توفيق شومان/دروس الوطنية لأهل السياسة

30

دروس الوطنية لأهل السياسة
توفيق شومان/07 أيار/2019

غنى الفنانون اللبنانيون للبنان، لكل لبنان، لبنان الواحد ولبنان الجامع والمجتمع والإجماع.
يغني الحزبيون لأحزابهم.
في الحفلات والمهرجانات الفنية التي كان يحييها الفنانون اللبنانيون الكبار، من مثل فيروز وصباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين، ومن جايلهم ومن أتى بعدهم بقليل، كان العلم اللبناني، يأخذ انفراده في الحضور السياسي والوطني.
الحزبيون يجمهرون أعلامهم ويتطرفون في إحضارها أعدادا عديدة ومتعددة، فيبدو العلم اللبناني يتيما بين أعلام الأحزاب.
في حفلات الزجل التي ميزت لبنان قبل حرب العام 1975، ومثلها العروض المسرحية التي أبدع بها اللبنانيون، كان أبناء الوطن الواحد يلتقون على إيقاعها وصخبها ونقاشاتها وجدالاتها، ويفخرون بما أنتجه أبناء وطنهم من عمالقة في الشعر الشعبي ومن مبدعين في المسرح نصا وإخراجا وتمثيلا.
كان أبناء المناطق والطوائف والمذاهب يرصدون مباريات الزجل أينما كانت، كانوا يفكرون كلبنانيين، يجوبون المناطق اللبنانية ويتهافتون على شراء بطاقات الحضور، ومن دون أن يعنيهم أمر المنطقة أو رقعة المكان، فقد كان المكان اللبناني جامعا.
وحال المسرح ، مثل حال الزجل ، شكل قاعة للإجتماع الوطني اللبناني ومع أن العاصمة بيروت استأثرت بالحجم المسرحي الأكبر ، فلكونها كانت الأكثر انفتاحا على أعمال فنية واردة من وراء البحار ، فالمسرح يوناني الأصل وتم تشريقه ، وفعل أفاعيله في بيروت التي كانت موجز لبنان ومختصره وعنوانه وجماله.
والحال نفسها ، كانت مع جولات الغناء ومهرجاناته ، فمدينة بعلبك تحولت منجما للفن الإستعراضي و الغنائي اللبناني ومنها خرجت ذهبيات ومذهبات الفن وفيروزياته وصباحاته .
في تلك الحفلات والمباريات الشعرية الزجلية
وفي تلك الأعمال المسرحية
وفي تلك المهرجانات الفنية
كان كل لبنان وكل اللبنانيين
وأما في المهرجانات الحزبية فلا يأتي إلا الحزبيون.
كان اللبنانيون يشترون بطاقات الذهاب الى المهرجانات الفنية
وأما الأحزاب فتستأجر الباصات لإذهاب الحزبيين الى المهرجانات الحزبية
أليست مأساة تلك ؟
أليست كارثة ؟
كان جمهورالفنانين يعبر لبنان من أوله إلى آخره
لا خوف على ذاك الجمهور ولا من يحزنون ولا من يرتعبون
كان الجمهور يقطع المناطق ويعبر الطوائف ويتجاوز المذاهب
كان يجمعه المكان اللبناني
ذاك كان الجمهور
وأما ” جماهير ” الأحزاب فلها طوائفها ومذاهبها ومناطقها
لامكان عاما لها
لاتستطيع أن تعبر المناطق ولا الطوائف ولا المذاهب
لتلك الجماهير مكانها الخاص
والمكان الخاص ليس وطنا وليس اجتماعا وليس عاما
وهذا فرق كبير بين الجمهور والجماهير
لو يدرك ذلك أهل الحل والربط
لو يدرك ذلك أهل السياسة
لو يستعينون بعض الشيء بأهل الفن
وهنا كلام كثير وغزير وطويل
وليكن البدء من الأغاني الوطنية
لم تترك فيروز قطعة من لبنان إلا وغنت لها من لبنان الوطن والمكان العام وبيروت وجبل لبنان والجنوب والشمال وأدراج بعلبك
فيروز غنت وصدحت : “بحبك يا لبنان ”
فرد عليها الحزبيون : الأحزاب أولا
صباح مثل فيروز ، بنت وطنا في أغانيها ، من ” آلو بيروت ” التي جمعت فيها أحياء العاصمة كافة ، إلى ” ع الليلكي ” التي خصتها لمدينة بعلبك ، ومن ” يارب تشتي عرسان ” التي اجتمعت على لحنها مدن لبنان الكبرى وبلداته المعروفة ،إلى ” الله كبير” بعد تحرير معظم الجنوب اللبناني في العام2000 ، وقبل هذه وتلك “مرحبتين ومرحبيتن ” التي دعت فيها ” محمود ومعروف والياس وحسين” كرموز للطوائف اللبنانية للإجتماع على ايقاع وطني واحد.
صباح دعت الطوائف إلى الوطن
أهل السياسة يسحبون الطوائف من الوطن
وديع الصافي ، الذي غنى ” جاين يا أرز الجبل ” وجمع فيها لبنان ، محافظات ومدنا وأريافا ، كان أول من غنى للجنوب اللبناني من خلال اغنتيه الخالدة ” الله معك يا بيت صامد بالجنوب ” ،وغنى لبيروت والجبل والشمال وطريق الشام وصولا الى “سيجنا لبنان “، ولبنان ياقطعة سما ”
وديع الصافي سيج لبنان وحصنه
الأحزاب مزقته
وديع الصافي رفع لبنان الى السماء
أهل السياسة أنزلوا لبنان الى المزبلة
نصري شمس الدين غنى جبلا وساحلا وعاصمة وجنوبا وبقاعا وشمالا ووطنا بطوله وعرضه وفي واحدة من أشهر اغنياته يقول في مطلعها : ” ع العالي الدار عليها “.
غنى نصري شمس الدين للوطن العالي والدار العالية
أهل السياسة جعلوا عالي الدار واطيها
ماذا بعد الفن ؟
إلى الفلسفة ومنها فلسفة الجمال ، والفن منها ، وقيل في زمن الإغريق إن الجمال أرقى الفلسفة وأعلاها لأن الإله يجمع الجماليات كافة .
والمشتغلون بالفلسفة اليونانية يقولون إن فيتاغورس غدا فيلسوفا بعدما تأمل في الموسيقى طويلا ، ويقول أفلاطون إن للفلسفة نظاما وقانونا أخلاقيا ، وبعد الفلاسفة الإغريق جاء الفلاسفة الأوروبيون ليقولوا ما لم يقله الإغريق ، فرأى شوبنهاور (1788ـ 1860) أن الموسيقى من خلال اختراق الذات فهي تحاكي الجوهر، والفنون الأخرى تحاكي الظلال ، فيما يقول نيشته (1843ـ 1900) إن الموسيقى يمكن أن ترفع الإنسان نحو علو نفسه ومجده ، وهي سبيل التعرف على الذات ، سموا أو رخصا .
وعلى هذه الجادة الجمالية ، سار الفلاسفة المسلمون المتصوفون ، ومنهم شمس الدين التبريزي(1185 – 1248) وتلميذه النجيب جلال الدين الرومي ( 1206ـ 1273) ، حيث يعتبران أن الإستماع الى الموسيقى جولان روحي في عوالم الحب والصفاء ، وبعد العودة الى عالم الواقع يغدو الإنسان أكثر تسامحا وعاطفة .
أيضا الفلاسفة المسلمون المتأغرقون والمشاؤون، فلسفوا الموسيقى كعلاج لأمراض نفسية وعضوية مثلما قال الكندي (800 ـ 872) ، وكذلك هي حال الرازي ( 852 ـ 924) الذي يُطيل ، شرحا وتفسيرا، حول دور الموسيقى بمداواة أصناف وألوان من الأمراض، وفي ” كتاب الموسيقى الكبير ” ، يقول الفارابي (973ـ 950) إن الموسيقى تجلب البهجة والسرور وراحة النفس ، وتوسع من فضاءات المخيلة ، وفي كتاب ” القانون في الطب ” للشيخ الرئيس ابن سينا ( 980 ـ 1037) ، ما يفيض من استعمال الموسيقى وسيلة علاجية لأمراض شتى و لا حصر لها.
يتعب أهل السياسة من الفلسفة
هذا معروف ومشهور
نعود إلى الفن
أغلب اللبنانيين سمعوا أو شاهدوا أو قرؤوا حوارات مع الفنانين الكبار المذكورين قبل حين
ولم يحدث أن اللبنانيين سمعوا شتيمة من فنان كبير
لكن السياسيين يشتمون
كان الفنانون يبنون وطنا بأغنية
السياسيون يهدمون وطنا بشتيمة
الفلاسفة سعوا إلى انتظام الإجتماع البشري بنظام أخلاقي
وجعلوا الأخلاق من أصول الفلسفة بل قاعدة الفلسفة
وتكلم سقراط عن الفضيلة والعدل والصدق
السياسيون يعتبرون السياسة مراوغة
تحدث أفلاطون عن المثال وصاغ ” جمهوريته “على هذا الأساس
السياسيون يعتبرون السياسة تمثيلا ولذلك يتراقص أغلبهم امام الشاشات والعدسات وآلات التصوير
تحدث أرسطو عن المنطق بوصفه قانونا للتفكير السليم
والسياسيون حين ينطقون يظنون أنهم يتمنطقون ، فهم يجهلون الفارق بين النطق والمنطق ، و حين ينطقون يطيحون بكل قانون ، ولذلك عبثوا بالدستور ، وعبثوا بالقوانين ، وعبثوا بالإدارات العامة ، وعبثوا بوطن كان قريب الإكتمال ، وأسقطوه إلى أسفل الأسافل وإلى أسفل سافلين .
ربما يحتاج أهل السياسة إلى بعض الفن
فبعض الفن ترويض على المحبة
وبعض الفن يمحو الفتن
وربما يحتاج اهل السياسة إلى بعض الفلسفة
فالفلسفة ترويض على انتظام التفكير
و الفلسفة معرفة بنظام الأشياء وقوانينها
وربما يحتاج أهل السياسة إلى مراجعة حوارات أهل الفن الراحلين
فما سمعنا منهم شتما
ولا سمعنا منهم سبابا
ولكن مع اهل السياسة نصحو على شتائم وننام مع السباب
ثم نصحو مع السباب وننام على الشتائم
وإذا أراحونا بعض الشيء فاحت روائح زبالاتهم ونفاياتهم
يا للسياسة في لبنان
يا لأهل السياسة الذين ورثوا وطنا فأكلوه لحما ويعرضون عظامه للبيع
يا لذاك الوطن الذي غنته فيروز يوما وقالت :
” بتضلك عالي ومعمر وبتضلك لبنان الأخضر ”
يا لذاك الوطن الذي كان لحنا ونغما فاغتنموه سلبا ونهبا
اغتنموه ثم كفروا به وقالوا : الخلود للطوائف .
عشتم وعاش لبنان