د. منى فياض: حزب الله’.. دون كيشوت الفساد

76

حزب الله’.. دون كيشوت الفساد
د. منى فياض/الحرة/10 آذار/19

ترى هل كان حزب الله وأجهزته السياسية والإعلامية الضليعة في سبر غور الجماهير وسوقها، غافل عن أن اتهام الرئيس السابق للحكومة في لبنان فؤاد السنيورة سيؤدي إلى عاصفة مذهبية؟ أم أن الحزب وماكينته تغافلوا كي نصل بالضبط إلى ما وصلنا إليه من تصعيد إضافي للتوتير المذهبي لغاية في نفس يعقوب؟!

فبعد أن أمعن الحزب، على مدى سنوات، في إثارة النعرات المذهبية؛ من غزوة بيروت وصولا إلى تدخله العسكري في سوريا؛ أصبحت المذهبية سياسته ولو أصر على إنكار هذا الأمر.

برر تدخله في سوريا لحماية مقام السيدة زينب. ولكي يعطي الزخم لمقاتليه خلال معاركهم، لم يجد أفضل من شعارات: “الله أكبر، لبيك يا حسين، لبيك يا صاحب الزمان، لبيك يا زينب، يا حيدر كرار، يا زهراء”… وصولا إلى شعارات أكثر تحريضا مثل: “لن تسبى زينب مرتين”.

يتعرض حزب الله لهجوم حاد ولعقوبات غير مأمونة، ويرى أن يحتمي بالدولة اللبنانية ويبتزها كي لا يغرق وحده!

عمد فوق ذلك إلى تجييش مناصريه وعموم الشيعة أو ما يسمى البيئة الحاضنة، فلجأ إلى خطاب تعبئة أيديولوجي مذهبي مستندا إلى التراث الشفهي والطقوس الممارسة في مراكز التعبئة الدينية، مثل مجالس العزاء والحسينيات، روّج عبرها القصص الدينية المستقاة من أخبار آخر الزمان وصاحبه والثأر لآل البيت وانتظار المهدي المنتظر؛ ناهيك عن الكرامات والمعجزات التي تظهر لمقاتليه على غرار ما شاع في حرب 2006.

استعاد حزب الله بذلك بعض الأساليب التي اعتمدتها القيادة الإيرانية في العراق خلال حربها مع صدام حسين لما لهذا الخطاب الشفهي التحريضي من تحشيد انفعالي وحماسي لغرائز الجمهور.

تحولت الاستماتة في الحفاظ على نظام الأسد، إلى حرب للدفاع عن مقامات دينية وعن العقيدة الشيعية مقابل أغلبية من المسلمين السنة، بزعم أنهم راغبون بطرد الشيعة وهدم المقامات. وهي حرب دعائية كاذبة فالمقامات ظلت مئات السنين محفوظة ومصونة من هؤلاء السنة أنفسهم ولم تمس. لكن حاجتهم للتعبئة دفعتهم للجوء إلى المبالغة واستخدام “التكليف الشرعي” من المرشد الأعلى الإيراني لمزيد من الإقناع والضغط على مقلديه من الشيعة بأنها الخيارات الدينية الواجب اتباعها.

كل هذا لم يكن كافيا لإخافة الجمهور وربطه به. فكان تضخيم دور تنظيم القاعدة ومن ثم داعش وبدأت جيوشه الإعلامية المبالغة في إظهار “الخطر التكفيري السني” الذي يريد القضاء على الشيعة. مع أن معظم ضحايا هذين التنظيمين من غير الشيعة. ناهيك عن مراحل التنسيق بينهما، بدءا من الدفاع عن وجودهم في مخيم البارد في طرابلس (في العام 2007) وصولا إلى صفقة الباصات المكيفة إثر معركة جرود عرسال.

في المقابل، انعكس هذا التجييش المذهبي الشيعي سلبا على الجمهور السني؛ فأثار المشاعر والغرائز المذهبية ليس في لبنان فقط بل وفي المنطقة عموما؛ خصوصا أن الحزب اعتمد، في غمرة دفاعه عن إيران، خطابا تحريضيا معاديا للأمة العربية ولدول الخليج وللسعودية، واتهمها بالتقاعس تجاه فلسطين ناعتا إياهم بـ”العربان الذين لا حضارة لهم”.

ولا يهم أن روايته تتغير وتتعدل باستمرار. فالبروباغندا وازدواجية الخطاب هي من سمات الخطاب الفاشي تبعا لنصيحة الدعائي النازي غوبلز: “اكذب ثم اكذب ثم اكذب”… تفوقت عليه مهارة ماكينة حزب الله. فالكلمة في عقيدتها كالرصاص.

وبالرغم من الانقسام المذهبي الحاد الذي ساهم في نبشه والدماء التي أسالها، يغرقنا حزب الله بخطب رنانة عن الوحدة الإسلامية وعن المقاومة والتزامه بقضايا المسلمين وهمومهم ومستقبلهم.

الآن في طريق عودته من سوريا، وبدل أن يقوم بمراجعة نتائج تدخله أو تقديم تفسير أو اعتذار عما أصاب بيئته وعما نتج عن تورطه سواء في لبنان أو في سوريا من تهجير وحرب إبادة، يعود إلينا زاعما إنقاذنا من براثن الفساد. فيمارس سياسة الكيد والفساد السياسيين تحت شعارات الوحدة والحفاظ على مصالح الشعب ذاتها.

فبماذا يبدأ “دون كيشوت محاربة الفساد” النائب فضل الله؟ بالهجوم على حكومة السنيورة والأحد عشر مليار دولار “الضائعة”!.

ليست مهمتي هنا الدفاع عن الرئيس السنيورة، فهو كفيل بذلك. وليقم القضاء بمهامه تجاه جميع المسؤولين، دون استنساب، بعد أن تكشف حساباتهم في الخارج، وليس في الداخل على ما يذهب وزير خارجيتنا. ولننتظر حكم القضاء.

لكن المسألة هنا تتعدى صحة الاتهام من عدمه. ذلك أن من يريد محاربة الفساد حقا عليه أن يتمتع بالشفافية، وأن يبدأ بنفسه أولا، وبحلفائه قبل الخصوم؛ وليعالج الهدر الواقع حاليا تحت سمعه وبصره وفي جميع الملفات بدل الهروب إلى الدفاتر العتيقة والتي كان شريكا فيها في جميع الأحوال.

وإذا افترضنا جدلا صحة الاتهام لحكومة السنيورة بمسؤوليتها عن إهدار 11 مليار دولار؛ ماذا عن التسعين مليار دولار الباقية التي ينوء تحتها الاقتصاد؟ ومعظمها تراكم بعد العام 2009، أي منذ أن وضع حزب الله يده على الحكومات بعد مؤتمر الدوحة، وخصوصا بعد أن أسقط مع حليفه، التيار الوطني الحر، حكومة سعد الحريري خلال زيارته للبيت الأبيض!

أين ذهبت تلك الأموال؟
أين تذهب الأموال التي تخصص سنويا لوزارة الطاقة والبالغة ملياري دولار سنويا وتسببت بما يقارب الأربعين في المئة من عجز الموازنة؟ دون أن تتحسن التغذية الكهربائية بل العكس! ألا يجمع الخبراء أن السبب الأساسي للعجز والذي يهدد بانهيار الدولة هو ملف الكهرباء؟

تقدمت وزارة الطاقة بطلب سلفة خزينة لمؤسسة كهرباء لبنان وقدرها أكثر من 2700 مليار ليرة أي نحو مليار و800 مليون دولار، (أقر المجلس منها سلفة بقيمة 794 مليار ليرة من أجل المحروقات) بانتظار خطة الوزيرة. ويبدو أن طلب السلفة لم يلحظ ضرورة إصلاح قطاع الكهرباء. وعزت المصادر السبب إلى أن وزيرة الطاقة ندى البستاني (التيار الوطني الحر) لا تحبّذ أي ذكر للإصلاح بذريعة أن أي حديث عنه يعني أن أسلافها من الوزراء الذين تعاقبوا منذ 10 سنوات على تسلّم وزارة الطاقة وجميعهم من “التيار الوطني” أخفقوا في إصلاح قطاع الكهرباء وهذا ما ترفضه!”.

يعود إلينا من سوريا زاعما إنقاذنا من براثن الفساد، فيمارس سياسة الكيد والفساد السياسيين أليس الأجدى مكافحة الفساد في هذا الملف؟

وبعد هذه السياسة الهجومية الكيدية التي يمارسها حزب الله والتي نبشت أعمق الغرائز المذهبية نجد جوقتهم الإعلامية تتحول إلى مبشرين علمانيين يقطرون ديمقراطية، فيهاجمون زيارة المفتي لبيت الوسط وتصريحه من هناك دفاعا عن السنيورة واعتباره التعرض له خطا أحمر.

لا شك أن موقف المفتي هذا، والذي نتج عن ضغط الشارع السني المستفَزّ، قد أضعف موقف السنيورة وأكد خلط الدين بالسياسة.

لكن هل يحق للغانية ادعاء العفة! واتهام الغير بالزنى؟

أم أن المقصود، كما تشير الدلائل، إثارة الشوارع ضد بعضها واتخاذها ذريعة تغطي العجز عن محاربة الفساد!

وربما المقصود التهديد بتعطيل مؤتمر سيدر ومفاعيله لمواجهة الضغوط الممارسة عليه!

فبعد تصنيف بريطانيا للحزب كإرهابي ووقف التعامل معه، وربما يلحق بها الاتحاد الأوروبي؛ وبعد الرسائل الصارمة للمبعوث الأميركي والإعلان عن زيارة وزير خارجية أميركا إلى لبنان قريبا؛ يستنتج الحزب أنه يتعرض لهجوم حاد ولعقوبات غير مأمونة. وعليه أن يحتمي بالدولة اللبنانية ويبتزها كي لا يغرق وحده!
بات الشعار إذا: فعلي وعلى أعدائي يا رب!