوية. ترك كنيسة خدمها أكثر من سبعين عاماً، ووطناً دافع عنه بحب وعناد قلّما شهدنا مثلهم لدى قادة روحيين وسياسيين. لم يرتضِ تسلط طرف على آخر، ولا طائفة على أخرى، آمن بلبنان بلد الطوائف والمجموعات تعيش فيه بسلام حقيقي وعيش مشترك فعلي، ولم يساوم في الحفاظ على حقوق المواطنين أياً كان انتماؤهم الطائفي والسياسي. ولد في الشهر المريمي ورحل في شهر من تعبّد لها. عاش بسلام داخلي ورحل بصفاء، رغم أن بعضاً من بني قومه آثر ألّا يتركه يذهب إلى سيده بسلام.
صاحب الضحكة الدافئة والذكاء الحاد والإخلاص لسرّ كهنوته واحترامه الاستثنائي لموقعه، كان مثالاً على اقتدار فرد في التأثير بمجريات التاريخ. فأهميته أنه كان الشخص المناسب الذي قام بمهمات هائلة في الوقت المناسب تماماً. أُعطي ألقاباً كثيرة ونعوتاً سامية وسيئة، وبقي «أبانا البطريرك».
إنه سيد أنطاكيا وسائر المشرق لخمس وعشرين سنة. مهما اختلفت الآراء في مواقفه، يشهد له حتى أعداؤه، أنه ظلّ ثابتاً عليها. لم تغرّه مظاهر، ولا خدعته إغراءات سياسية، محلية أو خارجية. وقف في وجه ضغوط كثيرة، أُهين كما سيده، هوجم بالكلام لسنوات طويلة و«عومل بقسوة فتواضع ولم يفتح فاه، كحمل سيق إلى الذبح» (أشعيا 53)، واعتُدي عليه جسدياً، وظل صامتاً، غافراً لمن اعتدوا عليه وهجّروه من كرسيه البطريركي، ولاحقوه بالأذية بطريركاً وناسكاً ومريضاً. صمد في وجه عواصف محلية وإقليمية ودولية، لكنها لم تكسره، ولم ينبت العشب على أدراج بكركي. هو البطريرك الذي لم ينحنِ لأحد ولم يتزلف لأحد، ولم يتورع عن قول كلمة الحق والوقوف حتى في وجه أصدقاء له إن أخطأوا، أو يعترف بعمل حق حتى لو عاداه كثيرون من أصدقائه.
الخجول بطبعه والجريء بطبيعته، الرصين والساخر، كان يقول لمحبيه إن هدوءه وسلامه الداخلي نابعان من «خوفه المسيحي العميق» وانتمائه إلى الإنجيل، لأنه فهم الكتاب المقدس بفطرية، وهو الذي تربى عليه طفلاً في عائلة تقية، وتعمق بسرّه كاهناً.
من الجيل الكهنوتي الذي لم يُعرف عنه إثم أو خطيئة، أو سُجِّلت عليه سوابق، أخلاقياً وكنسياً. الطوباوي الذي شهد تقديس رموز الطائفة المارونية من مار شربل، إلى رفقا والحرديني ويعقوب الكبوشي والأب أسطفان نعمة وأشرف على فتح دعاوى قديسين أبرزهم البطريرك أسطفان الدويهي. خمسة عشرون عاماً قضاها في خدمة الكنيسة بطريركا، وقبلها 36 سنة كاهناً ومطراناً، من دون أن تعرف عنه بهرجة في ملبس أو مأكل. في بكركي أو الديمان، صيفاً وشتاءً، هو نفسه بلباسه البسيط وببسمته الوديعة وحركات يديه الطريتين، ووجهه السموح والحاد في آن معاً. عباراته على مدى 25 عاماً صارت مرجعاً، تحفظ له في الدين والسياسة وأجوبته اللاذعة باتت مضرب مثل، كحنكته في إدارة الحوارات واطلاعه الدقيق على أي ملف سياسي أو اقتصادي طُرح على طاولته، وذاكرته التي لا تنضب. أصدقاؤه المقربون معروفون، وثق بقلة وفتح قلبه لكل من دقّ بابه. في ظروف مختلفة، أحبّ من كان مخلصاً ودافع عنه وقرّبه إلى قلبه، وشهد على انقلاب محيطين به أكليروساً وعلمانيين. لا يطلب شيئاً لنفسه، منصرفاً إلى الصلاة والقراءة والترجمة والمشي، في بكركي والديمان، معتمراً قبعته البسيطة، متكئاً على عصاه يمشي في دروب قنوبين العتيقة ممتلئاً من قداستها وسحر كنيستها. المثقف والقارئ النهم، كتباً وصحفاً ودراسات، المحلل السياسي والعالم الكهنوتي، أحد أبرز رجال الدين بإتقانه للغة العربية، كتب عظاته بلغة فصيحة، فصارت مرجعاً أسبوعياً في اللاهوت وفي المواقف السياسية. مواكب لعصره، وهو المولود قبل مئة عام، كتب بقلمه يومياته وأسراره الكثيرة، واحتفظ بالكثير أيضاً، وترجم ودرّس وطوّر ثقافته في مجال الكومبيوتر، فلم يرتهب أمام تكنولوجيا عصرية وهو يتقدم في السن. لغاته الغربية كانت له جسر عبور تلميذاً وكاهناً ومطراناً وبطريركاً إلى عالم غربي بثقافته الواسعة. عمل لكنيسته وأنشأ مؤسسات رغم الظروف السيئة التي عرفها لبنان، ويشهد له قيامه بالمجمع الماروني عام 2003 الأول بعد المجمع الماروني عام 1736.
حين عاد البابا بنديكتوس السادس عشر من لبنان إلى روما، كانت صورة صفير في ذهنه حين اختار الاستقالة والعزلة للصلاة والتأمل. هما الأسقفان الأعلى رتبة اللذان يقدمان استقالتيهما الطوعية من رأس كنيستيهما، يعتزلان ويعودان كما باشرا حياتهما كاهنين «أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق» (مار بولس). خلال حبريته، زار البابا يوحنا بولس الثاني لبنان الذي خصّه بمجمع وبإرشاد رسولي، بسعي من صفير. فتحولت الزيارة مناسبة كي يفجّر فيها المسيحيون معارضتهم للنظام السوري وللسلطة القائمة حينها، حين احتفلوا مع البابا والبطريرك إلى جانبه على طرق بكركي وحريصا وبيروت.
قال لا لروما والبابا يوحنا بولس الثاني الذي احترمه وأحبه واعتبره أنه مثل كاردينال بولونيا الذي وقف في وجه الاحتلال الروسي، حين طلب منه مرافقته إلى دمشق فيما كان يخوض حينها أشرس معركة في وجهها. وقال لا لواشنطن حين وقفت ضد سيادة لبنان، فعارضته ورفضت استقباله، إلى أن تبدل موقفها ولم يبدل حرفاً في قناعاته. قال نعم للطائف كمخرج من الحرب الأهلية، وظل حريصاً على الدفاع عنه. وقال لا للوجود السوري طوال سنوات، وجهر بلا آلاف المرات للسلطة التي أنتجتها سوريا بعد الطائف، وللرئيس رفيق الحريري ومشروعه الاقتصادي في مذكرة شهيرة ضمت هواجس بكركي ومآخذها على استبعاد المسيحيين عن الإدارة وسوء تطبيق الطائف وعدم احترام الدستور. قال لا مرات عدة للرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود، لكنه احترم موقع الرئاسة، وعارض التمديد لكليهما بحدة لم يصل إليها خصومهما، إلا أنه أيضاً رفض فكرة إجبار لحود على الاستقالة كيلا تسجل سابقة رئاسية.
من الظلم أن تختصر حياة صفير بمرحلة عام 2005، رغم أنه المحرك الأساسي لها. ومن الظلم له أيضاً أن يستغل بعض الطفيليين سياسياً وإعلامياً حياته، كما وفاته، لتصفية حسابات سياسية. هو الذي انتخب بطريركاً في آب عام 1986، في مرحلة شرسة من عمر لبنان. خلف البطريرك الكاردينال مار أنطونيوس بطرس خريش. ورغم أنه أتى في ظروف تسوية حملته إلى السدة البطريركية، عاكس كل التكهنات التي كانت لا ترى فيه إلا كاهناً ومطراناً يكتب الرثاء والرقيم البطريركي. لكنه تغلب على أسلافه بحكمة وبصلابة، وتحوّل زعيماً كنسياً ووطنياً بلا منازع، وحوّل الصرح البطريركي في بكركي قِبلة، حتى فاق عزه عز أسلافه البطاركة. ولم يأتِ موفد إلى لبنان إلا وزاره واستمع إليه، فكان سفيراً فوق العادة لبلد يتخبط بالحروب.
المعمودية السياسية الأولى لصفير، كانت في مواجهته لحظة استحقاق أساسية مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل عام 1988. لم يجد السياسيون سوى بكركي لجسّ النبض والاتفاق على تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية. كانت البلاد قد بدأت تشهد الانقسام المسيحي بعد سقوط الاتفاق الثلاثي.
حاول صفير تهدئة الساحة المسيحية وتأمين انتقال هادئ للسلطة. قد يكون، كما النواب الموارنة الذين كانوا يجتمعون لديه، صدّقوا أن الجميّل أعدّ لمرحلة ما بعده ولحكومة جديدة بعدما تعذر انتخاب رئيس جديد، إثر تهديدات الموفد الأميركي ريتشارد مورفي. لم يقبل الموارنة بأن يكون أمامهم خيار الفوضى مقابل انتخاب مخايل ضاهر، وكانوا على ثقة بأن الجميّل لن ينقلب عليهم، لكن الأخير زار دمشق وعاد منها وسلّم قائد الجيش العماد ميشال عون رئاسة الحكومة الانتقالية. تلك المرحلة الصعبة أدخلت لبنان وبكركي في مخاض جديد. وبدأ البطريرك يكتشف ألاعيب السياسة ودهاليزها وخداع السياسيين ومكرهم.
بدأت حرب التحرير ثم حرب الإلغاء وما رافقهما من التحضير لاتفاق الطائف. مواقف صفير لم تنل إجماع القوى السياسية، وفي مقدمها عون الذي غضب عليه لموافقته على «الطائف». البطريرك الذي أجبره مناصرو «الجنرال» الذين اقتحموا بكركي في تشرين الثاني عام 1989 على تقبيل صورة عون، متهمين إياه بمناصرة القوات اللبنانية والدكتور سمير جعجع والدفاع عن «الطائف»، ودفعوه إلى مغادرة بكركي إلى الديمان، هو نفسه الذي دافع عن حقوق العونيين حين نُفي قائدهم إلى باريس، كما دافع عنهم بشراسة في آب 2011، ودعاهم إلى قرنة شهوان فانسحبوا منها، لكنه ظلّ أميناً على استقبالهم ومراعاته لهم، قبل أن يعترف بزعامة عون بعد الانتخابات النيابية عام 2005. ومع ذلك، بقوا -مع آخرين غيرهم – على عداء له، حتى في استقالته ومرضه.
عاش الموارنة أسوأ كوابيسهم في ظل حرب الإلغاء والشرخ الذي أحدثته في المجتمع المسيحي، فيما كان الأب الروحي يرى أبناءه يقتتلون، ولا قدرة لديه على ردعهم رغم محاولاته الحثيثة، ليشهد بعد ذلك دخول الجيش السوري إلى بعبدا، وخروج عون إلى السفارة الفرنسية وإبعاده من ثم إلى باريس. إذا كان صفير قد أيد الطائف وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلا أنه لم يكن مؤيداً للمسار الذي أدى إلى مرحلة أقسى من حروب الاقتتال الداخلية، بعدما شهد فصول انهيار الطائف على أيدي منفذيه. بعد إبعاد عون، جاء تفجير كنيسة سيدة النجاة وما نجم عنها من محاكمة جعجع وسجنه. لم يصمت صفير عمّا تعرض له المسيحيون، والموارنة تحديداً، بعد سجن زعمائهم ونفيهم، وإبعادهم عن الحياة السياسية، في مقابل إطلاق يد حلفاء سوريا. ظلّ يردد في عظاته كلاماً قاسياً، وارتفعت لهجته تدريجاً إلى أن طالب بمقاطعة الانتخابات النيابية عام 1992. كل خطبه اتسمت بقساوة في المضمون، لكنه حافظ على أخلاقيات رفيعة في الممارسة السياسية كما في حواراته مع القيادات على تنوعها. أبقى أبواب بكركي والديمان مفتوحة، فلم يقفلها أمام أي شخصية موالية أو معارضة له، مهما كانت شراستها التي تعبّر عنها عند أدراج الصرح نفسه. في زمن حبريته، لم تبق شخصية إلا وزارته، يكاد الذين لم يقابلوه مِن السياسيين يعدون على الأصابع. عرف رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات ورؤساء مجالس نيابية، وصاغ علاقات جيدة على مستوى راقٍ من التعامل المسؤول. خبرته علّمته أن يكون صريحاً ومتشبثا بمواقفه التي دافع عنها بصلابة بين 1990 و2005. تلك المرحلة التي عاشها بكل تلاوينها، من الانتخابات التي قاطعها المسيحيون نزولاً عند رغبته، إلى الانتخابات اللاحقة التي انتقدها لأنها لم تكن عادلة بسبب قوانينها المركبة والمفصّلة على قياس أصدقاء سوريا.
بين المرحلتين وقف صفير في وجه مرسوم التجنيس والتلاعب بمصير لبنان الديموغرافي، وسلطة الترويكا، ورفض الفراغ الرئاسي، واضطر مكرهاً تحت إلحاح فرنسا ودول حليفة على تسمية مرشحين رئاسييين لم يؤخذ بهم. ولم يكن ليتردد في الجهر بها، مطالباً بخروج الجيش السوري. ولم يكفّ عن ذلك إلى أن توج مسيرته تلك بنداء المطارنة الأول.
هي المعمودية الثانية لبطريرك تحول زعيماً سياسياً لطائفته في غياب زعمائها. بين النداء الأول وعام 2005، عرف صفير كيف يحوّل كلمات قليلة انقلاباً تاماً على مرحلة الاستكانة القائمة. مع قرنة شهوان، والمطران يوسف بشارة، وشخصياتها التي شهدت على مرحلة استثنائية، تحولت بكركي مقصداً لكل من عارض الوجود السوري، وأيضاً لكل من جاءها منتقداً لمواقف صفير المطالب عودة المنفيين وخروج المسجونين.
فعل النداء الأول فعله. لامس وليد جنبلاط، فعقد معه مصالحة الجبل التاريخية عام 2001، وأعاد لحمة الجبل بعدما تهجّر مسيحيوه بفعل حرب 1983. كان صفير بذلك يؤسس لعودة المسيحيين، ويعيد وصل ما انقطع بينهم والدروز، وهو ما أثار امتعاضات لبنانية وسورية. لكن النداء لم يتوقف هنا، بل تسلل إلى طبقات سياسية بدأت تعي معنى إعادة الاعتبار للسيادة اللبنانية. في هذه المرحلة لم ينقطع حوار بكركي مع كل القوى من دون استثناء: الرئيس نبيه بري وحزب الله والحريري. لكن الاندفاعة قوبلت بحملة 7 آب 2001، والتوقيفات التي نفذتها الأجهزة العسكرية في حق مناصري القوات والتيار الوطني الحر. تحركت السلطة لمواجهة زلزال التظاهرات، وانطلق مسلسل جديد من القمع، لم يسكت عنه صفير، بل صعّد لهجته في النداء الثاني وفي العظات.
انطلق البطريرك بحملات داخلية وخارجية للمطالبة برحيل الجيش السوري وتطبيق الطائف، وبقانون انتخابي يؤمن صحة التمثيل، فأيد العودة إلى قانون 1960، إلى أن جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 ومرحلة الاغتيالات اللاحقة، وما شهده لبنان من تظاهرات وانقسام اللبنانيين بين 8 و14 آذار. رغم أن تظاهرات 14 آذار اعتُبرت امتداداً لنداءات بكركي، إلا أن صفير ظل حذراً من المرحلة المقبلة. زار قريطم معزياً، في لحظة تخوّف على مستقبل لبنان، ووقف إلى جانب المطالبين بالحرية والسيادة، لكن لم يرقه أن تستعد القوى السياسية للانتخابات وفق قانون قديم أثبت عقمه، ولم يرضَ عن ترشح شخصيات مقربة منه للانتخابات.
بعد الانسحابين الإسرائيلي والسوري، لم يدم فرح صفير طويلاً. فالأحداث التي تلت عام 2005 زادته ألماً، بقي على تفاؤله وخشيته معاً، في أن يفقد لبنان هويته ويصادر قراره مجدداً. كان لبنان يعيش على وقع تطورات خطرة، وكان البطريرك يعيش على وقع تقدمه في السن ورؤيته لكنيسة تحتاج إلى تغيير وتستثمر ما حققه فيها، وما عجز عن استكماله بفعل الأحداث وانغماسه في الشأن الوطني. استقال صفير من البطريركية المارونية عام 2011، وهو في الحادية والتسعين من عمره. لكنه بقي هو نفسه، صلباً محباً تقياً، لا يتعب ولا يملّ، وفي كل سنة في مثل هذا الموعد يتجدد عمره سنة جديدة يحتفل بها مع حلقة ضيقة، وكثر كثر يتمنون له عمراً مديداً، وهو الآتي من عائلة معمّرة. شهد على رحيل كثيرين وأحب كثيرين وأبغضه كثر، عرف أسراراً كثيرة وخبر نفوس شخصيات كثيرة وانقلابها أو ثباتها. كان وفياً لإيمانه ومبادئه، كما بقي كثيرون أوفياء له. رحل ومعه زوادة كبيرة من المحبة، آخذاً معه الكثير من هيبة الكنيسة وقداستها. صوته لا يزال هادراً، وضحكته لا تزال على طفوليتها، وصورته واعظاً أو خاطباً بنبرة واضحة وحقيقية، هي الأسمى، هي الباقية، لا صورته المسربة من المستشفى في أكثر اللحظات الإنسانية مرارة، بما تحمل من انتهاك صارخ وسخيف من روحيين ومقربين منه لخصوصيته وسنّه ومرضه، الذين حاولوا في أيامه الثلاثة الأخيرة تطعيم وفاته بما يشبه الإذلال. لكن أيامه الثلاثة كأيام سيده الأخيرة، هي أيضاً قيامته. هو الماروني ابن الكنيسة الأنطاكية عن حق، المتواضع والبسيط، الذي لم يعرف في حياته إلا حباً صافياً لمسيحه ووطنه، وهو الذي شهد قيام لبنان والكنيسة معاً، فلم يفصل بينهما ولم ينفصل عنهما. إنه البطريرك صفير الذي غاب عنا، فغاب معه المجد الذي أُعطي له.

مار نصرالله بطرس صفير هبة لبنان.
محمد عبد الحميد بيضون/13 أيار/2019
مجد لبنان لم يعط له إنما انتزعه واسترده بقوة الوطنية وعمق المحبة للشعب اللبناني والألفة معه.
ندر ان عرف لبنان قامة وطنية إنسانية بهذا المستوى، تمتع بعلم غزير وثقافة عالية وعميقة والأهم تمتع بتألق وابداع في استعمال اللغة في كل المجالات: في السياسة والاجتماع وداخل المؤسسة الكنسية. صنع من اللغة اداة تحرير للوطن والإنسان.
ارتقت به سدة البطركية لمدة خمسة وعشرون عاما كان فيها الصانع الاول لتاريخ لبنان الحديث دون خوف او مهابة رغم الضغوطات والتهديدات والحثالات. لم يفقد ولو ذرة من إيمانه بلبنان وشعبه حين تحول البلد كله الى دمى بيد الوصاية وميليشيات تعبث بالدولة وانقلابيين يطيحون بالمؤسسات.
عنوانه الأساسي كان حماية السلم الأهلي وإعادة الروح الى الدولة والدستور والمؤسسات، من هنا وقف في احلك الظروف مع اتفاق الطائف كمدخل للسلم الأهلي ووقف الحرب ولم يتراجع امام المزايدات والتهديدات والتعنيف والاعتداءات، واستكمل موقفه هذا بمصالحة الجبل هذه المصالحة التي كانت أساسية باحياء العيش المشترك اي احياء رسالة لبنان والاهم ان هذه المصالحة أوقفت تلاعب الوصاية بالسلم الداخلي.
النداء الذي اطلقه في أيلول عام ٢٠٠١ لم يكن مجرد درس في الشجاعة والوطنية فحسب إنما كان اطلاقا لمسار استعادة الاستقلال وانهاء الوصاية بكل اشكالها على قواعد تأمين وحدة البلد ووحدة الشعب انطلاقا من ثوابت تاريخية تميز لبنان تم تعزيزها بإرشاد رسولي متميز جدا جعل روما من خلاله تتحول الى حاضنة لقيم لبنان ودفع البابوية الى إطلاق كلمتها الشهيرة لبنان اكثر من وطن انه رسالة.
من الصعب ان نستذكر شريط إنجازات البطريرك صفير لأن ذلك يحتاج الى العمق التاريخي والرؤيا التاريخية.
اليوم نقول ان صفير ولبنان صنوان لن يذكر لاحقا لبنان الوطن دون ذكر البطريرك صفير وسجله الحافل بالإنجازات الكبرى، اليوم يدعونا البطريرك صفير المثلث الرحمة الى التمسك بثلاثيته الذهبية “الوطن الشعب الرسالة”.
الوفاء لصفير هو الوفاء لمحبة لبنان ودوره في المنطقة حاملا لمشعل الحريات والفكر والعيش المشترك والحوار بين الثقافات والأديان.
في وداعه نعرف انه سيسكن جنات الخلد ونطلب من روحه ان تعطي للبنان المزيد من المجد والمحبة والرحمة.

البطريرك صفير كان الفارس الوحيد في زمنٍ ذَهَبَ فيه الفرسان في إجازة
المحامي عبد الحميد الأحدب/13 أيار/2019
لا البطريرك صفير مات، ولا الإمام الأوزاعي مات، ولا ابن عربي مات، كل هذه القامات الروحية الخلقية تبقى حية في قلوب الناس وتبقى قدوة ضد جحيم الشر الذي يجتاح لبنان هذه الأيام.
البطريرك صفير كان سفيراً وقائداً لجيش الفضيلة، حين خرج المسيحيون عن دينهم خلال الحرب الأهلية الإسلامية المسيحية الفلسطينية، هي الحرب التي قضت عل آخر امل في فلسطين حين مرت بجونية وعيون السيمان ولكنها خلّفت كفراً بالمسيحية والإسلام، ما زال مستمراً وهو يزيد والشياطين يزداد عددها كل يوم والكفر بلبنان وبالأديان وبالأخلاق يتزايد ويكثر تحت شعارات التغيير والإصلاح!
لن يتركنا البطريرك صفير، لأنه يوم يتركنا، يومها يموت معنى لبنان، ولكن البطريرك لديه جيش كامل من الملائكة الذين يزرعون الحب والاستقامة وإن كانوا مهمشين هذه الأيام! فقبل الحرب الأهلية اللبنانية الفلسطينية كان يحكم لبنان ليس الملائكة ولكنهم رجال أفاضل مستقيمين مثل: حميد فرنجية، ريمون اده، عادل عسيران، ورياض الصلح وكميل شمعون وفؤاد شهاب وصائب سلام، (وهيئة من كبار الإداريين مثل الياس سركيس، شفيق محرم وجنادري الخ…). اما اليوم فالحكم بيد طبقة أخرى من نوعية أخرى فكرياً وأخلاقياً وثقافياً… وكل يوم يأتون بدليل على شيطنتهم وعلى تعسفهم وفي كل كلمة يلفظونها سم عزاف!
المسلمون كان لديهم إمام حمل الرايات التي حملها البطريرك صفير، هو ابن عربي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في شرح الحب في الإسلام وان الله في الإسلام، هو المحبة! وبقيت اشعاره خالدة وغنّاها العالم العربي في كل زمان ومكان، غنّتها ام كلثوم فكانت طرباً وخشوعاً، ولكن السياسة ومدرسة معاوية التي غلبت السياسة على الإسلام قتلت ابن عربي!
والمسلمون كان لديهم الإمام الأوزاعي الذي وقف في وجه العباسيين يحمي المسيحيين وينشر المحبة والحرية والتقوى، ولكن الإسلام حين تحول الى سياسة، تجاوز الأوزاعي وابن عربي وابن رشد وكل الأئمة الذين لو غلب تيارهم على السياسة لما أصبح العالم الإسلامي داعشياً كما صار اليوم بل كان دين الحب والحرية، ولكان قد عاد الى أصله.
البطريرك صفير كما ابن عربي كما الأوزاعي الخ… كما كل الذين رفعوا راية الاستقامة والحرية والفضيلة والتقوى والمحبة، كل هؤلاء كانوا تراث الحضارات التي لا تعيش بدونهم او بدون ذكراهم! البطريرك صفير عاش وحمل راية المحبة والوئام والتسامح في أصعب الظروف في الحرب الأهلية اللبنانية التي كان سببها الفلسطينيون. وكلما اشتعلت نار الفتنة والحقد والكراهية كنا نجد البطريرك صفير هو الذي يطفئها بنور الإيمان والمحبة والتسامح!
وتصدى البطريرك صفير لخناجر الكره والمذابح بصليب المحبة والغفران والتسامح، وكان ينجح، وكان اقوى من الميليشيات والعصابات، لأن نور الإيمان والتسامح والمحبة اقوى من لهب الحقد والكراهية. ونجح البطريرك صفير وكان صموده ضد التعصب والمتعصبين والمتاجرين بالأوطان والأديان، كان صموده هو الذي يصفعهم ويسقط أي شرعية عنهم.
في الحرب اللبنانية اعتمدت الإدارة الأميركية البطريرك صفير كمحاور مسيحي رئيسي بعد فراغ الرئاسة اللبنانية، فأصبحت المبادرات الأميركية تمر حكماً بالصرح البطريركي الماروني قبل عرضها على سائر القوى المسيحية السياسية والعسكرية، تلخصت بسياسة وفكرة واتجاه البطريرك صفير فيما قاله للنواب المسيحيين الذين اجتمعوا في بكركي، اذ روى لهم قصة السنديانة والقصبة Le chêne et le Roseau للكاتب الفرنسي لافونتين، ومغزاها ان انحناء السنديانة ينقذها من شر الاقتلاع عند هبوب العواصف، فهي تنحني وتنجو اما القصبة فتثبت وتُقتلع.
وجابه الأعاصير والرياح بدعوته الى المرونة، وصمد وصدّ كل الانتقادات التي انصبّت عليه.
كتب رئيس تحرير مجلة “النهار العربي والدولي” جبران تويني تحت عنوان “سؤال الى صاحب الغبطة” في العدد الصادر بتاريخ العاشر من تشرين الأول 1988. ومما كتبه تويني: “حتى لا نبكي على اطلال الوطن (…) من غير المسموح ان لا تتوحد كلمتنا حول العماد عون وحيال شرعية الحكومة العونية وليسمح لنا غبطة البطريرك صفير ان نسأله عن حقيقة تردده حيال حكومة الجنرال عون (…) ونسأل المترددين عندنا عن رأيهم في موقف مفتي الجمهورية المنحاز الى الحص وجماعته معتبراً أنهم الشرعية”، ويستفيض تويني كذلك في شرح موقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين قبل ان يستخلص ان على البطريرك الماروني ان يحذو حذو رجال الدين المسلمين في تأييد الحكومة التي يرأسها ابن الطائفة المارونية. ولم ينحَ اطلاقاً في هذا المنحى بل صمد كل حياته ضدّه!
وكان يستعين بالفاتيكان كلما هبت عليه رياح الميليشيات الحارقة، وهذا ما قال لكل الميليشيات المسيحية حين ابلغته انه معرض للاغتيال وقتها قال: “موقف بكركي هو موقف الفاتيكان، اننا ضد التقسيم ومع انتخاب رئيس للجمهورية وإعادة مؤسسات الدولة”. ثم التفت الى سمير جعجع ليقول له: “انت تتحمل مسؤولية كل ما يمكن ان يحدث في التظاهرة المتوجهة غداً الى بكركي”.
كان شجاعاً في قناعاته وافكاره ولم يخف الموت يوماً.
بل حتى تعرض البطريرك صفير للاعتداء وهو في الصرح البطريركي! فقد تجمع مجموعة من الشبان المتحمسين ضد الطائف يطالبونه بموقف ضد الطائف، ووصلت مظاهرتهم الى بكركي والتقى البطريرك صفير بممثلي المتظاهرين المجتمعين في ساحة بكركي. وتعرض لاعتداء عليه من “الزعران” وهو في الصرح البطريركي، وهي سابقة لم يُعرف لها في التاريخ الماروني مثيلاً، ولم ينحنِ، وظلّ على قناعاته ضد التقسيم ومع الدولة وضد الميليشيات ومع العيش المشترك.
لم يعرف تاريخ الموارنة ورجال الدين فيهم من كان في جرأته وتواضعه.
لم يكن متعباً “بلبنانيته” ولكنه كان يرفض ان تكون “اللبننة” لعنة وعقاباً، كان يمشي على ورق خريطة لبنان ويجد اننا على الخريطة كلنا اغراب.
وكان من الأصوات القليلة التي تهز العالم من موقعها، كان لا يخفي نظرته واستنكاره ورفضه الى خريطة لبنان أيام الحرب، فكلها حواجز ومخافر وكلاب. والشعب الطيب البسيط اما نعجة مذبوحة واما حاكم قصاب.
كان الفارس الوحيد في زمن ذهب فيه الفرسان كلهم في إجازة! كان جبران خليل جبران في كل كلماته ومواقفه ولم يَخَف يوماً من الذئاب!
رفض دائماً ان يكون لبنان أداة حربية او جَيْباً للأثرياء، كان قريباً من قلوب الناس وكان يرى لبنان مسرحاً بشرياً كبيراً يضحك فيه الناس ويبكون ويضجرون ويتشاجرون ويعشقون ويكرهون ويصلون، ولكنه لم يقبل منهم يوماً التعصب والحقد والكراهية في لبنانه.
البطريرك صفير كان حدثاً عصرياً خارج سلطة الموت، ولم يكن حدثاً عادياً كسائر البطاركة على كل عظمة هؤلاء، كل هؤلاء البطاركة الذين يموتون كسائر البشر! لهذا سيبقى حياً في ذكراه من اجل ان يبقى لبنان، وطالما كانت مدرسته ومفاهيمه حية وتغلي في القلوب والعقول!
وقد بلغت عدائية عبد الحليم خدّام حداً كبيراً وصلت إلى درجة التهديد “بتكليف أحد أبناء الطائفة المارونية بالرد عليه”، كما نقل النائب السابق بطرس حرب في الثاني من كانون الأول 1993 إثر عودته من دمشق حيث أبدى نائب الرئيس السوري استياء كبيراً من مواقف البطريرك صفير واعتبر أن “عليه أن يلزم ديره ولا يتكلم في السياسة، ما شأنه في السياسة أصلاً؟” (السادس والسبعون مار نصرالله بطرس صفير الجزء الثاني).
أين أنت يا عبد الحليم خدام الذي فتحت بوجهك أبواب الجحيم؟
وأين البطريرك القديس صفير الذي فتحت بوجهه أبواب الجنّة؟

البطريرك صفير عاد من حيث أتى
سجعان قزي/جريدة الجمهورية/الاثنين 13 أيار 2019
عادَ من حيثُ أتى. اليومَ أُنزِل عن الصليب. رجَع عشيّةَ مئويّتِه وقُبيلَ مئويّةِ لبنانَ الكبير. رحَل وهو يُعاين بألمٍ تَرنُّحَ هذه التجربةِ العظيمةِ التي لم يُقدِّر اللبنانيّون قيمتَها التاريخيّةَ، فتعامَلوا مع لبنانَ كأنّه عَقارٌ يَتوزّعونَه ويُوزِّعونه لا كيانٌ يَجتمعون فيه ويُعمِّمون رسالتَه على الشرقِ الأوسط.
بُعيدَ استقالةِ البطريرك صفير كَتبتُ في مجلة «المسيرة» (05 آذار 2011): «قليلون هم الذين يَلِجون الأزليّةَ أَحْياء. إنها أعجوبتُه الأولى. البطريركُ مار نصرالله بطرس صفير خَرجَ من البطريركيّةِ ليدخُلَ الطوباويَّـة. لم يَستقِل، ترقَّى. صَعِد إلى السماءِ وهو لم يَزل في بكركي. وبكركي، رغمَ التصاقِها بالأرضِ، ليست بعيدةً عن السماء. ومَن يَستكثِرُ على البطريركيّةِ المارونيّةِ مجدَ لبنان، فمجدُ السماءِ يَكفيها. والباقي تحصيلُ حاصِل».
كان لا بدَّ للبطريركِ صفير من أن يرتاحَ بعدَ عناءِ النضالِ والمقاومةِ، لا من ثِقلِ السنواتِ التسعِ والتسعين فقط. كانت سنواتُ عهدِه عصيبةً وعصبيّةً، مُضطَرِبةً ودمويّةً، قاهرةً ومُنهِكة. شَهِدَت عودةَ المماليك والـمَغُول. كان البطريركُ صفير بطريركاً وقائدَ مقاومةٍ وزعيماً وطنياً.
لم يَشأ، بدايةً، أن يَحجُبَ دورَ السياسيّين الموارنةِ، مع أنَّ البطريركيّةَ المارونيّةَ أُنشِئَت في أواخرِ القرنِ التاسعِ لتقودَ شعبَها وتَحميَه. لكن غيابَ القادةِ الموارنةِ الكبار والتغييبَ القسريَّ للقادةِ الجُدد وانقساماتِهم أَناطَت، منذ أوائلِ تسعيناتِ القرنِ الماضي، بسيّدِ بكركي مسؤوليّةَ القيادةِ الوطنيّةِ فتحمَّـلَها بحِرصٍ وشجاعة.
بآياتِ الإنجيل واجَه البطريركُ صفير ألويةَ الاحتلالِ والنظامَ الأمنيّ. بفِـقْرةٍ في قَـفْـلةِ عِظاتِه جَيَّش الشعبَ وأنَّـب الرؤساءَ والحكّامَ وسائرَ أدواتِ الوصاية.
بعِطرِ البَخورِ أَبعدَ دخانَ الفساد. بيدِه «المنزوعةِ السلاح» غَفَر للمتطاولين على شخصِه والصَّرحِ والمقام، وبمذكّراتِه الباكرةِ كَشفَ المستور.
بعد اعتلائِه سُدَّةَ البطريركيّةِ بسنواتٍ قليلة، سلَّمَت الدولُ الغربيّةُ، وعلى رأسِها الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّةُ، لبنانَ إلى أعدائِه وغَسَلت أياديها من مسيحيّي لبنان ومن لبنانَ كدولةٍ حرّةٍ ومستقِلّة. فاختارَ البطريركُ صفير المقاومةَ السلميّةَ، الصابرةَ، الثابِتةَ والعنيدة، وتَحـفَّـظ عن المقاومةِ العسكرية ورفضَ التسوياتِ السياسيّة.
اضطُرَّ البطريركُ إلى التكيّفِ مع وقائعَ مؤلمةٍ أحيانًا من دونِ التخلّي عن مشروع التحرير والأهدافِ السامية. لم يُرضِ أسلوبُه كلَّ الناس، لاسيّما حين تَـقـبَّـل «اتفاقَ الطائف»، وقد ماتَ قبلَ أن يَرى حُسنَ تطبيقِه.
أَحْببنا البطريركَ صفير وارتَحنا إليه، ووثِقنا به. لم يُجازِف بنا، لم يَضحك علينا، لم يَستغِل طيبَتنا، لم يُساوم على شهدائِنا، لم يقايِض على استقلالِنا، ولم يُعدِّل بالأولويّات. لم يَخضَع لقريبٍ أو بعيد، لقويٍّ أو مُتجَبِّر، لم تُلوِّثه السياسةُ ماديًّا ولم تُبعِدْه عن المسبَحَة. لم يَسْكَر بمجدِ الأرضِ وبهاءِ الانتصار، ولم يستوحِ مواقفَه سوى من مصلحةِ المسيحيّين وكل اللبنانيّين.
مَن يراجِع سِـيَـرَ البطاركةِ الموارِنةِ الستَّةِ والسبعين، يكتشفُ بسهولةٍ أنَّ البطريركَ صفير هو أحدُ أهمِّ مَن بَلغوا هذا المنصِبَ المميَّـزَ في بلادِ الشرقِ وأنطاكية. عدا الفضيلةِ والعِفّةِ والتقوى، تَرك هذا البطريركُ الكبير مواقِفَ وبصماتٍ وإنجازاتٍ أبرزُها:
• كَشَف السياسيّين وفَضَحَهم وحَدَّ من سيطرتِهم على الشعب.
• تَعرّض للاعتداءِ، فهَجر بكركي موَقّتًا لا هربًا من الأمويّين والعباسيّين والمماليك العُثمانيّين، بل احتجاجًا على هَوَسِ مجموعاتٍ مارونيّة.
• دعا إلى مقاطعةِ الانتخاباتِ النيابيّةِ سنةَ 1992 لمنعِ تهميشِ الدورِ المسيحيِّ وقد تضاعفَ مع «دستورِ الطائف» الاعتباطيِّ التطبيق.
• قال: «لا» لسوريا، ورَحل من دونِ أن يزورَها.
• استقبلَ البابا القديس يوحنا بولس الثاني سنةَ 1997، وأطلقا معًا «السينودوس من أجل لبنان».
• أصدرَ البلاغَ رقم واحد لتحرير لبنان في أيلول 2000 وقادَ المقاومةَ السلميّة.
• رعى مصالحةَ الجبل بين المسيحيّين والدروز سنةَ 2001.
• أعاد جمعَ القِوى المسيحيّةِ في «لقاءِ قرنة شهوان» وصانَ ثوابتَ «ثورةِ الأرز».
• عقدَ المجمعَ الكنسيَّ المارونيَّ في حزيران 2003 بعد مجمعِ سنةِ 1736.
• أَشركَ العَلمانيّين في تطويرِ الكنيسةِ المارونيّةِ في لبنان وبلادِ الانتشارِ وحَوّل البطريركيّةَ «صَرحَ الشعب».
• نظّم الأبرشياتِ وشَجّع المؤسساتِ الكنسيّةَ على الاهتمامِ بالشأنِ الاجتماعيّ والتربويّ.
لم يَفُت البطريركَ صفير أنْ يَحسِمَ خِيارَه ـــ وخيارنَا ـــ قبلَ الرحيل، فقال: «إذا كان علينا أن نَختارَ ما بين التعايشِ والحريّةِ نَختار الحريّة».
قبلَ لبنانَ الكبير كانت تضحياتُ المسيحيّين من أجلِ الحرية، بعدَه صارت تضحياتُهم من أجلِ التعايشِ أيضًا. حين كنا نناضِلُ في سبيلِ الحريّةِ كوفِئْنا، وها هو لبنان.
ولـمّـا قاومْنا في سبيلِ التعايشِ عوقِبْنا، وها هي اللُبْنانات. مع البطريرك صفير حَملنا صيغةَ التعايشِ ومَشينا نُبشِّرُ بها دينَ الشرقِ الجديد. وكلما أُصيبَت كنّا نُضمِّدُ جِراحاتِها ونَعُضُّ على جروحاتِنا حتّى صارت المسيرةُ جُلجلةً.
ورغمَ أنَّ التحولاتِ اللبنانيّةَ والمشرقيّةَ نالت من الصيغةِ مَقتلًا، جَدَّدنا الإيمانَ بها على رجاءِ قيامتِها. فأهلُ صيغةِ التعايش، وإن انحَسروا، ما زالوا يدافعون عنها كما كان قلبُ البطريركِ صفير يُدافع وهو في غرفةِ العنايةِ الفائقة. ولـمّـا أسلمَ الروحَ، صَرَخَتْ: «خُذني معَك»…

صخرة البطاركة..
جورج حايك/جريدة الجمهورية/الاثنين 13 أيار 2019
شارك البطريرك الماروني الكاردينال الراحل مار نصرالله بطرس صفير في صنع التاريخ المعاصر في أكثر من مرحلة من مراحل التحوّلات المصيريّة والمفارق الأساسيّة. وكان له الدور الأبرز في رسم الحدود السياسيّة والجغرافيّة للكيان اللبناني الحالي بين عامي 1986 و2011.
مع البطريرك صفير، لم تفقد البطريركيّة المارونيّة دورها الرائد، وإن حاول البعضُ التطاول عليها مجرِّحاً ومنتقصاً من إيمانها بالمواقف التي تعلنها. ولا يختلف اثنان على أنّ صفير شكّل بشخصه وثباته قيمةً كبيرة للوجود المسيحي في الشرق. فكان يتكلّم بحرّية ضمير وصراحة بعيداً من أيّ مصلحة، مطالباً على نحو دائم، وفي أحلك الظروف، بسيادة لبنان وحريّته واستقلاله.
وكانت العظة التي يلقيها في قداس الأحد في كنيسة المقر البطريركي في بكركي، محطّ ترقّب وانتظار. ماذا قال البطريرك اليوم؟ ماذا فعل؟ من استقبل؟ هل سمعت تصريحه؟ لم يسبق أن توجّهت الأنظار إلى بكركي بهذا الشكل، على الأقل، منذ الاستقلال.
والسبب أنّ الصرح كان يقيم فيه بطريركٌ تاريخي، يقتحم، بيده وعصاه وإيمانه، الحياة اليوميّة. ينتقد، يعرض، يحاور. ثابت، مبدئي، جريء، هادئ. مواقفه لا لبس فيها ولا مناورة. لاؤه لا، نعمه نعم، همّه حماية التعايش، صون الميثاق الوطني، والدفاع عن الوجود المسيحي الحرّ في لبنان.
من انتخابه بطريركاً عام 1986، وحتى قبول الفاتيكان استقالته عام 2011، وعى حجم المسؤوليات الملقاة عليه، وصليب مسيحيي الشرق الذي كان يحمله.
كان يقول كل شيء بإحترام لأنه يحترم ذاته ومقام البطريركيّة، وكان دائماً يطالب بالحقّ من دون أن يتهجّم على أحد أو أن يجرح أو يخدش كرامة أحد.
البعض كان يضع البطريرك في حساباته وكأنه الخصم، وهذا غير صحيح. فهو كان أباً للجميع، الّا انّ الساحة السياسيّة كانت تضمّ أطرافاً مسيحيين عدة غير متّفقين على استراتيجيّة الوجود المسيحي في لبنان، وكل طرف أو حزب مسيحي كانت له نظرته في هذه الاستراتيجيّة، ما كان ينعكس نزاعاً بين الأحزاب والتيارات المسيحيّة. أما البطريرك صفير فبقي متمسّكاً بمواقفه الوطنيّة الثابتة التي لا تتبدّل ولا تتقلّب كما المواقف السياسيّة.
لم يغيّر في خطابه من العام 1986 حتى العام 2011، ولم يحاول استمالة أحد أو استبعاد أحد. وليس مجاملة أو دفاعاً عن البطريرك، إنما انطلاقاً من مواقف موثّقة في أرشيف البطريرك صفير الذي كان ربما في وقت من الأوقات المرجعيّة المسيحيّة الوطنيّة الوحيدة في البلد.
حين كان العماد ميشال عون في المنفى والدكتور سمير جعجع في السجن والرئيس أمين الجميل والعميد ريمون إده في الخارج، خلت الساحة المسيحيّة من زعمائها، فبقي البطريرك صفير ثابتاً في موقفه من الحفاظ على الوجود المسيحي وكرامة المسيحيين وحقوقهم، فاستقطب الوهج السياسي واستقطبت معه بكركي المسؤولين الدوليين الكبار، وفي ذلك دلالة الى قيمة هذا الرجل، ليس فقط الوطنيّة، وإنما الدوليّة أيضاً، لأنّ مقام البطريركيّة كان دائماً السند الأول لجميع اللبنانيين.
«مجد لبنان أعطي له». كان يبرهن هذا الشعار في عمل يومي متواصل، حاملاً على منكبيه بصلابة الأب العادل والراعي الصالح، شؤون أبنائه وشجون طائفته وهموم وطنه الذي أُعطي مجده.
إذا كان البطريرك الياس حويك قد أخرج لبنان من مطامع الامير فيصل في مؤتمر فرساي عام 1919، والبطريرك بولس المعوشي الرئيس اللواء فؤاد شهاب من معركة التجديد في حديقة البيت الابيض عام 1961، فإنّ البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أخرج الجيش السوري بعد إخراج الجيش الاسرائيلي عام 2000، وظل يطرق بعصاه حتى افتُدي هذا الخروج باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه عام 2005!
هذا البطريرك الذي لا يملك سلاحاً، الّا سلاح الموقف بالحق والمجاهرة بالكلمة أنجز مشروع الاستقلال الثاني المصطبغ بدماء قافلة من شهداء الرأي والقلم سواء في سدّة المسؤولية او خارجها!
هذا البطريرك الذي حمل صليب النزاع الماروني على السلطة عام 1988 لم يقوَ على وضع حدّ لإراقة الدماء، الّا بعدما وضع لبنان في عهدة «اتفاق الطائف» عام 1989 مكرّساً بداية السلم الاهلي الذي ظلت سوريا مسؤولة عنه حتى خروجها الإكراهي عام 2005 تحت ارادة شعبية عارمة ضاغطة.
هذا البطريرك الذي استطاع بفضل ثباته وعناده أن يثبّت ركائز العيش المشترك بين اللبنانيين جميعاً، مهما تباينت مواقفهم. ونجح في سينودوس 1994 وسينودوس عام 2010 أن يجوهر معنى هذا العيش في وثيقة الارشاد الرسولي الذي أطلقه البابا يوحنا بولس الثاني في حريصا عام 1997 بدعوة من رأس الكنيسة المارونية.
هذا البطريرك الاستثنائي الذي عبر طريقه المحفوف بالاشواك المدمية، حقق ما لم يحققه أيُّ مدفع او سلاح لإيمانه بأنّ هناك رباً يرعى لبنان بعنايته وقديسيه، اذ يكفي في عهده أن يشهد لبنان تطويب أكبر عدد من رعيل القداسة في الكنيسة المارونية.
لا ينتظر البطريرك من عليائه أن نكيل له المديح، فقد اعتاده، ولم يتأثر سواء بالمقرّبين وكلامهم الممجوج أحياناً، او بالبعيدين الذين يوجّهون له التهم بالإنحياز وصولاً الى الحقد.
لكن كلمة حقّ تُقال: كان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير «صخرة البطاركة»، وعلى هذه الصخرة تفتت المؤامرات، لذلك يقولها الجميع وبلا حرج: إنه رجل عظيم مضى إلى رحاب التاريخ، حيث مكانته ومكانه الحقيقي.

البابا صفير
جوزف طوق/جريدة الجمهورية/ الاثنين 13 أيار 2019
أتذكّر جيداً، كما لو أنّها البارحة، كنّا مجموعة من الشباب والشابات في عمر الطعش، نحمل أعلاماً حزبية متنوّعة وصور زعماء ويافطات، ونركض تحت الشمس من مفرق إلى مفرق، ومن طريق فرعية إلى أخرى، لمشاهدة موكب البابا يوحنا بولس الثاني يجول بسيارته البيضاء شوارع بيروت عام 1997، وأتذكّر جيداً لهفة الحماس التي كنّا نشعر بها لدى هتافنا شعاراتنا التي كنّا محرومين من غنائها.
وتوّجهنا بعد الظهر، بعتادنا وعرقنا وتعبنا وحماسنا إلى كاتدرائية سيدة لبنان في حريصا، ووقفنا هناك في الساحة الكبيرة ننتظر إطلالة البابا من على الشرفة ليبلّل آمالنا بوعد أو قرار أو أي شكل من التغيير. لكن وقتها، كما لو أنّ كلام البابا يوحنا بولس الثاني لم يعنينا، أو الأرجح لم نفهمه، بل الذي دخل قلوبنا وسكن أفكارنا كان كلام البطريرك صفير حينها.
هل هي أعجوبة كانت، أو لحظة تجلٍّ، أو مرحلة وعي، لا نعلم… ولكن بعد كلام البطريرك، إنتبهنا إلى أنّ الساحة كانت مقسّمة إلى مجموعات، وكل واحدة تنادي باسم مصالحها وزعمائها… تنبّهنا إلى أنّ لكلّ مجموعة قضية وشعاراً وعلماً… أمّا ذلك الملتحي الوقور، فكان ينادي بقضية واحدة جامعة رسولية وطنية سياسية، كان يتحدّث باسمنا مجتمعين نحن المنقسمين، كان يكدّس كل همومنا ومطالبنا في كفّ، وفي الكفّ الآخر كان يلوّح لنا بالحرّية والانعتاق.
أدركنا في لحظتها، أنّ جنب البابا القادم من الفاتيكان، كان يقف هناك بابا آخر، بابا لنا نحن الشباب اللبناني الذين كنّا أيتام الأمل، بابا يخاف علينا بلا تفرقة ولا تفضيل، بابا يريد مصلحتنا الوطنية وليس الشخصية، بابا يلبس جبّة سوداء حتى لا تبان عليها دموع أولاده وهمومهم ومخاوفهم التي كان يمسحها بها، ويقول كلمته ويمشي.
أتذكّر أن ليلتها، تركنا نحن المجموعة أعلامنا في الساحة فوق، وتركنا معها إنقساماتنا، وعدنا الى الطريق حاملين قضية أخرى زرعها فينا البابا صفير، قضية ليس لها لون او علم أو يافطة أو صورة، قضية لها بلد إسمه لبنان.
لا نخفي أنّ حينها خفنا أن يخذلنا كما خذلنا كثير من زعمائنا، أن ينكث بوعوده ويبدّل مواقفه ويرضخ. لكن قبل أقل من 4 سنوات وفي عام 2001 كنّا شهوداً على وطنيته الراسخة والمتجدّدة بالمواقف الجريئة، وتابعنا دعوته إلى لقاء قرنة شهوان التي فاقت برمزيتها لدى البعض ما أنجزه رجالات وقامات وطنية في قلعة راشيا عام 1943. كما تمكّن وحيداً، وقبلها بعام فقط، من إنجاز ما عجزت عنه كل البواريد والمتاريس والتحالفات والزعامات، ورسّخ مصالحة الجبل عام 2000 وضَمَن عودة آلاف العائلات المهجّرة إلى قراها. خفنا أن يخذلنا، ووجدنا أنفسنا نستكمل الطريق مع مواقفه وتصريحاته إلى ثورة الأرز ورحيل الجيش السوري وانبثاق الاستقلال الثاني.
منذ 22 عاماً، كنّا مجموعة، ثم أصبحنا مجموعات، ومواطنين من كلّ الأديان والطوائف، ثم أصبحنا بلداً بأكمله يؤمن أنّ صيف الديمان وشتي بكركي كانا دائماً مع البطريرك صفير تحت سقف الحريّة.
بابا صفير، نحن لن ننتظر تقديسك ولا حتى تطويبك، ولن نحتاج في حياتنا إلى شهادة من أحد لنعرف كم أحببناك، واحترمناك، وصدّقناك، وتركنا كثيراً من المعتقدات والاصطفافات وتبعناك… لن نحتاج شهادة من أحد لنعرف كم آمنا بك وبأقوالك ومواقفك وأفعالك، لن نحتاج شهادة لنقدّس ذكراك ونحلف باسمك ونتمثّل بك عند كلّ استحقاق وطني.
بابا صفير، أنت قلت ما قلته، وفعلت ما فعلته، وحقّقت ما حقّقته، ورحلت… ويبقى لنا من بعدك بلد مؤتمنين على حمايته من غرورنا وجهلنا وطمعنا.

تحضيرات الوداع الأخير «لضمير لبنان»
مرلين وهبة/جريدة الجمهورية /الاثنين 13 أيار 2019
تتحضّر بكركي برهبةٍ وحزنٍ لاستقبال جثمان بطريرك الاستقلال مار نصرالله بطرس صفير صباح غد الأربعاء، فيما الترتيباتُ لمواكبة الجثمان تتواصل في الصرح البطريركي بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة وسط أحاديث كثيرة تناقلها زائرو الصرح الذي توافدوا بعفوية من الصباح الباكر بعدما هالهم الخبر الأليم، واسترجعوا مع الحاضرين وأهل البيت في بكركي ذكرياتٍ مجيدة للبطرك العظيم تُخلّد صفحات تاريخ لبنان …
أعلنت بكركي الحداد، فيما أعلنت اللجنة المتابعة لترتيبات التعازي برنامج الأسبوع الأليم، داعيةً اللبنانيين الراغبين بالتعزية بالبطريرك الراحل التوافد طوال الأسبوع منذ صباح الإثنين حتى مساء الجمعة، وقد أُرجئت مراسم الجنازة الى يوم الخميس في انتظار الوفود القادمة من الخارج لاسيما الوفد الرسمي الآتي من الفاتيكان للتعزية، بعدما تمّ إبلاغ الكرسي الرسولي بواسطة السفارة البابوية في لبنان وكذلك بسبب إصرار بكركي على ضرورة أن يُسجّى الجثمان أقلّه خلال ٢٤ ساعة إكراماً لهالته الجليلة.
بكركي أعلنت أنها ستضع باصات عدة بتصرف المؤمنين الراغبين بالمشاركة في مراسم الجنازة في مواقف محدَّدة للسيارات ستعلن عن نقاطها لاحقاً ومنها ساحة الملعب البلدي في جونية، وذلك تسهيلاً لنقلهم الى بكركي للمشاركة في مراسم الجنازة المهيبة يومَ الوداع والذي أرادته يوماً تاريخياً لا يُنسى يشهد عليه الللبنانيون الوطنيّون.
وبدأت التحضيرات لتصنيع ٧ آلاف قبعة تتوسطها صورة البطريرك الكبير سيخلعها المؤمنون إجلالاً واحتراماً للجثمان فور وصوله الى الصرح الأحب الى قلبه…
خلية نحل روحية وإعلامية في بكركي للاطّلاع على تفاصيل ترتيبات الأيام الحزينة المقبلة وآلية التعازي، والجميع طالب بأسبوع حداد قبل القرار الرسمي للحكومة اللبنانية التي قرّر رئيسُها سعد الحريري بطلب من رئيس الجمهورية إعلان الاربعاء والخميس يومَي حداد رسمي على أن تقفل المؤسسات والإدارت الرسمية والتربوية إقفالاً تاماً يوم التشييع أي نهار الخميس المقبل.
فيما أعلن أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار عن اقفال المدارس والجامعات نهار الخميس على أن يخصص هذا الأسبوع للصلاة في المدارس عن راحة نفس البطريرك صفير مع إعلان الخميس يوم حداد وطني في كافة المؤسسات التربوية التابعة للمدارس الكاثوليكية.
سبعة آلاف كرسي تجهّز بكركي لوضعها في الباحة الخارجية للصرح على أن يُثبَّت المذبح أمام المدخل الخارجي مباشرة مثلما كانت الترتيبات للإحتفال بالذبيحة إبان الزيارة التاريخية للبابا بينيديكتوس السادس عشر الى لبنان … على أن يُسجى الجثمان في الكنيسة الداخلية للصرح… ومن المتوقع أن تكتظ الساحات ومنافذ الطرقات الساحلية المؤدية الى بكركي.
وكذلك توقع زوار بكركي أمس أن يشهد لبنان يوم الأربعاء المواكب لجثمان الراحل الكبير تحرّكاً تاريخياً حاشداً توقعه أيضاً المعزّون والإعلاميون لنهار الخميس بعد مواكبتهم امس للترتيبات والتحضيرات التي سترافق يوم الجنازة التاريخية في بكركي، ولا سيّما بعد مبادرة زعيم المختارة رئيس حزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بدعوته أهالي الجبل أيضاً للزحف الشعبي على بكركي إكراماً لرجل الاستقلال الإستثنائي.

البطريرك مات… فماذا عن «لبنان الكبير»؟
طوني عيسى/جريدة الجمهورية/الاثنين 13 أيار 2019
أي رمزية شاء القدَر أن يحملها بغياب البطريرك مار نصرالله بطرس صفير؟ لقد رحل البطريرك الذي وُلِد مع لبنان الكبير، في العام 1920. وجاء الرحيل في لحظات تختلط فيها الآلام بالآمال حول مصير ذاك «اللبنان»، وحول ما إذا كان سيبقى كبيراً بالفعل…
لبنان الكبير، ذاك، هو نفسه ثمرة جهدٍ بذله البطريرك السلف، الياس الحويك. كان هاجسه آنذاك أن يخرج الموارنة والمسيحيون من عزلتهم في جبل لبنان إلى لبنانٍ كبيرٍ يضمن لهم عدم تكرار تجربة المجاعة التي كانت بمثابة إبادةٍ (مقصودة أو غير مقصودة) لثلث أهل الجبل!
لبنان، ذاك، أرادَتْه البطريركية ضماناً للموارنة والمسيحيين، ولكن أيضاً مساحةَ لقاء فريد من نوعه بينهم وبين المسلمين. وليس سرّاً أنّها قايضت الغالبية العددية بهذا الضمان. فالمسيحيون كانوا غالبية ساحقة في الجبل، وصاروا دون الـ60% في لبنان الكبير 1920، وانقلبوا إلى 40% اليوم.
مخاض الشرق الأوسط عنيف ومستمر. ومعه يطرح الجميع أسئلة جديدة عن ضماناتهم: هل إن لبنان الكبير، ذاك، ما زال يشكّل للموارنة، والمسيحيين عموماً، ولكل المجموعات الأخرى، طائفية ومذهبية وسياسية وثقافية، ضماناً لهم كما كان آنذاك…
في الطريق الصعبة التي مشى فيها اللبنانيون منذ أكثر من نصف قرن، الأشبه بالمرور في وادي الدموع، كثيرٌ منهم طرَحَ أسئلة حول المصير. ولا بدّ أنهم مرّوا بساعات كثيرة من «التخلّي» تلتها ساعات من «التجلّي»: نريد لبنان، ذاك، أو لا نريده!
الأمر طبيعي. فحتى رجال الدين الخُلَّص لأديانهم يمرّون أحياناً في لحظات إلحادٍ أو تشكيكٍ أو ظُنون… ثم يعودون… وربما كثيرٌ منهم لا يعود إطلاقاً كما كان.
هكذا… يبدو رحيل بطريرك لبنان الكبير مناسَبةً مؤاتيةً جداً لطرح السؤال عمّا إذا كان ذاك اللبنان هو أيضاً في طريق الرحيل… وهذا السؤال يجدر طرحُه أيضاً مع رحيل كل الكبار من علماء ومفكرين وشعراء وفنانين يمثّلون ذاك اللبنان، من شارل مالك والأخوين رحباني وصباح ووديع الصافي إلى أنسي الحاج وموريس عواد… وعذراً لعدم وجود متّسع لذكر الجميع.
البطريرك صفير هو واحدٌ من حبّات «المسبحة» العظيمة المعلَّقة على عنق لبنان الكبير. «فقَعَت» «المسبحة» و»هَرَّت» حَبّاتها طبيعياً وبفعل الزمن. «كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموت».
التحدّي ليس في رحيل الكبار، بل في أن يَستولدوا آخرين. أن تكون هناك «مسبحةُ» إيمانٍ بلبنان، حبّاتُها جديدةٌ وقابلةٌ للحياة مئة عام أخرى.
وفي عبارة أخرى، هل سيحظى لبنان الكبير بمن يدافع عنه؟
أي، هل سيعيش لبنان الكبير، ذاك، مئةَ عام أخرى…
هذا هو المكان الذي يمكن أن يبكي فيه اللبنانيون فعلاً، لا سواه… ولو كان البطريرك صفير على قيد الحياة وعاش التجربة، لكان بكي هنا، لا في مكان آخر…
رحمة الله على البطريرك. كتب الله عمراً جديداً للبنانه الكبير.

هذا البطريرك
سناء الجاك/13 أيار/2019
ليس رثاءً للبطريرك ما نصر الله صفير، لكن نعيٌّ لما نحن فيه. نحن الذين لا نملك الا الرثاء، ولا نجيد الا الرثاء، وننتظر موت كبير لنسجل رثاءنا وكأننا سجلنا انجازاً بإسمنا. نحن الذين نشعر بفداحة ما ينتظرنا حين نرثي آخر القادة الذين لطالما أشبعوا أرواحنا بوجدان نظيف صالح وتواق الى وطن له سيادته واستقلاله.
فرحيل هذا الكبير يكشف افلاس لبنان من قامات يمكن ان يستند اليها من يسعى الى دولة يشعر فيها باحترام ذاته، فلا يقرضه القهر والخوف، تماماً كما تقرض الجرذان، اذا ما تسللت الى بيته، كل ما فيه. ويكشف ان الإفلاس لا يعالَج بكل هذه الإجراءات الترقيعية، وتجاهل واجب التسديد مباشرة على العلة الفعلية الكامنة في إنكار التواطؤ مع من يصادر السيادة ويغتال الاقتصاد ويُطبِق على القرار الحر فلا ينفع أي ادعاء بالإصلاح والإنقاذ والتغيير ومعزوفة شطف الدرج من فوق او تحت.
نحن حين نرثي هذا البطريرك الذي تجاوز المنصب والرتبة الى سدرة المنتهى للمواقف الوطنية. نشعر بفداحة ما ابتلينا فيه لأن البلاد فرغت ليحتلها مسؤولون لا يستحون ولا يخافون المساءلة. يستغلون السلطة ومرافق الدولة ومؤسساتها ليفحشوا. ينقلبون على مواقفهم وينكرون ما ارتكبوه ويرمونه في وجوهنا ويسكتون عن اغتصاب الوطن.
حين نرثيه نجلد أنفسنا لأننا نحن الذين بلينا أنفسنا بهؤلاء، ولم نملك الجرأة والرؤية لنرميهم خارج صناديق الاقتراع عقاباً لهم على ما ارتكبوه، على الرغم من معرفتنا المسبقة بما سيرتكبون.
مع رحيل صفير، نشعر بما هو أكثر من صفعة تبرم لنا رؤوسنا، تخلع رقابنا، تذكّرنا بأن من بقوا لا يجدون غضاضة في تعبيد طريق قصر المهاجرين. فهم يعرفون أين يقع ويستعجلون سراً وعلانية التبرك بغباره، ما دام سلوكه يقود الى حيث الطموح المريض للسلطة والنفوذ.
منذ اعتكافه عن قيادة البطريريكية المارونية وشؤونها، وهم يهللون ويعيثون في الدولة فساداً ويسقطون قناعاً تلو الآخر من الأقنعة التي كانوا يستخدمونها غب الطلب بغية اللعب على الاوتار الغرائزية للمذهبية المتطرفة التي تعزل كل جماعة عن غيرها على مساحة هذا اللبنان.
كم كان يحرجهم ويربكهم وجود هذا البطريرك الصافي من الغايات الشخصية والغرض المقيت. فما قاله على امتداد مسيرته في أصعب ظروف الوطن وحروبه القذرة، لم يكن مطلقاً الا وليد اقتناع وإيمان بأن الوطن ليس جورباً، والحرية لا يمكن ان تكون رهينة اجتزاء ومساومة تجارة للمناصب في السوق السوداء للكيان اللبناني.
كلماته كانت مطلقة ومجردة وطاهرة من التأويل، تماماً كما يجب ان تكون. وهذا ما يوجع فيها.
الحرية والسيادة والاستقلال من دون مناورة او استغلال. هذا ما أراده وهذا ما دعمه، أصاب أم أخطأ. فهو كان يسير على هدى ضوء داخلي يكفيه ليرى ويقول ويتمسك بأقواله، ويكشف عوراتهم بما قال.
“الأوطان لا تُحمَل في الجيوب، ومن حمل وطنه في جيبه لا وطن له. اما من حمل وطنه في قلبه وإرادته، فوطنه مهما توالت عليه الويلات فإنه حيّ”. وكأنه كان يلعن من لا يفكر الا بجيوبه التي يجب ان يملأها الوطن من خيراته، ثم يدّعي التضحية في سبيل مصدر رزق هذه الجيوب.
“جيشنا يكفينا”، قال صفير. وغيره يقول ان الجيش عاجز عن حماية حدودنا، لذا لا بد من جيش غير شرعي، ومع هذا يرثيه بعبارات مستقاة من قاموس الاستهلاك اليومي.
لو يصمت أصحاب الجيوب المسارعون الى رثاء هذا الرجل الذي دفع ثمن مواقفه بفرح وقوة تفتقر اليها القامات الهزيلة التي تدّعي القوة وتستعير قوة قمصان سود ومحور إقليمي لا همّ له الا تخريب المنطقة لتنفيذ مخطط شيطاني توسعي، ما دام بيع الذات وبيع الوطن الى هذا المحور يقود الى قصر، حتى لو استدعى الأمر تعويم قصر المهاجرين ومن فيه في معادلة لا تمت الى الحرية والسيادة والاستقلال بأي علاقة عضوية.
لو يصمت من ليس على مستوى قول بطريرك الوطن: “لسنا بقوم ينوحون ويبكون على الأطلال. نحن قوم أحببنا الحرية، ومن دون الحرية لا يمكننا أن نعيش، نقولها بصراحة. لكن هذا لا يعني أننا لا نحب الاعتدال. نحن نكره التهور. وفي القضايا الوطنية يجب أن يكون هناك تعقل، يجب أن يكون هناك تبصر، ويجب أن نعرف أين نحن ذاهبون”.فلنصمت ونترحم على أنفسنا. فنحن ندفع ثمن الصمت عندما كان وحده الناطق بالحق.

 

بطريرك كبير من عمر لبنان الكبير
خيرالله خيرالله/العرب/12 أيار/2019
بقي البطريرك صفير، الذي تمكن من اللغة العربية كما لم يتمكن منها سوى قليلين، وفيّا لكل المبادئ التي نادى بها. حافظ على مقام البطريركية وجعل منه مرجعية لبنانية وليس مرجعية مسيحية فقط.
البطريرك صفير سعى إلى توفير الغطاء المسيحي المطلوب لاتفاق الطائف في العام 1989 بعيدا عن الحسابات الصغيرة لهذه الشخصية المسيحية أو تلك
بالنسبة إلى معظم اللبنانيين، من كلّ الطوائف والمناطق، بقي البطريرك نصرالله صفير الذي خلف في العام 1986 البطريرك خريش على رأس الكنسية المارونية، سيّد بكركي. كان أكثر بكثير من بطريرك للموارنة. كان لكلّ لبنان. كان ولا يزال على الرغم من وضعه الصحّي الذي يزداد سوءا، مع اقترابه من سنّ المئة عام، خشبة الخلاص. إنّه خشبة الخلاص التي يفتقدها لبنان في هذه الأيّام السود.
عمر البطريرك صفير من عمر لبنان الكبير الذي أعلن في العام 1920 بناء على رغبة البطريرك الماروني إلياس الحويّك الذي شجع فرنسا على ضم الأقضية الأربعة والواجهة الساحلية إلى لبنان كي لا يبقى مجرد مساحة صغيرة تقتصر على جبل لبنان المسيحي – الدرزي.
كان البطريرك صفير، الذي ولد في مثل هذه الأيّام من العام 1920، رجل علم وانفتاح قبل أيّ شيء آخر. لكنّه كان أيضا رجلا مبدئيا يعرف معنى الهيمنة السورية أو الإيرانية على لبنان. لذلك، سعى إلى توفير الغطاء المسيحي المطلوب لاتفاق الطائف في العام 1989 بعيدا عن الحسابات الصغيرة ذات الطابع الشخصي لهذه الشخصية المسيحية أو تلك، وبعيدا خصوصا عن الجهل في التوازنات الإقليمية والدولية.
كانت البطريركية المارونية في أساس فكرة لبنان الكبير الغني بتنوعّه البعيد كل البعد عن فكرة حلف الأقليات وعن التقوقع. لم يكن البطريرك صفير ليغطي اتفاق الطائف لولا إدراكه أنّ لبنان تغيّر وأن توازنات جديدة ولدت من رحم الحرب التي امتدت بين 1975 و1988 والتي استمرت في 1989 و1990 على شكل مواجهة مسيحية – مسيحية بعدما أصبح العماد ميشال عون رئيسا لحكومة مؤقتة وأقام في قصر بعبدا.
كان اتفاق الطائف المخرج الوحيد بالنسبة إلى لبنان بعد كلّ الخسائر التي أصابت المسيحيين والتي نجمت عن تطورات داخلية وإقليمية في ظلّ تجاهل أميركي وأوروبي لهم. تجلّى هذا التجاهل في رفض الاستجابة للأوهام التي تحكّمت بعقول زعاماتهم منذ ما قبل اندلاع شرارة حرب السنتين في 1975 و1976 وصولا إلى الاجتياح الإسرائيلي في 1982 وحرب الجبل في 1983 و1984 وما أدت إليه من ضرب للعيش المشترك المسيحي – الدرزي.
تميّز البطريرك صفير، الذي عايش البطريرك بولس بطرس معوشي وعمل في ظلّه، بأنّه رجل دين يعرف في السياسة العميقة ودهاليزها. كان يعرف قيمة الكلمة وأن يكون البطريرك المقيم في بكركي قليل الكلام. كان لكلّ كلمة تخرج من فمه وزنها. كان يعرف تماما من مع لبنان ومن ضد لبنان. من لديه أطماع في لبنان ومن يمكن أن يخدم لبنان. كان يعرف معنى التهوّر. الثابت أنّه تعلّم الكثير من البطريرك المعوشي الذي وقف في العام 1958 في مواجهة الرئيس كميل شمعون. كان شمعون رجلا استثنائيا عرف كيف يبني. كان يمتلك فكرا طليعيا في مجال إقامة البنية التحتية التي يحتاج إليها لبنان. لكن ذكاءه الحاد توقف عند معرفة كيف المحافظة على التوازن المسيحي – الإسلامي في لبنان في وقت كان فيه نجم جمال عبدالناصر في صعود. لعب البطريرك المعوشي وقتذاك دوره في المحافظة على التوازن في البلد بعدما أصيب زعماء مسلمون كثيرون بالعمى السياسي بسبب الظاهرة الناصرية وبعدما بالغ كميل شمعون في تهورّه، خصوصا عندما رفض القول صراحة إنّه لا يريد تجديد ولايته الرئاسية…
انطوى كلّ فعل قام به البطريرك صفير، على خدمة لبنان السيّد الحرّ المستقل بمسيحييه ومسلميه. لذلك كان موضع شبه إجماع في تصديه الباكر للاحتلال السوري ولسلاح “حزب الله” وقبل ذلك للسلاح الفلسطيني. كان يعرف في العمق ما الذي يريده النظام السوري، خصوصا منذ اغتيال الرئيس رينيه معوّض في تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1989. كان ذلك اغتيالا للطائف بصفة كونه اتفاقا يحظى بغطاءين عربي ودولي.
كان يعرف أيضا معنى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيّار – مايو من العام 2000 ولماذا كانت تلك الرغبة السورية في عرقلة حصول هذا الانسحاب. هذا ما يفسّر مسارعته إلى الدعوة إلى الانسحاب العسكري السوري من لبنان كاسرا بذلك حاجز الخوف عند اللبنانيين، وهو حاجز لم يستطع كسره عندما دعا إلى مقاطعة انتخابات العام 1992، متجاهلا وقتذاك أن ليس في استطاعته الاعتماد على أكثرية إسلامية تسير معه في هذا الاتجاه وتخوض معركة المقاطعة.
استطاع رجل متقدّم في السنّ، سلاحه الوحيد الكلمة الصادقة وصلابة الموقف، الوقوف في وجه النظام السوري ومخططاته. هذا ما يفسّر ذلك التفاهم الذي قام بينه وبين رفيق الحريري، كما يفسّر تلك الشجاعة التي لا نظير لها في إتمام المصالحة المسيحية – الدرزية في صيف العام 2001، وهي مصالحة عرّضت حياته وحياة شريكه فيها، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، للخطر.
لم يأبه للمخاطر. كان عملاقا بالفعل، خصوصا عندما وقف وراء لقاء قرنة شهوان الذي أسّس للاستقلال الثاني في 2005. وقف قبل ذلك خلف لقاء مار روكز الذي حقق انسحابا إسرائيليا سلميا من جزين في 1999 ودخول الجيش اللبناني إليها في وقت كان النظام السوري يسعى إلى عرقلة هذا الانسحاب من أجل بقاء البلدة رهينة ومن أجل ألّا ينسحب الإسرائيلي من الجنوب كلّه لاحقا.
إنه رجل الاستقلال غير الناجز الذي عرف “حزب الله” كيف يقضي عليه بعدما ملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري والأمني السوري من لبنان. لعب الاستقلال غير الناجز وخيبات ما بعد الانسحاب السوري، إضافة إلى عوامل أخرى، دورا في استبدال البطريرك صفير في العام 2011 في مرحلة بدا فيها الرجل محبطا جراء ما حل بلبنان.عبارات قصيرة مفعمة بالمعاني العميقة تقول الكثير عن البطريرك صفير. من بين هذه العبارات: “

مار نصرالله بطرس صفير.. وسيرة البطاركة الموارنة
جليل الهاشم/المدن/الثلاثاء 14/05/2019
قلائل هم البطاركة الذين لم يتركوا بصماتهم في تاريخ لبنان الموغل في القدم والحديث، منذ أكثر من سبعمئة سنة من عمر البطريركية المارونية في لبنان، التصقت به والصق بها الموارنة، فكانا لا يفترقان لا في الشدائد ولا في الملمات ولا في أوقات الرخاء. يحفظ التاريخ الحديث للموارنة أدوار بطاركتهم، منذ تأسيس لبنان، المعروف بحدوده الحالية، على يد بطريرك الاستقلال الأول، الياس الحويك، حين اختار من دون تردد، لبنان الكبير بدل لبنان المسيحي الصغير، المفصّل على قياس الموارنة، والمسيحيين معهم. وفي يقين البطريرك الحويك يومها، أن لبنان غير قابل للحياة إلا بضم الأقضية الأربعة إلى جبل لبنان. وهو الشاهد على ما حل بأبناء رعيته، نتيجة الحصار العثماني للجبل، فمات ثلثهم جوعاً وهاجر ثلث آخر هربا من الجوع، وبقي الثلث.
“حراسة” الاستقلال والسلم
واستمرت مسيرة البطاركة في حماية حدود لبنان ومؤسساته، مع البطريرك عريضه، مع إعلان الاستقلال، حين كانت البطريركية المارونية حارسة للاستقلال وصوناً له. البطريرك المعوشي، رفض كل منطلقات الحروب الأهليه، ورفض خرق الدستور، بالتمديد لـ”الرئيس القوي” كميل شمعون، مخالفاً رأي الجماعة المارونية، وصولاً إلى المقولة الشهيرة للرئيس شمعون، أنه سيجعل العشب يملأ طريق بكركي، فبقيت بكركي وعاد الرئيس شمعون إلى كنفها. مع البطريرك خريش ساد أيضاً منطق رفض الحروب، والحفاظ على المؤسسات، فوقع الصدام بينه وبين القائد المسيحي “القوي” حينها، الرئيس لاحقاً بشير الجميل، بعد أن جنحت الجماعة المسيحية إلى الحرب، وانخرط جماعة من الرهبان في الحرب. وفي كل مرة، يجد رئيس ماروني نفسه في فائض قوة، يستدرج بكركي لتسبغ عليه شرعيتها، فيكون الموقف دائماً، بكركي مع منطق الدولة وضد الحروب الأهلية.
التمرد على الفاتيكان
استقال خريش من منصبه بعد أن شعر بالإحباط والقرف من الوضع السائد، واحتدم الصراع على خلافته بين المطران يوسف الخوري، مطران صور حينها، المدعوم من القوات اللبنانية، والمطران إغناطيوس زياده مطران بيروت، التي تعتبر الأقوى والأكثر ثقلاً بين الأبرشيات المارونية. عام 1986، كان الأساقفة الموارنة يشاركون في إعلان طوباوية رفقا الحملاوية، وعادوا إلى لبنان، ليلحق بهم، مرسوم فاتيكاني بتعيين المطران إبراهيم الحلو مطران دير القمر مدبراً بطريركياً، بعد استقالة البطريرك خريش، فانتفض مجلس المطارنة الموارنة على قرار الفاتيكان، خصوصا أنهم كانوا في روما وكان بالإمكان إبلاغهم أو مناقشتهم في أمر شغور منصب البطريرك بالاستقالة، فأرسلوا إلى روما رسالة شديدة اللهجة، ترفض بشدة تعيين وصي عليهم من قبل الفاتيكان، مشترطين الحفاظ على استقلاليتهم في تدبير شؤونهم، من دون الوصول إلى التهديد بالخروج من الكنيسة الجامعة.
“مشيئة روح القدس” وصفير
يروي أحد المطارنة المقيمين في الفاتيكان، في تلك الحقبة، أن دوائر الحاضرة الفاتيكانية فوجئت برسالة الأساقفة الموارنة، وطلبوا لقاء أي مطران ماروني ليستوضحوه حقيقة الأمر. وصودف حينها وجود المطران نصرالله صفير في الفاتيكان للمشاركة في اجتماعات لجنة “إعادة الحق القانوني الشرعي”، فطلب أمين سر الفاتيكان حينها سيلفستريني لقاء صفير، لاستيضاح الموقف، والتقاه لأربع ساعات، أسهب فيها صفير في شرح موقف الكنيسة المارونية، فأقنع سيلفستريني بصوابية موقف الكنيسة، ليحدد له اجتماعا مع قداسة البابا، حيث كرر صفير موقف مجلس الأساقفة، فأقنع البابا بدوره، وسحب المرسوم الفاتيكاني، وبدأ العمل على تحضير انتخاب بطريرك جديد. انتخاب صفير بطريركاً، كان صدفة، وغير محسوب. إذ أنه كان خارج المنافسة، إلا أنها مشيئة “الروح القدس” الذي يحل على المطارنة، فينتخبون من بينهم بطريركاً. وهكذا اعتلى صفير سدة البطريركية، من دون أن يكون قد استعد لها. إلا أنه تسلح بالإيمان بلبنان الذي عايشه مطراناً، وشهد على حروب أبنائه من الموارنة، في ما بينهم ومع مواطنيهم. وشهد أيضاً على تخريب مؤسسات الدولة والكيان الموشك على الانهيار. وضع البطريرك الراحل نصب عينيه أربعة أهداف عمل على تحقيقها خلال ولايته البطريركية، أولها وقف الحرب الأهلية، إعادة إحياء الدولة ومؤسساتها، بوصفها ضمانة عيش اللبنانيين مجتمعين، مسلمين ومسيحيين، إعادة وصل ما انقطع بين اللبنانين خلال الحرب، عبر المصالحات واللقاءات، وإعادة الحياة إلى المؤسسات الكنيسة وإبعادها عن الشؤون السياسية. وما أن استتب الأمر للبطريرك صفير حتى سحب جماعة الرهبان من المتاريس والجبهات وأعادهم الى الأديار. وليست صدفة أن أول خروج له من الصرح البطريركي كان للقاء سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشهيد حسن خالد، وسعيه إلى إنجاز تفاهم معه ومع الإمام محمد مهدي شمس الدين، من أجل صياغة تفاهمات بين المكونات الروحية الأساسية في لبنان، لوضع حد للحروب العبثية، إلا أن سقوط المفتي حسن خالد شهيداً، حال دون استكمال المشروع.
مع رفيق الحريري
توسم البطريرك في الرئيس الشهيد رفيق الحريري شريكاً مسلماً، للعمل على استنهاض الدولة. فكانت شراكة بينهما توجت في اتفاق الطائف، الذي رغم ملاحظات البطريرك على بعض بنوده، إلا أنه دعم الاتفاق وموقعيه من النواب الموارنة والمسلمين. وكانت خيبة أمله أكبر حين أوكل أمر تنفيذ الاتفاق إلى سلطات الوصاية السورية. فكان التنفيذ المشوه للاتفاق. وكان البطريرك أول ضحاياه من خلال تظاهرة عونية إلى الصرح البطريركي، أمعنت فيه تخريباً وإهانة للبطريرك، الذي رفض تولي الجنرال عون رئاسة الجمهورية حينها. ولأن المصالحات كانت في صلب اهتماماته لم يتوان لحظة عن الإقدام على ملاقاة مساعي النائب الراحل سمير فرنجيه والنائب السابق فارس سعيد، والمحامي الراحل جان حرب، في إنهاء ذيول نزاعات المسيحيين والدروز الممتدة منذ العام 1860، فصعد إلى الجبل للقاء الزعيم وليد جنبلاط، واضعاً حداً للنزاعات وفاتحاً صفحة جديدة بين أبناء الجبل، وفاتحاً الطريق أمام عودة المهجرين إلى قراهم، خلافاً لرغبة سلطات الوصاية السورية حينها.
بطريرك السيادة
وبعد الانسحاب الاسرائيلي، بأربعة اشهر، أدرك حجم التخاذل المحلي في المطالبة بالسيادة، فأطلق من خلال مجلس المطارنة الموارنة النداء الشهير، الذي أسس للاستقلال الثاني، ورعى لقاء قرنة شهوان، بعد أن أوكل إلى المطران يوسف بشارة، رعاية اللقاء. فكان اللقاء الذراع السياسي للبطريرك ولنداءات مجلس المطارنة الموارنة وعظات الأحد للبطريرك صفير، وجسر العبور إلى المكونات اللبنانية باسم البطريرك الرافض لاستمرار الوصاية السورية على لبنان. ولأنه أولى الشؤون الكنسية اهتماماً خاصاً، ساهم البطريرك صفير في تأسيس مجلس بطاركة الكاثوليك في الشرق، وأنجز السينودس من أجل لبنان، بشراكة بين العلمانيين من كل الطوائف ورجال الدين المسيحيين، ووضع شرعة الكنيسة للعمل السياسي، والمجمع البطريركي الثاني، الذي وضع دراسة رؤيوية للعقود العشرة المقبلة. ومن أبرز الخلاصات التي توصل إليها المجمع، إضافة إلى الإصلاحات داخل الكنيسة، الموقف الجازم والصارم من الحروب، إذ جاء في متن بنود المقررات “أن أبناءنا قتلوا وقُـتلوا وتقاتلوا”.

البطريرك صفير: من حزب الله إلى روايات الاستقالة “الملتبسة”
منير الربيع/المدن/الثلاثاء 14/05/2019
مع الأحداث الكثيرة والكلام الكثير اللذين رافقا وأحاطتا سيرة البطريرك نصر الله صفير، بقي جانب منها ملتبساً وغير معروف، هو في علاقته مع حزب الله. ما من إضاءات على تلك العلاقة ولا من وقائع معلومة توضحها. وما زاد التباسها أن الطرفين لم يكن يقرباها، وبقيت طيّ الكتمان. وحتّى بعد وفاته، قيل الكثير حول غياب الخبر عن وسائل الإعلام التابعة للحزب. ولم يُصدر الحزب بياناً ينعي فيه الراحل، بل اكتفى بإرسال وفد للتعزية إلى بكركي. وإرسال الوفد يؤكد وحسب مدى عمق العلاقة بين الحزب والبطريرك بشارة الراعي، كما يؤكد استمرار “العلاقة” بين حزب الله والكنيسة المارونية.
بكركي والضاحية
إن عدم وجود وئام ظاهر بين البطريرك صفير وحزب الله، لا تعود خلفياته إلى الموقف السياسي للرجل ولا لأسباب دينية أو أيديولوجية. صحيح أنه عارض الحزب واستراتيجيته ومشروعه، وعمل على لبنان السيد المستقبل ذي البعد العربي، لكن، وبالنظر إلى رحابة البطريرك الراحل، ذلك ليس كافياً لتفسير أسباب البعد بين بكركي والضاحية. بعد يماثل حال ابتعاده عن دمشق إلى حد سؤاله الشهير (الساخر): “وأين يقع قصر المهاجرين؟”. الخلفية الأساسية لهذا الابتعاد أو الإفتراق، تعود إلى التزام جوهري وعميق في عقل البطريرك صفير وروحه، التزام بالفكرة الأصلية نفسها للبنان الكبير منذ ولادته ونشأته، مهما تغيّرت ظروفه. تلك القناعة في فكره لم تتغير حتّى في أعقاب إنهاء الحرب والموافقة على اتفاق الطائف.. ولو على مضض.يوم وافق صفير على اتفاق الطائف، كان حسب وجهة نظره الاستشرافية والمستقبلية، بأن المناصفة هي خلاص المسيحيين وبها حمايتهم، أي في ثبات الدولة وبنيتها. وهو الذي قال صراحة، إنه يوافق على الطائف على الرغم من إجحافه للمسيحيين، لكنه يوافق على ما يجب أن يتحمّل مسؤوليته الزعماء الموارنة، الذين لم يستطيعوا المحافظة على مكتسباتهم داخل النظام بسبب سياساتهم.
الحريري وتجديد الميثاق
تلك الموافقة على اتفاق الطائف، دلّت على إدراك غائر فيه لمعنى الكيان اللبناني وشروطه واستخلاص جريء للتجارب. بقي إلى لحظة استقالته، على إيمانه بفكرة لبنان الكبير الذي يقوم بجناحيه المسلم والمسيحي. المسلم السنّي والمسيحي الماروني. كان أرفع من نية تهميش أي جماعة أخرى، لكنه كان مخلصاً لفكرة لبنان المنشأ، ومؤمناً به أكثر من عوارض التغيرات والتحولات. فكانت فرصة الطائف ودخول الرئيس رفيق الحريري إلى المشهد، بقوة دعم إقليمية ودولية، سانحة بنظر البطريرك، لإعادة إحياء روحية الميثاق، ولو على ضعف مسيحي. فقد راهن عبر تثبيت نهائية الكيان أن يستعيد المسيحيون حضورهم، وبما يحفظ وجودهم داخل المؤسسات، وليس الاستقواء بالأحلاف من خارجها. وعلى الرغم من موقفه هذا، شكّل منبراً وصدراً رحباً لكل المسحوقين والمهمشين يومها، مسلمين ومسيحيين. فهو الذي بادر إلى فتح الصرح البطريركي لتقبّل التعازي باستشهاد المفتي حسن خالد، وهو الذي كان عرّاب انتفاضة الاستقلال بعض اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وكانت علاقته ممتازة إلى حدّ بعيد مع الرئيس نبيه برّي، ما يؤكد عمق قناعته بثبات لبنان الكبير على صورته الأولى، لحظة ولادته، لا لبنان المتحول، والخاضع لسيطرات قوى إقليمية وعربية، كانت قادرة على صنع الاضطراب والتمزيق بالقوة العسكرية. ومن هذه القناعة، كان الحافز لإعلان موقفه الصلب والعنيد بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ومطالبته بانسحاب الجيش السوري، مستعجلاً عن حق تحقيق حلم “جلاء جميع الجيوش”. وعلى هذا اجتمع سريعاً مع وليد جنبلاط ورفيق الحريري، بالتزامن مع انطلاقة لقاء قرنة شهوان ومصالحة الجبل.
لبنان المتحول
وللإستدلال على عمق علاقة برّي بالبطريرك صفير، لا بد من العودة بالذاكرة إلى زيارة أجراها برّي إلى الصرح البطريركي، في العام 2000. فبعد حصار من قبل النظام السوري على عظات البطريرك ومنع إذاعتها، تقدّم برّي بمبادرة باتجاه الصرح، تنص على إعادة انتشار الجيش السوري، وتحسين ظروف اعتقال سمير جعجع، وتوفير الحماية لوليد جنبلاط بعد مصالحة الجبل. أجهضت مساعي برّي بضغوط من قبل النظام السوري، ما دفع برئيس المجلس يومها إلى الإعتكاف. إذاّ الخلاف بين صفير وحزب الله ليس طائفياً، بل سياسي، أساسه نظرة الرجل للبنان بعيداً من سيطرة طرف على الأطراف الأخرى. وربما تمثّل هذه النظرة العقيدة التقليدية للموارنة، ما قبل كل التحولات التي أصابت لبنان. وعلى الأرجح، يختلف صفير عن خلفه البطريرك بشارة الراعي في هذه الرؤية تحديداً. وهذا ما يدلّ على تغيير دراماتيكي في التفكير السياسي الماروني، الذي لم يعد يرى لبنان بصورته قبل الحرب. هذا التغيّر في “العقل الماروني” السياسي، هو أحد أسباب استقالة صفير وابتعاده عن المشهد، فقد ظل غير راض عن هذا التحول الذي يرضخ لصياغة مغايرة عن ذاك الـ”لبنان” الذي آمن به. اعتبر صفير بعد انتكاسة “انتفاضة الاستقلال” أن الأمور تذهب باتجاهات سيئة أكثر، ولن يكون قادراً على ضبطها.
الدسائس و”حلف الأقليات” والاستقالة
هنا حدث تدخلّ، حسب المعلومات، من قبل الفاتيكان، لحث البطريرك الصفير على الاستقالة. فوفق بعض المعلومات، اضطر صفير لتقديم استقالته، بعد الكثير من الدسائس التي تعرّض لها، منذ أيام الوصاية إلى ما بعدها، والتي اشتدت بعد أحداث الربيع العربي. ومن بين هذه الدسائس مثلاً، توقيع أكثر من 15 مطراناً تابعاً لبطريركية أنطاكيا وسائر المشرق على عريضة تطالب بإزاحته، بذريعة تقدّمه بالعمر وعدم قدرته على ممارسة مهامه. فلقيت تلك العريضة تجاوباً لدى بعض مراكز القوى في الفاتيكان. كان الكاردينال ليوناردو ساندري رئيس مجمع الكنائس الشرقية، يميل إلى فكرة “تحالف الأقليات”. ويقال إنه كان لديه دور في دفع البطريرك نصر الله صفير إلى تقديم استقالته. والمعروف عن ساندري أنه احد أصحاب مواقع القوة داخل الفاتيكان، فقد كان هناك محاولات عديدة لإقالته لكنها لم تصل إلى أي نتيجة بسبب قوته وتشعب علاقاته. ترافق ذلك مع إعادة تظهير مشروع “حلف الأقليات”، الذي لم توافق بكركي أيام صفير عليه، لا بل عارضته، في مقابل وجود مناخ كنسي ومسيحي في منطقة الشرق الأوسط ككل، وحتى فاتيكاني، يميل باتجاه هكذا تحالف “يحمي المسيحيين”، على قاعدة التحالف مع إيران مثلاً، بينما صفير كان على الطرف النقيض من هذه الصيغ كلها. وله مواقف عديدة اعتراضية ضد حزب الله وإيران والنظام السوري. لقد كان صفير مؤمناً أن الدولة العادلة والديموقراطية هي التي “تحمي جميع مواطنيها”. فلم يكن متلائماً طرحه مع ذاك المناخ الذي طغى يومها وما زال. وكل ما حدث من وقائع وسياسات دفعه إلى الإنفكاء، بسبب عدم الانسجام ما بين رؤيته وما تمارسه بعض الدوائر الكنسية. بالطبع، كان أي قرار على سوية “إزاحة” بطريرك، هو أكبر من لبنان. وليس تفصيلاً في هذا السياق ولا تنعزل عنه تلك الزيارة التي قام بها البطريرك الراعي بعد انتخابه إلى سوريا، وفي عزّ أزمتها. إلى جانب هذه الرواية، ثمة روايات أخرى حول خلفيات استقالة صفير. بعضهم يحيلها إلى قناعته الشخصية. وكما روى السيد الراحل هاني فحص ذات يوم قائلاً: سألته، هل هناك أسباب خاصة للاستقالة، فضلاً عن الأسباب العامة؟ يقول صفير ممهداً بضحكة مجلجلة ويعقّب بمثلها: “قلنا نذهب وعقلنا معنا أفضل من أن نذهب وهو ناقص”. ولعلّ تلك الإجابة تشير إلى استشرافه للجنون الآتي من بعده، على الرغم من أن الإجابة تعبّر عن تقدّمه بالسن، فوجد الأنسب في الاستقالة والراحة. أما رواية ثالثة، فتفيد بأن صفير قرر الاستقالة إنسجاماً مع قناعة ذاتية، وأخرى مرتبطة بالبابا بنيديكتوس السادس عشر، الذي قدّم استقالته أيضاً، لقناعته بوجوبها عند الوصول إلى سنّ متقدمة، لإفساح المجال أمام الآخرين، وفي إطار “ضرورة التجديد”. من يعلم؟

البطريرك الكاردينال صفير: أيقونة ذاكرتنا وتاريخنا
يوسف بزي /المدن/الإثنين 13/05/2019
في خريف العام 2000، بعد بيان المطارنة الموارنة الشهير، ومصالحة الجبل، وحضوره اليومي.. قررت المجازفة بكتابة مقالة عن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، في الجريدة التي كان يملكها الرئيس رفيق الحريري. وكانت المجازفة هذه مقرونة في ظني بأن هناك حلفاً سرياً قد انعقد بين البطريرك والحريري ووليد جنبلاط، بوجه الوصاية السورية. وأن معارضة وطنية عابرة للطوائف تتشكل في مدار هذا الحلف.
فللمرة الأولى، استطاعت بكركي أن تصوغ خطاباً لا يعبّر عن “هواجس المسيحيين” أو “ثوابتهم”، بل عن طموح لبناني جامع، بلغة لا يكون فيها هذا الـ”لبنان” إلا لجميع مكوناته وشبيهاً بتنوعهم. لغة سيكتبها البطريرك صفير وسنقولها جميعاً في ساحات ربيع 2005.
اليوم، في لحظة رحيله، أستعين بمناخات تلك المقالة:
“مجد لبنان أعطي له”. وهو بدوره ما هجس إلا بإعادة المجد إلى لبنان. إنه البطريرك السادس والسبعون لأنطاكية وسائر المشرق للكنيسة المارونية، مار نصرالله بطرس صفير.
في نيسان العام 1986، وخلفاً للبطريرك مار انطونيوس بطرس خريش، انتخبه المجمع الماروني سيداً جديداً لبكركي، حين كان لبنان والموارنة في أكثر أوقاتهما شدة وخوفاً على المصير. في تلك اللحظة، تسلم البطريرك الجديد السدة الرسولية بيد، وحمل صليب المسيحية في هذا الشرق، صليب الألم الثقيل، بيد أخرى. هكذا ورث البطريرك صفير القوة والضعف. قوة الإيمان وضعف الإنسان.
ورث أيضاً عظمة الكنيسة وعذابات المسيحيين هنا في الوديان والجبال. ورث نكبة الحرية المضنية، وعصا الرعاية المتعبة. لكنه كان الصخرة والضمير. كان الصلابة التي تشهد للحق وحده، وكان الأخلاق التي تقول الحقيقة وحدها.
هو الدمث، المرهف. وهو الذي كانت كلمته صلة الوصل بين الدين والدنيا. كان رأيه بمثابة حكم العدالة في السياسة. ربما لهذا السبب أساء إليه بعض المسيحيين كما أساء فهمه بعض المسلمين.
ابن كسروان (ريفون) الذي ولد في العام 1920، تزامنت ولادته مع إعلان دولة لبنان الكبير. ولادتان متزامنتان ومتوائمتان على المعنى والرسالة والقدر. كان البطريرك صفير، باستمرار، لاهوتياً من غير إنطواء. هو اليسوعي الضليع باللغة العربية، المدبّر لأكثر تعابيرها تورية ومجازاً ولأفضل مفرداتها مباشرة ودقة. ذاك ما جعل لغته بالغة الإصابة، مقتصدة. لذا، فهو إذ يعرف ما يريد ويدرك ما يريده الآخرون، كان يعرف تماماً كيف “يقول” ما يريد.
إنه المعلم الصبور والملحاح والمتفهم. بقي سداً لم يتصدع أمام التيارات العنيفة، التي هددت فكرة لبنان (الفكرة الأكبر من الجغرافيا والسياسة). فتعلمنا معه أن الحرية هي الأثمن، وأن فيها الوطن، ومن دونها دونه.
جميعهم كانوا يرهبونه، يخجلون منه، هو المتكبر على عيوبهم، أولئك الذين يفترضون أنفسهم قادة وساسة. فازدراؤه الخفي لهم، ليس في انفعالاته ولا في كلماته، بل في قدرته المتواصلة على المسامحة والغفران والتعالي. هكذا جعل “الغبطة” منعقدة على التواضع، كأنما حضوره الديني كان بياناً سياسياً متقشفاً. إصراره المكين على الصيغة التاريخية للكيان اللبناني، وبمساندة القوة المعنوية وحدها، جعله رمز “معارضة” فعلية حين كانت الوصاية تعمل على نفي كل معارضة. ثم ان التزامه بما التزم به نواب الأمة يوم اتفاق الطائف، جعله بانحرافهم عنه، أمين سر للوفاق الوطني بامتياز.
عندما كان يقول “نحن لا نطلب المستحيل” كان يعرف انه يطلب ما لا يتجرأ الآخرون على البوح به. وكأنه كان في تلك الأوقات العصيبة “يفشّ خلق” غالبية اللبنانيين، الطامحين إلى الاستقلال والحرية.. بوجل واستحياء!
حتى صمته كان مقلقاً للذين يخشون صوته. كانت سياسته مداومة على معادلة أن لبنان وحده لا يستطيع أن يصنع السلام ، ولا يستطيع وحده أن يخوض الحرب. وما بين “النصوص” و”النفوس” حوّل الطائفية السياسية من بديهة سلبية التركيبة، إلى بدعة إيجابية خلاّقة، بجعلها خارج مزايدات الوطنية أو مناقصات المحاصصة. فوازن بين الشعور بالحرمان هنا والشعور بالغبن هناك، بين الشعور بالإحباط هنا والشعور بالتهميش هناك.. كأنه في ذلك موزع العدل من غير اعتدال. هو الصريح حد التطرف، هو العنيد الشديد العطف.
مرات كثيرة كان يخرج من ثيابه إذ يرى رياء السياسيين وعجز المسؤولين وصغائر الزعماء. هو الذي بلع أمواساً كثيرة ولم يجرح أحداً. لم يخاصم ولم يعادِ. كان العتب وحده أقوى أسلحته.
كانت كلمته هي الوزن في أوقات انعدام الأوزان. فـ”لاعلاقته” بدمشق، كانت كافية ليضطرب النظام السوري يومياً وهو الموغل في تحكمه بلبنان. وحتى عندما كان يغفل أو يتغافل عن مسألة أو حادثة، فغالباً ما كان يفعل ذلك بداعي الخوف على لبنان. هذا الخوف الذي بقي مقيماً في قلبه، وما ودّ أن يعممه أو يكرّسه. فكان أوقات الشدة يفاجئ الجميع إذ ينبش التفاؤل الحقيقي من لبّ التشاؤم.
استطاع أن يقود “البيئة” المسيحية، حين تشرذمت قياداتها، من “الهزيمة” إلى “الإحباط” إلى “الحضور” و”التفوق” مرة ثانية. تنكّب المهمة بدأب وإيمان وشجاعة. فصان لبنان ومسيحييه خصوصاً من مصير فلسطين الضائعة أو يوغوسلافيا المقسّمة.
لهذا كله، زرع في المسلمين اللبنانيين شيئاً من المسيحية، وبثّ في المسيحيين شيئاً من الإسلام. كأنه كان صانع المصافحة الصعبة، بفصاحته السهلة. معه اقتربت الأرثوذكسية من كاثوليكيته، ولاصقت الكاثوليكية فيه مشرقية الأرثوذكس. هكذا، معه كان السينودس ممكناً، كما هو، أهم وثيقة روحية زمنية منذ إعلان الاستقلال.
شجاعته الأدبية، أفسدت أكثر من “لعبة”، وفرضت أكثر من تسوية، كأنه “حامي الدستور” وراعي الوفاق وضامن الميثاق.. ولأنه كان الغيور في زمن الاستهانة والإستخفاف والتنكر، وضع لبنان في قلب الفاتيكان (والفاتيكان هو “قلب” العالم).
انتظر وانتظرنا معه الرجاء، الأكبر من انتخابات أو تسويات، انتظرنا معه أن تعود السياسة غريزة أخلاقية، هو الذي كان يحذرنا أن “النظام السلطوي الحديث تتأصل جذوره في إنكار كرامة البشر”، فعلّمنا أن ننحاز للكرامة والحرية. علمنا “المعارضة” الجذرية. سيد بكركي الذي استقال من مهامه، نرفعه اليوم بلحظة رحيله أيقونة لذاكرتنا وتاريخنا.

البطريرك صفير حمل لبنان في قلبه ورحل
الدكتورة رندا ماروني/14 أيار/2019
لقد تعطلت وظائف أعضاءه وبقي قلبه قويا نابضا بالحياة حتى اللحظات الأخيرة وهو من قال الأوطان لا تحمل في الجيوب، من حمل وطنه في جيبه لا وطن له، ولكن من حمل وطنه في قلبه وإرادته، فوطنه مهما توالت عليه الويلات والمحن فإنه حي.
لقد حمل وطنه في قلبه، فبيقي حي له ومن أجله، يخفق محتضنا إياه خائفا عليه حتى لحظات عمره الأخيرة، فلم يسكت ولم ينطفئ كأنه ينص رسالة الوداع قبل الرحيل، ويتلوها بروية كي تصل واضحة، وليسلم أمانة إستلمها وناضل من أجلها طوال سنين حياته، كأنه رسول من السماء أتى لتأدية مهمة كلف بها فأتقنها، وأبى الرحيل قبل أن ينقلها حية راسخة مزروعة في الآف الضمائر والقلوب .
لقد حمل وطنه في قلبه فكان لديه سبب قوي للحياة وطول البقاء، فعمر مائة عام واضحا شفافا قياديا، وعاش له ناسكا حاملا جروحه بصبر وروية وإيمان بالقيامة معلنا بأن لبنان المصلوب اليوم ستقوم قيامته، ومن عاش لقضية محقة ذهب حيا خالدا ليكمل المسيرة من السماء…
حمل لبنان
في قلبه
ورحل
قال ما قاله
فعل ما فعل
بشر بقيامه
وطن مقدس
بعد الصلب
كمؤمن تقي
واثق بربه
لا يفقد الأمل
كتلاميذ المسيح
حمل قضية
وآمن بها
كاللآلهة تصرف
وأعظم الرسل
عاشق للحرية هو
شاهد للحق
لم يعرف خوفا
مقدام بالفطرة
كفارس بطل
محارب عنيد
كالصخر صلب
جابه غاصب
واجه محتل
جاهر بحقه
دون مواربة
دون حياء
أو خجل
حلل السطور
وأشار بما
صدق منها
وما بطل
مضى لأهدافه
بكل عزم
دون تقاعس
ولا ملل
ضاقت الأرض
بإصراره
فحمل ملفه معه
إلى قاضي السماء
وكتب عليه
للنظر فيه
دون تمهل
وعلى عجل
خطئ من ظن
أنه غاب
رحل بالجسد
وبقيت روحه خالدة
حتى قيام الساعة
إلى الأزل.

في بيتكَ كنا نبلغ ملء الحرية
أنطوان الخوري طوق/النهار/14 أيار 2019
أيها الراعي الصالح، ها هو الباب يفتح لك، ومن يدخل من الباب كان راعي الخراف وها هي الخراف تصغي الى صوتك وأنت تدعوها بإسمها وتسير قدّامها لأنّها تعرف صوتك، أما الغريب فلا تتبعه بل تهرب منه لأنّها لا تعرف صوت الغرباء، فالأجير ليس كالراعي لأنّ الخراف ليست له، فإذا رأى الذئب مقبلاً ترك الخراف ونجا بنفسه فيخطف الذئب الخراف ويبددها.
أيّها الراعي الصالح أنت تعرف خرافك وخرافك تعرفك.
خرافك تعرفك منذ ارتقائك السدّة البطريركية التي أعطيت مجد لبنان، وأنت تعمل ليل نهار وفي الأزمنة الصعبة على رغم عبء السنين وثقل الأحمال من دون أن يحطّ من عزيمتك كيد مغتاظ طامع أو طامح أو تهجم منتفع ضالّ، ومن دون أن يغريك ترغيب أو يحطّ من جرأتك الانجيليّة ترهيب، عاملاً على إبداع لغة وطنيّة إنسانيّة مشتركة وجامعة بين اللبنانيين على إختلاف مشاربهم وإنتماءاتهم، داعياً الى المصالحة وتنقية الذاكرة الوطنية والوفاق والتضامن والحقّ والحريّة في الاختلاف من أجل قيام مجتمع الحريّة والعدالة والتقدّم، مشدداً على دور الموارنة في كونهم عنصر تلاقٍ بين الاديان والحضارات ورسلاً للتوافق بين الشعوب، ومؤكداً خبرة الكنيسة في العيش المشترك وحوار الحياة، معززاً الحوار المسيحي الاسلامي، مؤكداً من دون أي رهان على شرق أو غرب، أنّ صراع الحضارات ورم سرطانى مميت، وأنّ الحوار بين الاديان والثقافات يضمن وحدة المستقبل الواعد للبنان والبشريّة جمعاء.
على خطى أسلافك من البطاركة القديسين كنت تطلق دعوة الكنيسة الى الجميع ومن أجل الجميع لتبني قيم الشراكة والحريّة في لبنان ليستعيد هذا الوطن الصغير والجريح كما البلدان الكبيرة كل مقوّمات سيادته وإستقلاله وقراره الحرّ، وليقوم بدوره كرسالة حريّة ونموذج تعدديّة وتنوّع للشرق كما للغرب، داعياً أبناءك الموارنة واللبنانيين في لبنان كما في بلدان الانتشار الى عدم التخلّي عن حقوقهم المشروعة كمواطنين وعلى التشبّث بالأرض وبالهويّة الوطنية، معيداً دور المسيحيين الذين حملوا رسالة التنوير والحداثة في محيطهم العربي عبر إطلاقهم نهضة فكريّة وأدبيّة في هذا الشرق وهم يشهدون لخصوبة هذه الارض، أرض النساك والبطاركة، والمفكرين والشعراء والفنانين وأهل الصحافة والسياسة والعلماء، أرض حسن كامل الصباح، ومايكل دبغي، أرض جبران، ومارون عبود، والريحاني، والبساتنة، وشبلي الشميل، وجورج أنطونيوس، وفارس نمر، ويعقوب صروف، وشارل مالك، وسعيد عقل، والاخطل الصغير، واليازجيين، وجرجي زيدان، والمطران جرمانوس فرحات، والسمعاني، والبطريرك الدويهي، والشيخ عبدالله العلايلي، وأمين نخلة، وسعيد تقي الدين، وحسين مروة، ووديع الصافي، وفيروز والرحابنة، وفؤاد شهاب، وكمال جنبلاط، وريمون إده، ونسيب لحود، وسمير فرنجية، وغسان تويني، وكامل مروة، وكُثُر…
مواضيع ذات صلة
هل تقود الأزمة المالية المتفاقمة إلى فوضى بنّاءة أم هدّامة؟
وأخيراً… “إقامة دائمة” للأجانب في السعودية
أبناء الإبادة ليسوا من دون عوائل
وأنت أيّها المثابر على تجذّر الكنيسة في هذا الشرق عبر الصلب والقيامة وعبر الشهادة للحقّ ولقيم الحريّة وحقوق الانسان وعبر الانتصار لأخوة المسيح الصغار، لم تمنعك الأخطار والسنون من دقّ أبواب العواصم على خطى سلفك البطريرك الحويك لتعيد الى لبنان مكانته وموقعه بين الأمم.
أيّها الزاهد والسيّد المترفّع، المعلّق على خشبة لبنان، على خطى سيدك في هذه الجغرافيا الصعبة والمعقدة والقلقة، قد يساء إليك وقد تُطعَن بالحربة وقد تُشتَم وقد تتجرع الخلّ والمر وقد تُنكر مرات ومرات قبل صياح الديك وعنده وبعده، وقد تجد قيروانياً يساعدك في حمل الصليب وقد لا تجد، وقد تُظلَم من ذوي قرباك، وقد تُجلَد بسياط الكلام الجارح واللاذع لكنك تبقى أنت أنت عفيف العقل والقلب، متصالحاً مع الله ومع ذاتك ومع الانسان ومع هذه الارض.
تبقى أنت أنت، كلامك نعم نعم ولا لا، كلما تعلّق الأمر بحظيرتك وخرافك وأرضك ورسالة وطنك، تبقى أنت أنت تُعِدّ العجول المسمنة للأبناء الضالين من دون أن تقفل بابك في وجه أحد لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون.
تبقى أنت أنت من دون أن يمنعك وقار السنين من دحرجة الحجارة عن قبر لبنان لإعلان قيامة هذا الوطن الجريح.
أيّها السيد المترفع، يا صاحب القدرة العجيبة على الصفح والغفران.
أيّها المتعقل والرصين في أزمنة اللغو الكلامي والكلام الخشبي وزلات اللسان.
خرافك في لبنان، في هذه الارض، أرض الفكر والعلم والفن والعناد في الدفاع عن لبنان، خرافك هذه أنت تعرفها وهي تعرفك، لقد عرفتك مدافعاً عن كرامتها يوم نُكِّل بها وهاجمتها الذئاب الخاطفة والعسس وأشباح الليل، عرفتك شاهداً للحقّ في أزمنة التزوير وإنتهاك الذاكرة الوطنية وتحريف المصطلحات.
ألا تتذكر صبيحة ذلك اليوم من أيلول ٢٠٠٠؟
أيّتها الذاكرة النقيّة والصافية المضاءة بنور التبصّر والقراءة المتأنية لعلامات الأزمنة والرصد الدقيق للتحولات الكبرى وأخطار الانفعال المتهور وزلاّت اللسان.
أنت تعرف خرافك وخرافك تعرف صوتك كل صباح من على مذبح الربّ، يوم كنت تكسر الصمت عندما كان لبنان يُقضم في وضح النهار في ظلّ صمت الأقربين والأبعدين. كم كنت بارعاً وشجاعاً وحكيماً وأنت تحاول سحبه من بطن الحوت!
“لقد قلنا ما قلناه”، يا سيد الإيجاز والبلاغة، وأنت تجمع رحيق المواقف الثابتة في كلامك المُقِّل.
ويوم كان التسابق على قدم وساق على الدروب لنيل حظوة أو موقع أو رضى من الوصيّ، وأنت الضليع في التاريخ والجغرافيا، لم تعرف أين يقع “قصر المهاجرين”، فدروبك كانت مسالك وصوامع الآباء المؤسسين في قاديشا وقنوبين، دروب البطاركة الذين كانت قلوبهم من ذهب وعِصيَّهم من خشب.
يا ذهبيّ الفم، كم بنا شوق الى صباحات تلك الآحاد من على مذبح الرّب في بكركي وأنت تشعل مع البخور جُذوة الحريّة في قلوب اللبنانيين التي لن يطفئها غياب ولن يقوى عليها موت.
يا سيدي، لقد أتعبتنا الثرثرة والارتجال وأنهكتنا المتاجرة بحقوق المسيحيين وأدوارهم، وأغضبنا هذه الزنى السياسي على أرصفة لبنان، وهذا الجهل بتاريخ أبنائك صانعي النهضة والتنوير في هذا الشرق، ولا سيما عندما يتحدثون عنا كأقليات ويستجدون الاموال بإسمنا في العواصم وعلى أبواب السفارات، محوِّلين الربيع الذي خرج من جُبَتِك الى خريف ويباس.
فأنت أنت الوحيد من بين رجال الدين لم تُزعج العلمانيين الاحرار عندما أطللت على السياسة في لبنان لأنّك أعليت صوت حقّ اللبنانيين في الحريّة والاستقلال. فمجد لبنان قد أعطي لك عن حقّ.
يا سيدي،
حين كانت تلفظنا الشوارع، وتضيق بنا الأيام، وتعصف بنا أنواء التاريخ، ويشتدّ علينا الضّيم، كنا ندخل بيتك ونلقي بأحمالنا الثقيلة.
فنحن، كنا لا نبلغ ملء حريتنا إلّا في بيتك.

بطريرك الموارنة الذي أحبه المسلمون
محمد قواص/ميدلب إيست أولاين/14 أيار/2019
كان قادة المسيحيين اللبنانيين في المنافي أو السجون حين بات أمام المسيحيين خياران، إما الخنوع وإما الصمت. لم يصمت البطريرك صفير.
البطريرك نصر الله صفير بين زعيم أمل ورئيس البرلمان نبيه بري وزعيم الكتائب الرئيس السابق أمين الجميل دائما بين خيارين
عام 2004 توجهتُ إلى بكركي، إلى الصرح البطريركي، لمقابلة البطريرك نصرالله صفير. كانت جهات خلفية قد دبرت ذلك الموعد. كنت أطمح في ذلك الزمن الساخن سياسيا في لبنان إلى إجراء مقابلة تلفزيونية مع رأس الكنيسة المارونية في لبنان.
جلست وحيداً داخل تلك الصالة الكبيرة التي يستقبل البطريرك داخلها ضيوفه والتي نعرفها جميعا كونها حاضرة في نشرات الأخبار والتقارير التلفزيونية من بكركي. دخل الرجل بقامته المتواضعة وهامته العملاقة. دعاني للجلوس في المقعد المحاذي لمقعده المعهود. سألني كثيراً وكأنه كان يريد أن يعرف من وافد جديد ما لا ينقله الوافدون.
قال لي معتذراً لا أريد أن أتكلم، فكلامي لا يعجبهم. وحين حاولت التذاكي بأن أعرض عليه مقابلة عن الدين والثقافة بما يعفيه من مواقف في سياسة، أجابني بأنهم سيقوِّلونني ما لا أقول.
قال البطريرك الراحل كلاماً كثيراً في زمن كان فيه الكلام تهمة. وهو إن ارتأى قلة الكلام في تلك المرحلة، ذلك أنه كان يعرف ضراوة ما لم يعرفه الآخرون إلا حين اغتيل رفيق الحريري عام 2005. وربما أن اللبنانيين اكتشفوا ماذا فعل البطريرك بالمسيحيين في ما عبروا عنه عفويا إثر ذلك الاغتيال الأسود.
أذكر أني زرت لبنان بعد شهرين من ذلك الحدث الجلل. كانت زيارة ضريح الحريري قد باتت طقساً يمارسه الناس وكأنه حج واجب. كانت والدتي رحمها الله تنتظرني للقيام بهذا “الحج”. وقفنا أمام الضريح. كانت والدتي على يساري تحمل مصحفا صغيراً تقرأ فيه، ولمحت شخصا وقف بعد هنيهة على يميني، فإذا بها راهبة مسيحية تحمل انجيلاً تقرأ فيه.
كاد المشهد أن يكون سينمائيا مُعداً. بيد أن المشهد كان رتيباً في عيون اللبنانيين. وما وقوف الراهبة المسيحية للصلاة أمام ضريح زعيم مسلم إلا نتاج ما فعله هذا البطريرك في بكركي بمسيحييه.
كان المسيحيون في لبنان يمثلون وجهاً آخر مختلفا عما كان سائداً في كل المنطقة بعد مرحلة الاستقلالات. حاولوا الخروج بمشروع حضاري أرادوه مثالياً لتبرير مشروعية ذلك الكيان الذي ارتأوه وطناً يتشاركون به المصير مع المسلمين. لم يكن ذلك المصير هو الذي يريده المسلمون، وهم المنشدّون نحو ما وراء الحدود بما يحمله الخارج من رياح تنفخ أيديولوجيات ومشاريع وخطط وأفكار تتجاوز ضيق لبنان ومنطقه.
لم تتحرَ البطريركية المارونية في تماسها مع فرنسا وطناً كبيراً يشمل دمشق شرقاً في بعض الخرائط التي عرضتها عليها باريس عام 1919 في عهد رئيس الوزراء آنذاك جورج كليمنصو. ولم توافق البطريركية على قيام وطن يخص المسيحيين وحدهم، وعملت على الصيغة التي يعيشها لبنان منذ نشوئه عام 1920 واستقلاله عام 1943.
ارتأت البطريركية وطناً قال عنه البابا يوحنا بولس الثاني أنه رسالة. غير أنه كان للمسيحيين وجهة نظر أخرى لم تتوافق دائماً مع مزاج البطريركية المارونية. بعضهم غادر الصفوف التقليدية المحافظة وراح يلتحق بكافة التقليعات التي عرفتها المنطقة. منهم من قاد تيارات شيوعية ومنهم من التحق بالناصرية والقومية العربية بنسخاتها البعثية، وبعضهم من التحق بليبرالية انسانوية لا تجد في الحيز اللبناني الضيق فضاء لحراكهم.
مسيحيون آخرون لم يصدقوا حتى اليوم أنهم يعيشون مع مسلمين في بلد واحد. حتى أن وجود بلدهم جغرافياً داخل منطقة يعيش فيها أكثر من مليار ونصف مسلم لا يعدو كونه، بالنسبة لهم، حادثاً مؤقتاً، يتعايشون مع عرضيته حتى “العودة” إلى ما هو “طبيعي” يشبه عيش المسيحيين وفق التنميط الذي يتخيلونه.
قاتل المسيحيون بالدم والسلاح دفاعاً عن الفكرة التي يريدونها للبنان. وقاتل مسيحيون آخرون بالدم والسلاح دفاعاً عن فكرة أخرى يريدونها لهذا البلد. باتت الفكرة نفسها وفق الرزنامة المسيحية مشوهة مربكة تتحرى نقطة توازن فقدتها منذ اندلاع الحرب الأهلية. غرق اليمين المسيحي داخل فكرة تم الترويج لها لعزل لبنان عن البيئة المحيطة، وصولاً إلى فكرة طموحة تود “عزل لبناننا عن لبنانهم”.
هزمت الحرب منطقاً مسيحياً تصادم مع أمر القوة الواقع. من المسيحيين من قبل الهزيمة واصطف داخل اتفاق الطائف لعام 1989، ومنهم من عاندوا تلك الهزيمة لكنهم عاشوا وتصرفوا بصفتهم منهزمين. بيد أن المسيحيين الذين التحقوا بما تيسر من رياح تعصف في الخارج وجدوا انفسهم وقوداً لأنظمة متواطئين مع سلطانها مصفقين لاستبدادها.
كان البطريرك الماروني الراحل الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير من طينة يأتي بها التاريخ.
ترجل إلى الصرح البطريركي في نهايات الحرب الأهلية قبل سنوات من إبرام اتفاق الطائف. بات على البطريرك الجديد رعاية الموارنة ومواكبة انتقالهم من طور صعودهم في الجمهورية الأولى إلى طور يتلمسون عتمته في الجمهورية الثانية.
جرّد حكم وصاية دمشق في بيروت المسيحيين من قادتهم. نفيّ آل الجميل وآل شمعون وقبلهم ريمون أده، ومنحت باريس الجنرال ميشال عون لجوءا سياسيا وزُجّ بقائد القوات اللبنانية سمير جعجع في السجن. بات أمام المسيحيين خياران، إما الخنوع وإما الصمت.
لم يصمت البطريرك صفير. كان في صوته ما يريد اللبنانيون، مسيحيون ومسلمون قوله. تحوّلت بكركي في عهده إلى “لندن ديغول” أيام الاحتلال النازي، وباتت زيارة البطريرك تهمة يحمل تفسيرها تأويلات واجتهادات خبيثة في دمشق كما في بيروت.
ارتبط اسم البطريرك صفير بمفاصل أساسية في تاريخ لبنان الحديث، خصوصا أن الرجل عاصر أزمات البلد المرتبطة بالوجود الفلسطيني وتلك المتعلقة بالحرب الأهلية (1975-1990) وما رافق ذلك وتلاه من حضور عسكري وسياسي للنظام السوري داخل البلد، انتهاء بالموقف من حزب الله وسلاحه.
ولد البطريرك الراحل في 15 مايو في بلدة ريفون بقضاء كسروان عام 1920، وأصبح بطريرك الكنيسة في 19 أبريل عام 1986.
تقدم البطريرك على نحو مفاجئ في مطلع سنة 2011 باستقالته، طالباً إعفاءه من المهام البطريركيّة والانصراف إلى التأمّل والصلاة. ورغم أن صفير قال إن تقدمه في السن يقف خلف قراره ترك منصبه والاستقالة من مسؤولياته على رأس الكنيسة، إلا أن معلومات لم يُصادَق عليها رسمياً تحدثت عن ضغوط فاتيكانية أزاحت البطريرك بغية تخليص المنصب من أثقال سياسية صار صرح بكركي يمثلها في البلد.
وكان الفاتيكان منح صفير دعماً سياسيا ودوليا حين قام البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بزيارة عام 1997 إلى لبنان. وقد تخللت الزيارة مواقف داعمة للبطريرك والمسيحيين في لبنان في وقت كان فيه زعماؤهم يعانون الاضطهاد والسجن والنفي.
ولطالما اعتبر البطريرك سيادياً لاسيما في الموقف من التدخل السوري في لبنان الذي أخذ طابعا عسكريا مباشراً منذ عام 1976.
ولم يقبل البطريرك صفير القيام بأي زيارة رعوية لسوريا على الرغم من دعوات وجهتها دمشق بهذا الخصوص. ولم يرد البطريرك من خلال زياراته منح النظام السوري شرعية مسيحية لوجود القوات السورية في لبنان.
ويعتبر البطريرك صفير زعيماً سياسياً رغم موقعه الكنسي على رأس الكنيسة المارونية في لبنان. وقد رعى البطريرك بشكل ضمني التحركات السياسية المسيحية الكبرى ضد الوجود السوري في لبنان، وكان للبطريرك ممثل لدى “لقاء قرنة شهوان” التي جمعت ابتداء من عام 2000 شخصيات وتيارات سياسية مسيحية تدعو إلى استقلال لبنان وسيادته في وقت كانت شخصيات وتيارات مسيحية أخرى تعمل تحت كنف الوصاية السورية في البلد.
ولم يتوقف صفير عن معارضة الدور السوري في لبنان وكانت علاقاته متوترة مع القادة الموارنة المتعاملين مع وصاية دمشق كما كان من المعترضين على رغبة سوريا بالتمديد لرئيس الجمهورية السابق إميل لحود عام 2004، معتبرا التمديد خطوة غير دستورية.
ونقل حينها عن رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري الذي كان معترضا على التمديد، قوله إن “كلام البطريرك هو بطريرك الكلام”.
وشكلت مصالحة الجبل في اغسطس 2001 مشروعاً لإنهاء الخصومة بين الدروز والموارنة والتخلص من ترسبات الحرب الأهلية وإعادة المهجرين المسيحيين إلى قراهم في منطقة الجبل.
وقد أرسى البطريرك صفير هذه المصالحة مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في المختارة. وأرست هذه المصالحة أسساً أولى لمعارضة سياسية ضد واقع الأمر السوري تتجاوز الحيّز المسيحي وحده. وقد أغضبت تلك المصالحة النظام السياسي الأمني اللبناني المسيطر عليه من قبل دمشق. واعتبر الحدث معانداً للقواعد التي فرضتها دمشق في التعامل مع لبنان.
ولم يدعم البطريرك صفير سلوك قائد الجيش اللبناني العماد ميشال عون بعد تعيينه رئيسا للحكومة اللبنانية من قبل رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل قبل مغادرته ولايته عام 1988، كما عارض أساسا قرار الجميل في هذا الصدد.
وعلى الرغم من المعركة التي خاضها عون عسكرياً وسياسيا ضد الوجود السوري في لبنان، إلا أن تحرك عون لم يحظ برعاية بكركي. وقد قام عدد من أنصار عون باقتحام البطريركية والاعتداء جسديا على البطريرك صفير وتوجيه الاهانات لشخصه.
ورغم موقعه كقائد روحي للمسيحيين في لبنان، إلا أن البطريرك صفير رفض التعصب المسيحي ومارس دوره التاريخي بصفته بطريرك لبنان، بطريرك كل اللبنانيين. وحرص صفير على رفض أي سلوك مسيحي لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح وهواجس الشريك المسلم.
وكان البطريرك الماروني قد أيد اتفاق الطائف عام 1989 على الرغم من اعتراض الجنرال ميشال عون وقبل أن يؤيده قائد الميليشيات المسيحية آنذاك، سمير جعجع. وأيد صفير الاتفاق على الرغم من أنه أدخل تعديلات دستورية عززت صلاحيات مجلس الوزراء مجتمعا على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني.
وقد شكلت العلاقات الطيبة بين رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري والبطريرك صفير منطلقاً لشراكة لبنانية مسيحية إسلامية من أجل لبنان على نحو أثار القلق والريبة لدى دمشق.
وعارض صفير سلاح حزب الله واعتبر أن الأمر يعتبر “حالة شاذة”. ويعتبر المراقبون أن مشهد الزحف الجماهيري الذي شهدته بيروت في 14 مارس 2005 بعد شهر على اغتيال رفيق الحريري، كان من الضخامة في أعداده ومن الفرادة في جمعه بين المسلمين والمسيحيين، بحيث لاقى خطاب البطريرك صفير الوحدوي السيادي اللبناني طوال الفترة التي تولى فيها قيادة الكنيسة المارونية في لبنان.
رحيل البطريرك صفير ليس خسارة للمسيحيين فقط. هي خسارة للبنان بأجمعه، ذلك أن روحية البلد الذي فاوضت البطريركية في بدايات القرن الماضي على نشوئه تحتاج إلى بطريركية حكيمة تحمي لبنان من عواصف خبيثة تهب من الخارج وتحمي لبنان أيضا من رياح سوداء قد ينفخها اللبنانيون أنفسهم.

يوم قال البطريرك للرئيس: إرحل
نقولا ناصيف/الأخبار/الثلاثاء 14 أيار 2019
علاقة بطريرك الموارنة، كل بطريرك، برؤساء الجمهورية لم تكن دائماً ودّية. لم يُكتب لها ان تكون حتى. مالت الى الاشتباك في معظم الاحيان. كلاهما افترض انه مصيب
أصاب البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير في علاقته بأربعة رؤساء للجمهورية عاصروا حبريته، ما اصاب اسلافه: التفاهم حيناً والاشتباك مراراً. هو صاحب الحبرية الاطول (25 سنة) بين ثلاثة سبقوه منذ الاستقلال: انطون عريضة وبولس المعوشي وانطون خريش، مترجحة ما بين 11 سنة و20 سنة. تجاوز المعوشي الذي رافق اربعة رؤساء، لكن اقل من عريضة الذي حضر تعاقب 8 رؤساء من الانتداب الى ما بعد الاستقلال. بيد ان اياً منهم لم يُعطَ، كصفير، ان يكون صاحب كلمة مؤثرة في انتخاب رئيس، مثلما تحوّله مرتين الى مرجع مباشر لانتشال البلاد من شغور رئاسي طويل.
انضم عريضة الى تأييد تجديد انتخاب بشارة الخوري عام 1948 متأخراً، بعدما اضحى امراً واقعاً. ثم انضم الى حملة معارضيه من غير ان يدعم اسقاطه بالقوة، الى ان قرر الرئيس بنفسه التنحي. حين انتخب كميل شمعون عام 1952، ارسل اليه مع المونسنيور اغناطيوس كيروز رسالة مقتضبة: «سيدنا يوصيك بلبنان». اشارة من سيد بكركي المتقدم في السن معبّراً عن خشيته من مغزى انتخاب «فتى العروبة الاغر».
من بعده، اصطدم البطريرك الخلف، المعوشي، بعنف مع شمعون حيال سياسته الخارجية، وانضم الى مناوئيه في «ثورة 1958»، وفتح صالون بكركي كي يؤم مشايخ مسلمين الصلاة في موعدها وكانوا لا يزالون فيه. وقف ضد محاولة تجديد انتخاب الرئيس، مع ان شمعون لم يجهر بها مرة. كان اقرب الى جمال عبدالناصر منه الى الرئيس اللبناني. بسبب صداقته معه، امكنه في ما بعد انقاذ قس في العراق من حبل المشنقة بحكم اصدره عبدالكريم قاسم، بناء على طلب من الزعيم المصري. فضّل المعوشي عام 1958 عودة الشيخ بشارة الى الرئاسة لخلافة شمعون بدلاً من قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب. أُرغم على الموافقة عليه، وارسى معه علاقة هادئة بالكاد عاشت سنتين، الى ان تحقق من ان النائب البطريركي المطران يوسف الخوري شهابي اكثر مما يحتمل البطريرك، فأبعده الى كرسي صور والاراضي المقدسة واحل محله الكاهن نصرالله صفير الذي اضحى مطراناً ونائباً بطريركياً. مصادفة وضعت صفير على طريق التاريخ.
مذذاك، الى ما بعد ولاية شهاب، الى ما بعد وفاته عام 1973، نشب عداء استحال رأبه بين المعوشي وشهاب. عندما يزورهما اصدقاؤهما يسمعون البطريرك يتحدث عن هذا الذي «تحت» (جونيه)، والرئيس عن هذا الذي «فوق» (بكركي).
خلافاً لسلفه عريضة وخلفه خريش الوديعين، كان المعوشي صدامياً. يوم وفاة الرئيس السابق رفض ترؤس صلاة الجناز، قبل ان يتراجع تحت ضغوط الزعماء الموارنة والتقليد السائد. استكمالاً لعناده، طلب من صفير ان يكتب رقيماً ويقرأه هو بنفسه في كنيسة مار جرجس المارونية. بعد سنوات طويلة، ادرج صفير الرقيم في كتابه «وغابت وجوه». شأن ما فعل مع شمعون، مانع المعوشي تجديد انتخاب شهاب، مع ان الرئيس رفضه سلفاً.
على نقيض سلفه، لم يسع خريش، صاحب الحبرية الاصغر (11 سنة)، إلى الاضطلاع بأي دور في انتخاب رئيس للجمهورية. سلّم بالياس سركيس مرشح سوريا والجبهة اللبنانية عام 1976، ثم سلّم مجدداً بانتخاب بشير وامين الجميّل عام 1982، ووقف عاجزاً امام الانقسام الدموي بين موارنة الجبل وموارنة الشمال.
تكاد تكون حبرية صفير، وعلاقته باربعة رؤساء عاصروه، عصارة كل ما مضى. بيد ان تجربته غير مسبوقة في الاشتباك مع رؤساء، او في تحوّله مرجع الاحتكام يوم اضحت البلاد بلا رئيس للدولة. اضحى الزعيم السياسي لمسيحيين بلا زعماء.
لم يختبر اي من اسلافه تجربة شغور رئاسي مرتين: اولى عام 1988 عندما دعاه الاميركيون الى وضع لائحة اسماء بمرشحين محتملين، وثانية عام 2007 عندما دعاه الفرنسيون الى لائحة مماثلة. في المرتين لم يؤخذ بهما. بانت ذريعة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير اضعف من ان يصدقها البطريرك، يوم قال له انه لن يكرر تجربة 1988. حدّثه الوزير عن ضمانات اثبتت لاحقاً عجز حكومته عن ادارة الاستحقاق.
وخلافاً للمعوشي الذي ناوأ التجديد لرئيسين كرههما، وضع صفير حجة بليغة لموقف مشابه، من غير ان يضمر ضغينة. لم يتسامح حيال تمديد ولاية الياس هراوي عام 1995، ثم اميل لحود عام 2004 بمنطق واحد لم يتبدّل: ضد تعديل الدستور لمصلحة فرد. مع ذلك فرض السوريون التمديد. في كل مرة واجه الاستحقاق الرئاسي، امسك بالقاعدة الدستورية: نصاب انتخاب الرئيس هو الثلثان.
لم تكن لصفير الكلمة الفصل في رفض مخايل ضاهر مرشح سوريا لاستحقاق 1988 فحسب، بل كان احد ثلاثة فقط عارفين بالرئيس التالي للجمهورية ما ان ذهب النواب اللبنانيون الى الطائف، وقبل ان يصير الى انتخابه عام 1989: الاثنان الآخران هما الرئيس نفسه رينه معوض ورئيس البرلمان حسين الحسيني. سلّم بانتخاب هراوي، الا انه اهم المرحبين بانتخاب خلفه لحود. بسبب قناة ارساها معه القائد السابق للجيش هي العقيد جورج خوري، أُحيط باكراً علماً بنزوع سوريا الى انتخاب لحود، وكان ثمة تمن سوري بتأييده. يومذاك بسبب ما عُرف عن قائد الجيش ودوره في اعادة بناء الجيش، وشاع ان اعادة بناء الدولة على صورة الجيش، وافق ورحب. في ما بعد، منذ نداء 2000، اضحى البطريرك في مقلب والرئيس في آخر. ساعات بعد اطلاق النداء، في الطائرة من ايران الى بيروت، اعد لحود الرد. في المطار، مستعجلاً، طلب توزيع المعادلة العجيبة آنذاك عن بقاء الجيش السوري في لبنان: «شرعي ضروري موقت».
لم يقل المعوشي باسقاط شمعون بالقوة ابان «ثورة 1958»، ورفض خريش فرض الاستقالة على سليمان فرنجيه عام 1976، ثم من بعد المطالبة بتقصير ولاية امين الجميّل اكثر من مرة عامي 1984 و1986. كذلك فعل صفير عندما رفض اسقاط لحود بزحف شعبي تلاعب بمخيلة قوى 14 آذار عام 2005 على اثر اغتيال رفيق الحريري، في حقبة انقلاب توازن القوى رأساً على عقب، ومغادرة الجيش السوري لبنان.
إبان الشغور الرئاسي مرتين، ملأ البطريرك الزعامة السياسية
بيد انه فعل ما هو ادهى في السنة التالية. قال له: إرحل.
في بيانه الشهري في 2 تشرين الثاني 2005، اعتبر مجلس الاساقفة الموارنة برئاسة صفير الجدل حول بقاء الرئيس او اعتزاله «ادخل البلد في وضع حرج، يوجب أن يُبقي مقام الرئاسة فوق هذا الجدل لئلا يفقد ما يحوط به من هالة وقار واحترام». كرر الموقف نفسه في بيان أول آذار 2006، داعياً الرئيس الى «تحمّل مسؤوليته امام الله والتاريخ». في المدة الفاصلة بين التاريخين، كشف البطريرك في 21 شباط 2006 تردّي هيبة الرئاسة، اذ لاحظ انها «اصبحت خالية تقريباً». لم يطل الوقت خطا علناً الى الامام في الخيار الذي بدا أنه بات اكثر استعداداً للمضي فيه: حض الرئيس لاول مرة على تقدير الموقف الذي يقتضي اتخاذه: بقاؤه في المنصب او مغادرته.
قبل أن يلقي عظة الميلاد في حضور رئيس الجمهورية، مشاركاً في قداس بكركي، في 25 كانون الاول 2005، خاطبه بالقول: «انتم على رأس الدولة تقع مسؤولية قيادة لبنان إلى ما فيه طمأنينة ابنائه، والعمل على المحافظة على الدستور وتحقيق الوحدة الوطنية (…) في هذه الحال يبقى فخامة الرئيس الحَكَم ليرى ما اذا كان بقاؤه أو اعتزاله يفيد البلد أم يسيء الى مصالحه. التاريخ سيسجل على فخامتكم او لكم الموقف الذي ستتخذون لإعلاء شأن الوطن الذي عملتم دائماً في سبيله قائداً للجيش ورئيساً للبنان».
كتب صفير هذا الموقف في الوقت القصير الفاصل عن موعد القداس في ذلك الصباح، بعدما اعدّ بنفسه العظة، ولم يُدرجه في متنها. تعمّد ان يتوجّه به علناً اليه في مقدّم الصفوف. منتصف تشرين الثاني 2006، اوفد نائبه البطريركي العام المطران رولان ابوجودة، مزوّداً كتاباً خطياً يدعوه فيه صراحة الى الاستقالة. الا ان لحود حمّل الاسقف الزائر جواباً شفوياً هو رفض الطلب، واصر على البقاء في منصبه حتى نهاية ولايته.
لم يُكشف عن هذه الخطوة الا متأخراً. الا انها مثّلت الموقف العلني الاول والصريح لبكركي بدعوة رئيس للجمهورية الى التنحي. فاجأ الكتاب الاساقفة الموارنة الذين، شأن قرارات أخرى مماثلة بأهميتها، لم يُحاطوا علماً به.
في وقت لاحق، في 28 ايار 2007، عبّر البطريرك عن مرارة من عدم استجابة الرئيس طلبه بالاعتزال. قال: «ارسلنا اليه كتاباً ولم نلقَ جواباً. قلنا له ذلك عندما كان في القداس في بكركي، ثم ارسلنا اليه كتاباً. في المرة الثالثة ذهبنا اليه. لكننا رأينا أنه لا يمكنه ان يتخذ الخطوة التي عليه أن يتخذها لاسباب لا نريد ان نذكرها».

رثاء غبطة البطريرك الراحل مار نصر الله صفير
د. أحمد خواجة/لبنان الجديد/14 أيّار 2019
يهتف اللبنانيون اليوم عشية وداع البطريرك مار نصرالله صفير بصوتٍ واحد: نمْ قرير العين مُرتاح الضمير يا بطريرك الأمة جمعاء. رحل البطريرك مار نصرالله صفير عن هذه الدنيا الفانية، بعد أن خدم رعيّته ورعاها خير رعاية، وأتمّ فضائله على الشعب اللبناني بأن أولى قضيّته الوطنية الشُّغل الشاغل والاهتمام الفائق، لا سيما بعد غرق لبنان في وحول الإحتلالات الاجنبية، فوقف وقفته التاريخية ضد الوجود العسكري السوري، وذلك بعد اندحار الاحتلال الإسرائيلي، هذا الوجود الذي بات مع مضيّ الزمن واستفحال الهيمنة احتلالاً مُموّهاً، ومُبرقعاً بشعارات المقاومة والممانعة، والحفاظ على أمن لبنان ونظامه.
نعم، وقف البطريرك صفير ضد “الاحتلال السوري” يوم كان هذا الموقف عملاً جهادياً مُقدّساً عزّ نظيرُه. ما حفظه وسيحفظه تاريخ لبنان لهذه القامة الرفيعة والغالية أنّه لم يتقلّب في متاهات السياسة وأحابيلها، ولم يُفرّط في سيادة الوطن، ولم يتزلّف لأحد، كبيراً كان أو صغيراً، لم يسع وراء مجدٍ شخصيّ أو مصلحة طارئة، لم يُتقن لغة التسويفات والتّبريرات، لم يعرف تدبيج الحُجج الواهية، لم يسع وراء “تضخيم” الأنصار والمُريدين، كان جريئاً في قرار تأييد وقف الحرب الأهلية عبر اتفاق الطائف أوائل تسعينيات القرن الماضي، كما كان جريئاً وأصيلاً في ريادته لمصالحة الجبل التاريخية أوائل القرن الحالي، لم نسمع يوماً عن سعيه لجمع التّبرعات لإنشاء ميتم أو إقامة مستشفى، أو مكتب خدمات، أو صندوق صدقات، لم يُنشئ جمعية خيرية لا “تتوخّى” الربح، لكنّها تجهد في الحصول على أموال الدولة المتهالكة، لم نسمع يوماً عن حشر أنفه في الصراعات الإقليمية المشتعلة حول وطنه، لم يًؤثر عنه عصبية طائفية أو مذهبية أو نزعة عرقية أو استعلائية أو استفزازية، رحل بسلام رجُل السلام كما أراد أن تكون نهاية سيرته المناضلة شديدة الشبه برسالة السيد المُخلّص فادي البشرية. يهتف اللبنانيون اليوم عشية وداع البطريرك مار نصرالله صفير بصوتٍ واحد: نمْ قرير العين مُرتاح الضمير يا بطريرك الأمة جمعاء.

البطريرك صفير… رحل آخر اللبنانيين
نديم قطيش/الشرق الأوسط/14 أيار/2019

عمره من عمر الكيان اللبناني المولود عام 1920، في ختام الحرب العالمية الأولى، وبعد سنوات المجاعة، بقليل. ذاكرته هي ذاكرة الماروني الشاهد عبر أهله وأساتذته، على الولادة الصعبة للكيان اللبناني، وعلى الدور الريادي فيها الذي لعبته الكنيسة المارونية، من خلال شخص البطريرك إلياس بطرس الحويك. وتجربته معجونة بكل العثرات التي رافقت نمو الكيان اللبناني، وطناً صعباً رجراجاً، ومن داخل بكركي نفسها بعد أن عيّنه البطريرك بولس بطرس المعوشي عام 1956 أمين سر البطريركية. وتكر سبحة الذاكرة، منذ ثورة عام 1958، وصولاً إلى ما بعد هزيمة عام 1967، التي نجح لبنان بحكمة وزير خارجيته فؤاد بطرس أن يبقى خارج سياقها الحربي، ثم «اتفاق الشؤم» في القاهرة عام 1969 الذي أعطى منظمة التحرير الفلسطينية، حرية الكفاح المسلح من لبنان… مروراً باندلاع الحرب الأهلية عام 1975 والاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وسقوط المشروع السياسي الأبرز للمارونية السياسية باغتيال الرئيس بشير الجميل، وصولاً إلى شهادته على الاقتتال المسيحي المسيحي وقد صار بطريركاً عام 1986 ثم الطائف وما بعده من خروج جيش الاحتلال السوري بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري… هو آخر الرجال الذين يعرفون لبنان. آخر الشهود على إمكانات هذا الوطن الصعب، وعقبات استتباب نهائيته. بل هو آخر اللبنانيين. آخر المؤمنين بأنه لا ينتصر في لبنان إلا من ينتصر بلبنان المعنى والرسالة، وطناً نهائياً للعيش الحر الكريم الواحد، خارج موازين حسابات السلطة وتوازنات النظام السياسي.
عندما غطى البطريرك مار نصر الله بطرس صفير اتفاق الطائف، كان يعرف أنه يطوي صفحة من صفحات التجربة السياسية المسيحية في المشرق، وفي لبنان الذي ظل في عقل المسيحيين وبعبارة خلاقة لكريم بقرادوني «وطناً مسيحياً يتسع للآخرين».
كان الزمن يدور دورة كبيرة. في تلك اللحظة المسيحية العصيبة اختار البطريرك لبنان، المقتتلون مسيحيوه حتى آخر الرمق وسراب الدم. اختار أن ينحاز إلى حماية البقية، حماية الذخيرة، ممسكاً بكف لا ترتجف، ما بقي من حنطة لمواسم الغد.
أدرك «بطريرك لبنان» أن الكنيسة وحدها قادرة على استيلاد شبكة حماية تتلقف سقوط المارونية السياسية، وتمنع ارتطام الموارنة القاتل بأرض الواقع السياسي القاسية. بدءاً من القوى التي تحلقت حول بكركي رفضاً لقوى الأمر الواقع المسيحية قبل الطائف، والتي حوّلت وظيفتها إلى معالجة ذيول الهزيمة العسكرية وصولاً لبيان المطارنة الموارنة في سبتمبر (أيلول) عام 2000 بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، والذي شكّل برنامج عمل سياسي لحراك وطني بقي يتنامى حتى 14 مارس (آذار) 2005، وبين اللحظتين مرّت حركة إعادة إنتاج الدور المسيحي والخروج من الهزيمة بمنحنيات ومحطات كثيرة أبرزها معركة الصمود والمواجهة التي انطلقت من رحم توقيف رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، وزيارة البابا يوحنا بولس الثاني للبنان في مايو (أيار) 1997، وما اندلع بغية حصولها من مواجهة قاسية مع حافظ الأسد، ثم لقاء مار روكز الذي للمفارقة كان يدفع باتجاه خيار قبول انسحاب إسرائيل من جزين فيما كانت سوريا الأسد و«حزب الله» يدافعان عن بقاء الاحتلال! ولا يفوت المراقب العصب الذي شكّلته الجامعات، وتحديداً الجامعة اليسوعية التي كانت خطابات رئيسها الأب سليم عبو، ولا تزال، النصوص المرجعية الأولى حول السيادة اللبنانية. وبين هذه المحطات جميعاً، مصالحة الجبل التي أقفلت الجراح المُرة بين المسيحيين والدروز.
طوال هذه السيرة، وفي ذروة تدجين الإعلام والخطاب السياسي، إلا في بعض بؤر جريدة «النهار» وملحقها الثقافي ومقالات الراحلين غسان وجبران تويني وسمير قصير، تحولت عظة الأحد إلى أهم نص سياسي، في الحياة الوطنية اللبنانية منذ عام 1993 حتى الانسحاب السوري عام 2005.
حمى صفير لبنان ومعناه حين حمى مسيحييه، مشرفاً على إعادة تنظيم انتشارهم في الحياة الوطنية والسياسية، على قاعدتي الدولة والسيادة معاً. لم يغطِّ البطريرك مَن انتهز عنوان الدولة ليكون شريكاً في نظام الوصاية عن ضعف وتزلف، وهم غالبية الشخصيات المسيحية منذ «الطائف» حتى انتخابات 2005 إلا البعض القليل القليل ونبراسهم الراحل نسيب لحود. ولا كان تسامح قبلاً مع مَن غامر بالدولة دفاعاً عن السيادة، حتى حين كان المغامر عنواناً للمقاومة الحقة في وجه تفلت السلاح الفلسطيني، أو في وجه شهوات حافظ الأسد. العقل العميق للكنيسة المارونية يرفض التمرد على الدولة، أياً تكن صفة الحاكم وأياً كانت مسوغات التمرد. من هنا لم تكن علاقة الكنيسة على وئام مع بشير الجميل، ولا مع القوات اللبنانية في ذروة تمثيلها لخط الدفاع عن الوجود المسيحي، ولا غطى تمرد ميشال عون ولا قَبِل مع انتفاضة الاستقلال إسقاط الرئيس إميل لحود بالقوة. فلا دولة بلا سيادة ولا سيادة بلا دولة في عقل الكنيسة، وأبرز مَن خاض هذا الامتحان هو البطريرك الراحل.إلى هذين المدماكين، ظل البطريرك بثقله المعنوي والوطني والأخلاقي، حارساً لمرجعيات الوفاق الوطني بين اللبنانيين. تارةً يصطدم بشهوات المسلمين وتارةً بنوستالجيا المسيحيين، حتى صار بحكم التجربة «المحكمة الدستورية الوطنية العليا» والبوصلة التي تشير إلى صحة الاتجاه.
رحلت محكمتنا العليا… رحل آخر اللبنانيين.

أيقونة الكرسي البطريركي
المطران جورج صليب/14 أيار/2019
بهذا اللقب نعت بطريركية أنطاكية للموارنة رقاد وغياب المثلث الرحمات البطريرك مار نصرالله صفير. البطريرك الـ 76 في عداد بطاركة الموارنة الشرعيين المتقاعد.
هو اسم بمسمى عظيم وشخصية فذّة وقامة كبيرة في الكنيسة والوطن والعالم. تميّزه صفات كثيرة يفتقر اليها كثيرون من الكبار الكبار. أبرزها التواضع والغيرة المقدسة والقرار وتمسكه بإيمانه المسيحي ووفاؤه لرسالته ومحبته وغيرته على الكنيسة ولبنان، بل لكل المثل والقيَم وصلابة إرادته وحسن كلمته ومنبريّته الفائقة، بل بلاغته الرائعة بالتعبير عن رأيه بدقة مميّزة وعبارات قصيرة تعبّر عن الكثير. قاد البطريرك مار نصرالله صفير الكنيسة المارونية بحكمة وخدمها بإخلاص فائق كاهناً واسقفاً وبطريركاً. وفي كل مراحل خدمته ورعايته كان صوتاً نبوياً. لم تغرِه المناصب ولم تؤثر فيه الوعود ولم يتراجع عن قناعته المبنية على الحكمة والجرأة. إذا جالسته، البساطة تزيّن شخصيته الرسولية، وإذا قصد فعل وأعطى بدون تردّد أو مباهاة، يعرف مقامه والتزامه بكل ثقة فلا يصرّح ولا يقول إلّا ما يليق ويناسب. وهو مقتنع بتراث كنيسته بل بكل ما يمثله لبنان من امتيازات وقيَم وأهمية بل وهواجس كانت تملك فكره وقلبه ونظرته في الكنيسة والوطن، ولا سيما فكره وقلبه على الكنيسة ولبنان وقد تلاطمت الامواج العاتية على هذا الوطن وأهله، فصارت الأحداث جزءاً من حياته التي لا يفارقه التفكير بها ليل نهار، في خلوته ووحدته، بل في اجتماعه واستقباله أبناء كنيسته والمسؤولين في الكنيسة والوطن وعلاقته العميقة بالكرسي الرسولي، وما انفكّ يعالج الغثّ والسمين في ما جرى ويجري. إذا جالسته تطمئنّ الى رجل رصين كلما امتد العمر معه امتدت الحكمة وتعزّز الفهم والمفهوم لديه، هذه الصفات والمزايا طبعت شخصيته. أن يلتفّ الموارنة اكليروساً وعلمانيين ورجال سياسة وفكر بل اللبنانيون عموماً ليسمعوا الحكمة وينالوا المشورة، ولم يبخل بأن يكشف مسار إدارته الحكيمة.صفات البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، جعلت الناس يتعلقون به لا سيما هؤلاء الذين يتمتعون بحب كنيستهم ولبنان.
إعتكف وتقاعد البطريرك صفير عن الخدمة والرعاية بسبب السنّ لكنه لم يفقد حيوية الرجال والصحة. فهو الكاهن والأسقف والبطريرك. وهو كبير السن وغير شيخ لأنّ غيرة الشباب وحكمة الشيوخ ميزته في مسيرته وطالت قرناً إلّا عاماً (99)، سجّل ليس بشخص بل لأمّة أحبها وتفانى في خدمتها ورعايتها. وهو من عُمر بناء دولة لبنان الكبير (1920). سيسجّل تاريخ الموارنة ولبنان ما قبل عهد البطريرك صفير وأيام البطريرك صفير وما بعد البطريرك صفير مقارناتٍ يتقنها ويستوعبها أصحاب الاختصاص، فيبقى هذا الإسم رائداً جاذباً ومحرِّكاً طموحَ الأجيال الطالعة ليكون هذا البطريرك أيقونة البطريركية وعماد الكنيسة المارونية. أما غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي فيتابع رسالة هذا السلف ويعزّزها مع آباء المجمع المقدس للموارنة والإكليروس ومجلس بطاركة وأساقفة الكاثوليك بل سائر المؤسسات الدينية والسياسية والرسمية، فيظهر دور بكركي وأهمية الكنيسة المارونية ويعلو شأنها، ويحرص المجمع على لبنان لأنّ لبنان والكنيسة معاً بالنسبة اليها الغاية والمرتجى. وبالإجمال لا كلمات تحدّد صفات ومزايا البطريرك صفير وكل ما يقال هو قليل بالنسبة لهذه الشخصية الفذّة النادرة. سيدنا مار نصرالله بطرس صفير صلِّ لأجلنا جميعاً أمام منبر يسوع الذي أحببته وعبدته وتبعته بكل إيمان ورجاء ومحبة.