محمد قواص/ظريف في بيروت: إيران تفقد سوريا…الخروج الإيراني من سوريا مسألة وقت. ما تريد أن تتركه طهران هناك هو النفوذ

43

ظريف في بيروت: إيران تفقد سوريا/الخروج الإيراني من سوريا مسألة وقت. ما تريد أن تتركه طهران هناك هو النفوذ
محمد قواص/ميدل ايست اونلاين/11 شباط/2019

تنقل إيران مراكزها العسكرية من مطار دمشق. تعلن مصادر روسية عن عزم لانتقال هذه المراكز إلى قاعدة “تي فور” في الريف الشرقي لحمص، والتي سبق أن تعرضت لقصف إسرائيلي استهدف مراكز إيرانية داخلها. والمعنى أن طهران تعلن انتقال مراكزها العسكرية من منطقة مكشوفة أمام النيران الإسرائيلية إلى أخرى سبق انكشافها لتلك النيران. والمعنى الآخر أن إيران تستجيب للضغوط الإسرائيلية لإخلاء جنوب سوريا من أي تواجد إيراني، لكنها أيضاً تعيد التموضع داخل سوريا تمهيداً لإخلاء كامل يجري إعداده بدأب واضح.
تكرر موسكو في الأيام الأخيرة أنها ليست حليفة لإيران في سوريا. تقصّد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، التذكير بذلك، فيما تولت منابر روسية أخرى العزف على نفس الإيقاع. سيأتي من روسيا من يجمّل هذا الكلام ويدوّر زواياه، لكن الثابت أن الأمر لم تعد موسكو تواريه او تخجل من الإفصاح عنه. تغضّ روسيا الطرف عن القصف الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سوريا. امتنعت عن تشغيل منظومة صواريخ اس 300 دفاعاً عنها. ويستعد رئيسها فلاديمير بوتين لاستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قريباً. بات رجل الكرملين القوي يعتبر أن انسحاب إيران من سوريا هو الشرط الضروري لتسويق رؤاه للتسوية السورية لدى المجتمع الدولي.
إيران ستغادر سوريا. الأمر مسألة وقت مهما أمعنت منابر طهران في المكابرة. سيكون لتلك المغادرة إخراج وخارطة طريق سيسهر بوتين على أن لا يقدمها مجاناً للعالم الغربي. سيعقد زعيم الكرملين قمته مع نظيريه التركي والإيراني في نفس الوقت الذي ينعقد فيه مؤتمر وارسو المفترض أنه موجه ضد إيران. لا تملك طهران إلا التظلل تحت السقف الروسي. تفقد كل يوم إمكانية التعويل على مظلة أوروبية، خصوصاً أن الافراج عن آلية الدفع الأوروبية لتسهيل التجارة مع إيران، ألحق بعد ساعات بموقف أوروبي جامع يدين برنامج إيران للصواريخ الباليستية كما السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
ستغادر إيران سوريا، أو على الأقل لن يعود لطهران ما كانت تملكه من نفوذ داخل هذا البلد. لا انخراط أممي في التسوية السورية ولا تطبيع عربي للعلاقة الكاملة مع نظام دمشق ولا ضخّ مالي غربي لإعادة الإعمار في هذا البلد قبل تحقيق هذا الإنجاز. لا يعني ذلك أن إيران باتت خارج المعادلة في المنطقة، بل يعني أن شروط إيران الإقليمية باتت متقادمة في الشكل والأسلوب، وأن نظام طهران بات يحتاج، بمتشدديه ومعتدليه، إلى مقاربة أخرى تأخذ بالاعتبار ما طرأ من تبدل على المزاج الدولي حيال “الاستثناء” الإيراني، ليس فقط من قبل الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، ولا من قبل الاتحاد الأوروبي المجمع على إتهام إيران بالوقوف وراء عمليات اغتيال إرهابية جرت على أراضيه، بل حتى من قبل دول حليفة كروسيا والصين، أو دول لطالما اعتمدت على النفط الإيراني وتخلت عنه استجابة لعقوبات واشنطن ضد طهران.
من يراقب زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى العراق منتصف الشهر الماضي وإلى لبنان هذه الأيام، يستدرك التحوّل الجديد في مقاربة طهران لأمر “العواصم التي تسيطر عليها”. لم يعد الجنرال قاسم سليماني واجهة الولي الفقيه الإيراني وطهران في التخاطب مع البلدان الساقطة داخل النفوذ الإيراني، ولم يعد قائد فيلق القدس من يتقدم للدفاع عن نفوذ إيران في المنطقة. لا يعني الأمر إنهاءً لدور، بقدر ما يعني رفعاً من شأن الواجهة التي يقودها الرئيس حسن روحاني على حساب الواجهة التي يديرها الحرس الثوري.
ينقل رجل الدبلوماسية الإيرانية المبتسم إلى بغداد ثم بيروت نسخة جديدة من طبيعة النفوذ الذي تتحرى إيران المحافظة عليه داخل بلدان “الهلال الشيعي” وداخل ممرها نحو البحر المتوسط، الذي يبدو واضحاً أن إرادة دولية سياسية وجيواستراتيجية وعسكرية تعمل على قطعه في سوريا وإضعافه في العراق ومحاصرته في لبنان.
تبدو طهران في زيارة ظريف إلى بيروت أنها تحولت إلى بائعة سجاد طالت حياكته في إيران. يأتي الرجل ليزور البلد الذي أعلن الجنرال سليماني قبل أشهر سقوط برلمانه في يد قوى الممانعة وفوز حزب الله بـ 74 نائبا. يصل إلى بيروت بعد نجاح طهران، وفق تقاطع المعلومات، في تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة لأكثر من 8 أشهر. يحلّ الرجل في العاصمة اللبنانية بعد ساعات على “إطلالة” أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، والتي كان مطلوب منه من خلالها تمهيد الطريق لعرض إيراني لضم لبنان إلى منظومة الدفاع والأمن الإيراني، من خلال الدعوة إلى تسليح الجيش اللبناني بالأسلحة الإيرانية.
يأتي ظريف إلى لبنان ليعيد إبلاغ الأميركيين من بيروت ما سبق أن أعلنه في النجف قبل أسابيع: “ستمضون ونبقى لأننا أهل الأرض”. لا يهمّ أن تكون للولايات المتحدة قواعد وتواجد عسكري داخل العراق، ولا يهم أن ترصد واشنطن برنامجاً تسليحيا قيمته أكثر من مئة مليون دولار للجيش اللبناني، فذلك في عرف إيران تفصيل زائل. بكلمة أخرى فإن طهران ترسل وزير خارجيتها للقيام بحملة علاقات عامة تصدّ بها زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى العراق وتلك التي قام بها مساعده ديفيد هيل إلى بيروت. تودّ طهران أن تدعي أنها الندّ الوحيد للنفوذ الأميركي في بلدان المنطقة.
لم تعد إيران قادرة على الاحتفاظ باحتلالها لأربع عواصم عربية. شوارع إيران تئن من وقع أزمة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. تصرخ شوارع البلد أن “لا غزة لا لبنان روحي فدا إيران”، فيما شوارع العراق سبق أن صدحت “إيران برا برا”. وفيما كان من المفترض على إيران أن تجني ثمار استثمارها الدموي في سوريا، تكتشف طهران أن الجنرال سليماني الذي ذهب إلى روسيا في يوليو 2015 لاستدعاء تدخلها العسكري لمنع سقوط نظام الأسد، إنما “جلب الدب إلى كرمه”، وأن موسكو تقطف بلؤم محصول ما زرعته إيران وميليشياتها الافغانية والعراقية واللبنانية داخل الحقول السورية.
لم تعد إيران قادرة على وضع العراق ولبنان واليمن وسوريا تحت سقف ولاية الفقيه، لكنها ما زالت قادرة على التخريب في هذه الدول. ما زالت قادرة على منع التسوية في اليمن وتقويض نتائج مؤتمر السويد. ما زالت قادرة على تحريك ميليشياتها في العراق ودفع أتباعها هناك للتأثير على حكومة عادل عبد المهدي وضبط خياراته. ما زالت قادرة على ارباك اللبنانيين قبل أيام على الجلسات البرلمانية لمنح الثقة للحكومة بعد أشهر طويلة على منع ولادتها.
مقاربات طهران من خلال ظريف تمثل واجهة صراع بين وجهة عمار تعمل على الدفع بها الدوائر العربية والدولية في شؤون العراق وسوريا ولبنان واليمن، ووجهة دمار تسعى طهران لها في جولات رجل الدبلوماسية الأول في إيران. لا تملك طهران أمر تغيير الوجهات الجديدة. يعلم ظريف أن إيران باتت إحدى الدول التي تتوق لحماية مصالحها في العراق ولم تعد الدولة الوحيدة التي تملك باع الهيمنة المطلق على هذا البلد. يعلم أن أمر اليمن صار خارج نطاق مواهب الحرس الثوري وجنراله الشهير. ويعلم أن قرار خروج بلاده من سوريا لن يقنع اللبنانيين بقبول ما رفضوه سابقا. فإذا ما كانوا مجمعين على رفض سلاح حزب الله الإيراني فلن يسلحوا جيشهم بذلك السلاح. يعرف ظريف ذلك. لا يهمّ، يطرق باب بيروت، ليترك لحزب الله وأمينه العام أمر البناء على ذلك الطرق من أجل ضخّ مزيد من الإرباك في يوميات حكومة ينظر إليها العالم ويتطلع اللبنانيون إلى فعاليتها لإخراجهم من ضيق طالت أثقاله فوق صدورهم.

جولة ظريف: تسويق “العلاقات المميزة” التي اختبرناها سورياً
المدن – لبنان | الإثنين 11/02/2019
استهل وزير الخارجية الإيراني لقاءاته الرسمية في لبنان، بلقائه رئيس الجمهورية ميشال عون، ناقلاً رسالة شفهية من الرئيس الإيراني ضمّنها “تحياته وتمنياته له في التوفيق بقيادة مسيرة لبنان، مجدِّداً الدعوة التي كان وجهها إليه لزيارة الجمهورية الاسلامية الايرانية”. وأشاد ظريف بـ”العلاقات اللبنانية- الإيرانية التي تصب في مصلحة البلدين والشعبين، منوهاً بحكمة الرئيس عون، التي أدت إلى تشكيل حكومة جديدة”.
“العلاقات المميزة”!
من جهته، أعرب ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ عن “امتنانه للدعم الذي يلقاه ​لبنان​ من الجمهورية الإسلامية الإيران​ية في المجالات كافة، انطلاقا من علاقة الصداقة التي تجمع بين البلدين”، مشيراً إلى أن “مسألة النازحين السوريين في لبنان تحتاج إلى معالجة، تأخذ في الاعتبار ضرورة عودتهم الآمنة إلى المناطق السورية المستقرة، لاسيما أن تداعيات هذا النزوح كانت كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في لبنان”، معتبراً ان “لإيران دوراً في المساعدة على تحقيق هذه العودة”.
ولفت الرئيس عون إلى أن “​الحكومة​ اللبنانية ​الجديدة​ سوف تولي ملف النازحين أهمية خاصة، لاسيما مع تعيين وزير لمتابعته”. وشكر ظريف على “الاستعداد الذي أبدته بلاده لمساعدة لبنان في المجالات كافة”، وحمّله تحياته إلى الرئيس الإيراني ​حسن روحاني،​ وتهنئته لمناسبة الذكرى الأربعين لقيام الثورة الإيرانية.
ومن بعبدا، انتقل ظريف إلى عين التينة، حيث التقى الرئيس نبيه بري، مؤكداً أن “إيران تولي أهمية بالغة لتعزيز العلاقات الثنائية مع ​لبنان.​ وتعتبر ان الإنجاز ب​تشكيل الحكومة​ هو بمثابة إنجاز وطني لبناني كبير”. وقال: “أبلغت ​الرئيسين ميشال عون​ ونبيه بري أن إيران لديها الاستعداد الدائم للتعاون مع لبنان، في كافة المجالات الحيوية. وهذا يأتي ضمن المصلحة الوطنية للبلدين”، مؤكدا أن “هذه العلاقات المميزة تخدم الشعبين ولا ترتد سلباً على أحد”.
ديموقراطية وحرية!
وفي وزارة الخارجية، بعد لقائه باسيل، لفت ظريف​ إلى أن “هذه الزيارة تتم إلى بلد صديق، ولبنان​ بدوره هو نموذج يحتذى به في الديموقراطية والحرية”، مهنئا ​الدولة اللبنانية​ على تشكيل ​الحكومة​”. وأضاف “نحن على ثقة بأن الحكومة الجديدة ستكون معبراً للنهوض بلبنان، على مختلف المستويات. وإيران ستبقى إلى جانب الشعب اللبناني. ونحن على اتمّ الاستعداد لمدّ يد التعاون للدولة اللبنانية في كافة الأطر التي يراها لبنان مناسبة”.
وأشار إلى “نعتز في ايران أننا كنا وسنبقى إلى جانب الشعب اللبناني الشقيق”، مؤكداً “نثمن عالياً الموقف اللبناني بما يخص مؤتمر وارسو”، لافتاً إلى أن “هناك الكثير من الأطر والمجالات لتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، إن كان في المجالات الاقتصادية أو المجالات الحيوية. وهذا الأمر يتيح مشاركة وتضافر الجهود بين القطاعين الخاص والعام، في لبنان وإيران”.
وأضاف: “علينا أن نعمل لتأمين العودة السريعة والآمنة، في آن، للنازحين إلى وطنهم”، مشيراً إلى “إننا نؤكد على الكلام الدقيق والقيّم لباسيل، حول آخر التطورات المتعلقة بالأزمة السورية. ونعمل على مساعدة لبنان في إنهاء أزمة النازحين”، مؤكداً أنه “لدينا ملء الثقة أن الحكومة والمرجعيات السياسية اللبنانية تستطيع أن تتدارس الأمور، وتتخذ القرارات الصائبة والحكيمة، والتي تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية”.
وعن ملف نزار زكا، أوضح ظريف: “هناك فصل للسلطات في الجمهورية الإيرانية واستقلالية تامة للسلطة القضائية في ايران. ولكننا نقوم بقدر الإمكان بالجهود اللازمة لحلّ الأمر تحت بند الملف الانساني”. وأكد أن “هناك نقطة أساسية لا بد من التأكيد عليها انه ليس هناك من قانون دولي يحظّر على لبنان وايران من الانفتاح والتلاقي والتعاون”.
“ثورة” باسيل!
أما باسيل فقال: “تحدثنا حول كيفية قيام ​الحكومة​ بالإنجازات، وعلى رأسها الثورة على ​الفساد”. وأوضح باسيل “ناقشنا أمورا تخص البلدين، والتحديات التي تجمعنا، وبالأخص الأزمة السورية، ومسار ​أستانا​ وقمة سوتشي المرتقبة الخميس المقبل، ووجوب الإسراع بالحل السياسي”، مشيراً إلى “نعتبر أن مسار استانا يحقق أهدافاً كبيرة ل​سوريا​، وللاستقرار في الداخل السوري، والمزيد من المصالحات التي تفيد سوريا وتفيد ​لبنان،​ من ناحية الاستقرار على حدوده، وتهيئة الجو اللازم لعودة النازحين”.
وكشف باسيل: “بحثنا بعض الأفكار وضرورة التنسيق المشترك، لوضع خطة بيننا ومع الدولة السورية والمبادرة الروسية”، مشيراً إلى أن “سوريا بمعظمها أصبحت آمنة، والنازحين لديهم النية للعودة. ويجب أن نقوم بما يلزم، لتشجيع النازحين على العودة إلى سوريا”. وأكد أن “إيران تقف إلى جانبنا بالكامل”، معتبراً أن “إبقاء النازحين السوريين فيه تفكيك لسوريا ولبنان، وإنهاء لدور لبنان الريادي ولرسالته المعروفة”.
ولفت إلى البحث بموضوع مؤتمر وارسو: “طرحنا أسباب غيابنا عن المؤتمر. وهو لسببين، الأول، حضور إسرائيل. وثانياً، الوجهة المعطاة له. ونحن ننأى بنفسنا. ويمكننا أن نكون بأي محور جامع”. وبموضوع نزار زكا، أشار باسيل إلى “أننا ذكرنا بموضوع نزار زكا وطلبنا من الإيرانيين إيجاد المخرج اللازم، خصوصاً أن لبنان لا يجد أي حرج في القيام بأي تعاون اقتصادي مع إيران، طالما هذا يضعنا بالمأمن القانوني اللازم، وطالما ان هذا يصب بمصلحة لبنان، وغير مشروط بأي شرط سياسي. ونحن منفتحون لنجد الأطر اللازمة التي تجنب لبنان أي ارتدادات عكسية”.