توفيق شومان/كيف نعيد بناء لبنان؟… هكذا فكر اللبناني الأول

40

كيف نعيد بناء لبنان؟… هكذا فكر اللبناني الأول
توفيق شومان/21 نيسان/19

نظر اللبناني الأول حوله ، يمنة ويسرة ، شاطئا وجبلا، فرأى طبيعة خلابة وأنهارا وجبالا وساحلا يبتعد هنيهة عن قمم شاهقات، فقال: هذه بلاد تجذب الألباب وتجذب السياحة والسياح.
فكانت السياحة والقطاع السياحي الذي شكل أحد أعمدة الإقتصاد اللبناني قبل حروب اللبنانيين اللعينة في العام 1975.
ونظر اللبناني الأول، قبيل الإستقلال وبعيده، إلى تعدد الطوائف والمذاهب، فاستقرت في عقله فكرة ألمعية قوامها استحالة حكم الطائفة الواحدة والمذهب الواحد، فقال:
ـ وجدتها … لقد وجدتها … هذه هي حرية المعتقد.
ومن حرية المعتقد نبتت الحرية السياسية، فكانت الديموقراطية اللبنانية هي الأولى في الشرق الأوسط.
واللبناني الأول نفسه، نظر نظرة عامة إلى لبنان، فرآه شاطئا ممتدا من بلدة الناقورة جنوبا، إلى مدينة طرابلس شمالا، فأعادته ذاكرته إلى مرافىء أجداده الفينييقين وإلى موانئهم التي كانت عواصم العالم القديم، فقال:
ـ لتكن بيروت إحدى عواصم العالم الجديد.
وهكذا تحول مرفأ بيروت إلى مرفأ الشرق الأول وإلى مرفأ لا تضاهيه إلا قلة من مرافىء العالم في القرن العشرين.
اللبناني الأول، قبل الإستقلال وبعده، وبعد الإستقلال خصوصا وتحديدا، نظر إلى محيطه فرآى كيف تهرب رؤوس الأموال من التأميم ومن تلاطم موجات اليسار، ففتح أبوابه للهاربين وللأموال النازحة، فبنى قطاعا مصرفيا رائدا، غار منه الأشقاء وحسده الأصدقاء ونصب له الأعداء الحفائر والدوائر.
وحتى لا ينفرد ولا يتفرد قطاع المصارف بالحال والأحوال ولسان الحال، نظر اللبناني الأول إلى هذا القطاع، فرأى أن الضمانة والصيانة تفترض إشرافا ورقابة على واقع حال المصارف، فقال اللبناني الأول:
ـ ليكن المصرف المركزي ضمانة وصيانة، وهكذا كان.
ومرة أخرى نظر اللبناني الأول إلى منوعات الطوائف والمذاهب اللبنانية وتنويعاتها، وإلى حرية الأفراد بالعقائد والعبادة، فأبدع منها فكرة ألمعية ثانية، فقال في سريرة نفسه:
ـ من هذا التعدد ومن هذا التنوع تنبت حرية القول السياسي وحرية الصحافة والإعلام.
ومن هذه الفكرة الألمعية، بات اللبنانيون ينطقون بما يريدون ويقولون ما يشاؤون وما يبتغون.
ومن هذه الفكرة انتقلت عدوى القول والنطق إلى عموم العرب، وباتت صحافة لبنان ناطقة بإسم العرب.
ومن كان يبحث عما يفكر به العرب، وعما يخطط له العرب، وعما يُطرب له العرب وعما يضطرب منه العرب، وعما يفرقهم وعما يجمعهم، ما كان عليه سوى أن يقرأ صحافة لبنان.
بات لبنان آنذاك وجه العرب وقلب العرب وعقل العرب وصوت العرب.
اللبناني الأول، نظر أيضا إلى واقع التعليم، وإلى الفوارق الطبقية والإجتماعية في التعليم، فقال:
ـ إن هذه الفوارق لا تجوز أخلاقا ولا دينا ولا تمدنا ولا يجوز أن يتعلم الأثرياء وأبناء الأثرياء، ولا يتعلم الفقراء وأبناء الفقراء.
ما العمل؟ سأل اللبناني الأول.
لم يأخذ البحث عن الإجابة عناء وتعبا طويلين.
فاللبناني الأول قرر وحسم وقال: الحل بالمدرسة الرسمية، وليدخل إليها كل اللبنانيين بلا تمييز ولا منة، ولا فرق بين ذكر وأنثى ولا طبقة وطبقة ولا فئة وأخرى.
ليس بالمدرسة الرسمية يحيا لبنان.
هكذا قال اللبناني الأول، ثم فكر وقال:
ـ لتكن الجامعة اللبنانية بعد المدرسة الرسمية.
وما هي إلا برهة، حتى غدت الجامعة اللبنانية صرحا للعقول والعلوم بأساتذتها وخريجيها وحولياتها، ومن كان يحمل شهادتها كان يقال له: مبروك هذا الوسام ومباركة هذه القامة العلمية.
أكثر اللبناني الأول من الأسئلة، فكثرت الإجابات، وفي مرة من المرات سأل:
ـ هل يعقل أن تنير الكهرباء مدننا الكبرى وتبقى أريافنا وقرانا مظلمة في لياليها الظلماء، أوليس ذلك من الظلم، أوليس الظلم والظلام من اشتقاق واحد ولا يفرق بينهما سوى (الألف) في الظلام فتبدو مثل عصا تنهال على المظلومين؟
سأل اللبناني الأول ذاك السؤال ثم قرر وقال:
ـ لتكن الكهرباء في كل لبنان، وليعم النور كل لبنان.
فبات لبنان في زمن اللبناني الأول نورا ومنارة.
ماذا بعد؟
سأل اللبناني الأول واستعاد بعض أسئلة مضت:
ـ هل تكفي الطبيعة لتنمو السياحة؟
لم يأخذه السؤال بعيدا، لا إلى واد ولا إلى مرتفع، فقال كما قال سقراط في ذات سؤال فلسفي:
ـ سلمنا بجمال الطبيعة فلماذا لا نسلم بجمال العلم؟
وهكذا كانت المدرسة الفندقية.
عاد اللبناني الأول وسأل السؤال السقراطي نفسه حول الصحافة والإعلام، فجاءته الإجابة على عجل:
ـ لتكن كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية.
وهكذا كان، فكانت كلية الإعلام.
واستمر اللبناني الأول يسأل ويجيب، وفي لحظة سأل: يغزونا الأجانب بمرطبات وبمبردات، ألا نقدر على منتوج منافس وعلى مرطب من صناعة اللبنانيين؟
لم يكد اللبناني الأول يلفظ أنفاس كلمة سؤاله الأخير حتى جاءت مرطبات “جلول”، قوية في منافستها، عالية في جودتها، زكية في نكهتها، وإلى أن قيل: ما كان مثلها مثلا في بلاد العرب والعالم الثالث.
اللبناني الأول أغرته الأسئلة وأغرته الإجابات وأغرته أفكاره، وراح يرتاح لمزيد من الأسئلة عن بنى الإقتصاد الحقيقي، حتى لو كان خفيفا في بداياته ومقدماته وأولياته.
فسأل عن السكاكر، فجاءته الإجابة من “غندور” وجبر” و”لافروتا” و”بايونير” ومثلها وأمثالها.
سأل عن صناعة الألبسة والنسيج، فجاءته إجابات تصنيع الملابس بالكمال والجمال وبما يحسده عليه محيطه وبما ينافس به غريمه.
سأل عن صناعة الأحذية فجاءته إجابات “بلعة “وريم” والصياد” وغيرها مما يصعب عدها وحصرها.
سأل عن صناعة الأدوية فنال نصيبا معقولا .
وسأل عن صناعة العطور فحاز امتيازا مقبولا.
وسأل عن صناعة الذهب والمعادن الكريمة فحصل على علامة أولى.
وسأل عن الطباعة فكان أولا.
سأل عن قطاع الطبابة فكان رائدا.
سأل عن الفن فقيل له: هذا مستحيل، ففي مصر أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
سأل مرة ثانية عن الفن فردوه إلى الجواب الأول.
وسأل مرة ثالثة وأخيرة فجاءت فيروز والرحابنة.
سأل اللبناني الأول كثيرا وأجاب كثيرا.
فكان لبنان الأكثر حداثة وتطورا في الشرق الأوسط كحصيلة لتلك الإجابات وتلك الأجوبة.
اكتمل لبنان مع اللبناني الأول وبقي سؤال واحد:
ـ ماذا عن علاقات لبنان بسوريا؟
اللبناني الأول أجاب مرات عدة عن السؤال الأول:
مرة في البيان الوزاري الأول لرئيس الحكومة الأسبق رياض الصلح حيث جاء:
ـ ” يقتضي تنظيم الإستقلال أن تعمد الحكومة إلى تسلم جميع صلاحياتها كحكومة دستورية شرعية لدولة مستقلة، وهي على ذلك ستقوم بالإتفاق مع شقيقتها سوريا على إدارة ما نعرفه اليوم بالمصالح المشتركة”.
الإجابة الثانية جاءت من رئيس الجمهورية الأسبق اللواء فؤاد شهاب، حين قال على ما يروي باسم الجسر في كتابه “فؤاد شهاب ذلك المجهول”:
ـ ” يتهمونني بمسايرة الرئيس جمال عبد الناصر، نعم أنا أسايره، فنصف البلد يحبه، ومن يكن نصف البلد معه، يستطيع أن يهز البلد”.
الإجابة الثالثة تكمن في مقولة مأثورة لوزير الخارجية الأسبق جورج حكيم، وردت في محاضرة عن سياسة لبنان الخارجية في العام 1965، يقول فيها:
ـ “من مصلحة لبنان التوفيق بين الدول العربية لأن الوفاق العربي ضروري لتأمين الوفاق بين الطوائف اللبنانية”.
هكذا فكر اللبناني الأول.
هكذا سأل وهكذا أجاب.
هكذا بنى لبنان.
هكذا تحول لبنان إلى حلم كان يحرك مخيلة العرب وأحلام العرب، ومن ضمنهم حاكم دبي محمد بن راشد إذ يقول في مذكراته الصادرة حديثا:
ـ “حلم تردد في ذهني أن تكون دبي مثل بيروت في يوم ما”.
هكذا فكر اللبناني الأول.
من يفكر الآن كما فكر اللبناني الأول؟.