اتيان صقر ـ أبو أرز/الوطن الأسطورة

183

الوطن الأسطورة
اتيان صقر ـ أبو أرز/11 شباط/2019

الحديث عن لبنان يبدأ ولا ينتهي، حكايته عمرها من عمر التاريخ، وسردها بكل فصولها يتطلب مجلدات عديدة، لذلك اعتمدنا الإيجاز في مقاربة هذه الحكاية التي تشبه الأساطير في فرادتها وروعتها، وسنسلط الضوء على بعض محطاتها المشرقة التي تكشف النقاب عن عطاءات حضارية مذهلة قدّمها هذا الوطن الصغير على المسرح العالمي الكبير، تاركاً بصماته الواضحة على صفحات التاريخ والتراث الإنساني العالمي.
I ـ الأرض.
١ـ لبنان هو أول أرض حملت إسماً في التاريخ كما يقول المؤرّخ البريطاني أرنولد تونيبي، وأول الأسماء التي حملها كان “أرض إيل” أي أرض الله، وإيل هو إله اللبنانيين منذ أقدم العصور، وهذا الإسم نجده بكثرة في ملاحم أوغاريت ـ رأس شمرا في شمال لبنان.
٢ـ وبحر لبنان كان يسمّى “بحر إيل” أي بحر الله، وحقوله “حقول إيل” أي حقول الله، ومرادفها باللغة الفينيقية “شدوم ـ ايلوم”، ومن هذه الكلمة أطلق الفرنسيون تسميتهم على أجمل بقعة في عاصمتهم “الشان ـ ايليزه” بحسب توينبي.
٣ـ المؤرّخ البيروتي الفينيقي سنخوني ـ أتن الذي عاش في القرن الرابع عشر ق.م، والذي شرح مخطوطاته فيلون الجبيلي، ونقل عنه أوزيب الإغريقي، يقول ان اسم لبنان سابق لاسم فينيقيا بآلاف السنين، ما يعني ان فينيقيا لبنانية وليس العكس، وإننا لبنانيون قبل ان نكون فينيقيين.
٤ـ عُرف لبنان أيضاً بإسم كنعان، وكنعان أول من سمّى نفسه “فينيكس”، وفينيكس إتخذ لنفسه شعاراً هو النسر الذي كان رمز القيامة من الموت في الطقوس الفينيقية، ومن كنعان ـ فينيكس إشتق الفينيقيون إسمهم حوالي الألف الثالث ق.م.
٥ـ بينما بعض المؤرخين يعتقدون ان اسم فينيكس يعني اللون الأحمر باللغة اليونانية القديمة، وقد اطلق اليونانيون هذا الإسم على اللبنانيين نسبةً للون الأرجوان الذي استخرجوه من صدفة الموريكس واستعملوه في صباغة ثيابهم وأشرعة سفنهم.
٦ـ وبحسب المؤرخين ديودور و هيرودوت كان لبنان يعرف أيضا بجبل الطيوب حيث كانت تنتشر رائحة أطيابه على طول الشاطىء اللبناني، لذلك جاء في نشيد الأناشيد للملك سليمان: “رائحة ملابسكِ يا حبيبتي عطره كلبنان”، فتجيبه، وأنت يا حبيبي بهيٌّ كلبنان.
٧ـ وعرف لبنان أيضاً بأرض اللبن والعسل، إذ كانت أرضه تدعى أرض البحبوحة التي “يجري فيها اللبن والعسل أنهاراً”، ولا يزال حتى اليوم في لبنان نبعان يحملان إسمي نبع اللبن ونبع العسل.
٨ـ ويرى بعض الباحثين ان اسم لبنان مشتق من كلمة لبن التي تعني اللون الأبيض باللغة العبرية، نسبةَ للثلوج التي تكلّل قمم جباله طوال أيام السنة.
٩ـ يختصر جواد بولس تعريف جغرافية لبنان بأنها حلف بين الجبل والساحل، وقد يكون هذا الحلف هو السّر في ديمومة هذا البلد وشعبه على مَرّ العصور، فالجبل هو الذي تولّى حمايته من الغزاة والطامعين به، والساحل فتح له واسعاً آفاق البحر الذي بنى عليه أمجاده ومستعمراته ومغامراته الأسطورية التي أكسبته شهرة عالمية في فنون الملاحة والتبادل التجاري، وأغدقت عليه ثروات طائلة.
١٠ـ هذا الحلف وهب الإنسان اللبناني خصائص مميّزة ومتلازمة في شخصيته. فالجبل وهبه روح الصلابة والصمود والتحدّي والقدرة على تحمّل شظف العيش وعُشق الحرية والتشبث بالأرض والدفاع عنها حتى الإستشهاد.
١١ـ والساحل وهبه روح الإنفتاح والمغامرة والطموح والبراعة في فنون الملاحة التي مكّنته من الدوران حول الكرة الأرضية بحراً، واكتشاف أميركا قبل كريستوف كولومبوس بآلاف السنين كما سنرى لاحقاً.
١٢ـ أما سهل البقاع الواسع والخصب الواقع بين السلسلتين الجبليتين الغربية والشرقية، فقد وهب أهله روح الكرم والسخاء، واتقان فنون الزراعة على أنواعها، حتى قيل عنه في زمن الرومان انه كان يغذّي ذات يوم إهراءات روما بالقمح.
١٣ـ جغرافية لبنان كناية عن كتلة جبلية مستطيلة واحدة ومتراصة، تحدّها الصحراء من الشرق (بادية الشام)، والبحر الأبيض المتوسط من الغرب، ولها ساحل ضيّق نسبياً يمتد على ضفاف هذا البحر من النهر الكبير شمالاً إلى الناقورا جنوباً بطول ٢٢٥ كلم تقريباً.
١٤ـ وهذه الكتلة الجبلية تتألف من سلسلتين جبليتين متوازيتين كما أشرنا أعلاه.
الأولى، السلسلة الغربية وتمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب من دون انقطاع، وعلى سفوحها المطلة على البحر تنتشر معظم البلدات والقرى اللبنانية، ما يعني ان وجهة لبنان التاريخية هي البحر الذي كان عِبرَ التاريخ وما يزال الرئة التي يتنفس منها.
الثانية، السلسلة الشرقية، وتمتد هي الأخرى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن دون انقطاع، وتفصل لبنان عن الصحراء العربية، وتنتهي سفوحها عند بادية الشام شرقاً.
١٥ـ هاتان السلسلتان الجبليتان اللتان تفصلان لبنان عن الصحراء العربية فصلاً تاماً ومحكماً، قد اعتبرهما الدكتور فؤاد افرام البستاني بمثابة “خطّي الدفاع” الذين شكّلا حاجزاً طبيعياً ومنيعاً في وجه الغزوات الصحراوية التي توالت عليه عبر الأزمنة، وما تزال حتى اليوم.
١٦ـ وبالعودة إلى هذا الحلف بين الجبل والساحل، نعتقد انه كان عاملاً أساسياً في تأسيس وازدهار الممالك الفينيقية العظيمة:
ـ مملكة صور كانت تمتد من الساحل صعوداً إلى جبال الجليل.
ـ مملكة صيدا كانت تمتد من الساحل صعوداً إلى جبال جزين.
ـ مملكة جبيل كانت تمتد هي الأخرى من الساحل صعوداً إلى جبال أفقا ـ العاقورة.
وكانت تفصل بين هذه الممالك مجاري الأنهر التي كانت تنساب من سفوح الجبال إلى البحر.
١٧ـ اما طرابلس فكانت العاصمة “الفيديرالية” لتلك الممالك التي كانت تجتمع فيها دورياً للتنسيق في ما بينها، وعلى هذا الأساس أطلقوا عليها إسم Tri – Poli، وهذا يعني ان نزعة التوحد في دولة واحدة وقومية واحدة كانت تراود الشعب اللبناني منذ أقدم العصور.
١٨ـ وهذا الحلف قد يكون أيضاً وراء ظاهرة امتلاك معظم اللبنانيين منزلين، واحد في الساحل للسكن الشتوي، والثاني في الجبل للسكن الصيفي، وهذه ظاهرة قد تكون فريدة في قِدمها ونوعها.
١٩ـ والظاهرة الأخرى لهذا الحلف هي إمكانية ممارسة السباحة في البحر والتزلج على الثلج في غضون نصف ساعة تقريباً، نظراً لقرب المسافة بين الساحل والجبل، وهي ايضاً ظاهرة فريدة في العالم.
٢٠ـ وبما ان التاريخ إبن الجغرافيا كما يقول جواد بولس، وان الإنسان هو إبن الأرض، فقد طبع حلف الجبل والبحر الشعب اللبناني بطابع خاص يتمثل في الجمع بين اتقان فنون القتال في زمن الحرب، وفنون التعامل التجاري في زمن السِلم.
II ـ الشعب.
٢١ـ إذا كان لبنان أول أرض حملت إسماً بحسب أرنولد توينبي، فهو أيضاً أول أرض سكنها شعب بحسب المؤرخ نفسه، والدلائل على ذلك نماذج الصوان والهياكل العظمية من نوع ال Homo – Sapians أي الإنسان العاقل التي عثر عليها في برج كناريت ـ عدلون الأب زيموفن في القرن التاسع عشر ميلادي.
٢٢ـ وعندما جاء الأب فرنكلن ايوينغ مع فريق عمله وتابع التنقيب، عثر على هيكل عائد لولد سمّاه “أغبرت”، وقد حدّد عمر الطبقة التي كان مدفوناً فيها بِ ٤٤ ألف و٦٠٠ سنة ق.م.، أي أقدم هيكل إنسان عاقل وجد في التاريخ البشري. اما الأب مارتان اليسوعي فذهب في بحثه إلى القول بأن قصة آدم وحوّاء وجنّة عدن جرت أحداثها في بلدة إهدن في شمال لبنان وليس في عدن اليمنية، وان سفينة نوح رست على سلسلة الجبال الشرقية اللبنانية وليس على جبال أرارات الأرمنية.
٢٣ـ بينما المؤرخة مَيْ المُرّ فتؤكد ان الهياكل العظمية التي عثر عليها في الزهراني وانطلياس تعود إلى حوالي ٧٠٠ ألف سنة ق.م.، ما يعني ان أول إنسان عاقل “أوموسابيانس” بدأ يعي نفسه ويستعمل عقله ويفكّر هو الإنسان اللبناني، وذلك بحسب الدراسات العلمية التي أجريت على الجماجم العائدة لتلك الهياكل العظمية.
٢٤ـ من هنا استلهم سعيد عقل قصيدته الشهيرة “لي صخرةٌ” التي غنتها فيروز، وفيها يقول: هنا على شاطىءٍ أو فوق عند ربي / تفتّح الفكر قلت الفكر نيسانُ.
٢٥ـ ان هذه الإكتشافات العلمية تدحض إدعاءات المؤرخين الذين ادعوا ان الشعب اللبناني جاء من الخارج، تارةً من الجزيرة العربية وتارةً من بلاد ما بين النهرين، أو من أماكن أخرى وكأن أرض لبنان كانت فارغة من السكان وجاءَت إليها شعوب من الخارج لتملأ هذا الفراغ.
٢٦ـ ويؤكد المؤرخون ان اسم لبنان لم يتغيّر ولم يتبدّل منذ تكوينه بالرغم من تعاقب الغزوات على أرضه، فالأشوريون عرفوه بإسم “لبنانو”، والعبرانيون بإسم “لبنانون”، واليونانيون والرومانيون بإسم “ليبانوس”، والعرب بإسم لُبنان بضمّ اللام.
٢٧ـ هذا الكلام يؤكد العقيدة القائلة بلبنانية لبنان، وبرفض نعت هويته بأي نعوت خارجية، ويدحض ادعاء القائلين بعروبة لبنان.
٢٨ـ وفي هذا السياق نذكّر العروبيين وكل من يحاول تزوير الهوية اللبنانية بأن الإحتلال العثماني الذي دام ٤٠٠ سنة وكان الأطول والأقسى في تاريخنا، عجز عن طمس هوية لبنان أو تحريفها أو تغييرها، فرحل هو وبقيت هي.
٢٩ـ والخطير في الأمر ان تزوير هوية لبنان من لبنانية إلى عربية اصبح اليوم مُشرّعاً في دستور الطائف، ما يحتّم على الشرفاء في هذا البلد أن يسعوا جاهدين لتعديل الدستور وتصحيح هذا الخطأ التاريخي بأسرع ما يمكن ومهما كلّف الأمر… وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى ان لبنان هو البلد الوحيد في هذه المنطقة الذي لا يوجد على أرضه صحراء أو بَدو رحّل.
٣٠ـ وبما ان الإنسان هو إبن الأرض، وتبعاً لجدلية الإنسان والأرض والتفاعل بينهما، وبما ان البيئة الجغرافية التي يعيش عليها هذا الإنسان وعاش عليها آباؤه وأجداده من قبله لها التأثير الأكبر على طبيعته وطبائعه، لذلك يأتي الإنسان اللبناني مثلاً مختلفاً عن الإنسان الإفريقي أو الأسكندنيافي أو الصحراوي في شكله ولون بشرته وعاداته وتقاليده وخصائصه.
٣١ـ ولأن التاريخ إبن الجغرافيا (جواد بولس)، فإن الشعب الذي يعيش في بيئة جغرافية معيّنة يكوّن مع الوقت ومرور الزمن قوميته الخاصة وتاريخه الخاص مع كل ما يحتويه هذا التاريخ من تراث وتقاليد وخصائص تميّزه عن غيره من الشعوب، وهذا يعني ان الشعب اللبناني قد كوّن عبر تاريخه الطويل قومية خاصة به هي القومية اللبنانية.
٣٢ـ غير ان هذا لا يعني ان هناك أمّة أو قومية صافية العرق على وجه الأرض، إذ ان الحروب والفتوحات والنزوحات البشرية لم تبقِ على أعراق صافية، بل أضافت إلى الشعوب الأصلية مجموعات أخرى غريبة عنها امتزجت بها وانصهرت فأصبحت مع الوقت جزءاً لا يتجزّأ من قوميتها، وراحت تشكل معها تاريخاً مشتركاً.
٣٣ـ والمثل الساطع على ذلك هو القومية الأميركية التي نشأت في الولايات المتحدة حديثاً بفعل المزيج الذي حصل بين شعوب متنوعة الأصول والأعراف، تلاقت في ما بينها وانصهرت، فكوّنت خلال ٣٠٠ سنة أمّةً عظيمة تمثل النموذج الحديث لنشؤ الأمم.
٣٤ـ وهذا النموذج يثبت أيضاً ان التلاقح بين الشعوب أو المجموعات الغريبة هو مصدر غنى حضاري للأمم عكس ما يعتقد البعض، وان الفترة الزمنية المطلوبة للإنصهار الكامل تتراوح ما بين ستة إلى سبعة أجيال، أي حوالي ٢٠٠ سنة.
٣٥ـ ولكي لا نذهب بعيداً نشير إلى ان الأمير فخر الدين المعني الكبير الذي أسّس دولة لبنان الحديث ومدّ سلطانها من حلب إلى ما بعد عكّا، هو سليل قبيلة بني معن العربية التي لجأت إلى جبال لبنان في حوالي القرن العاشر ميلادي هرباً من الإضطهاد الذي مارسه الفاطميون على الطائفة الدرزية، فانصهرت في تلك الجبال مع الشعب اللبناني وأصبحت مع الزمن ركناً أساسياً من أركان الأمّة اللبنانية. وعلى هذا الأساس يحلو للبعض القول بأن لبنان هو نتاج تحالف ماروني ـ درزي، وان وحدة لبنان من وحدة الجبل، بينما الحقيقة والتاريخ يقولان بأن الأمّة اللبنانية ضاربة في عمق التاريخ قبل ظهور المسيحية والإسلام.
٣٦ـ وتجدر الإشارة هنا إلى ان هذا الأمير الكبير كان حريصاً جدّاً على هوية لبنان اللبنانية، حيث انه رفض عرضاً من السلطنة العثمانية يمنحه لقب أمير عربستان، فرفض وأصرّ على لقب أمير لبنان، لا بل كان يوقّع على مراسلاته بإسم أمير فينيقيا.
٣٧ـ أدرك فخر الدّين (١٥٩١ ـ ١٦٣٥) أهمية وحدة الجبل الممتد من جزّين إلى الأرز مقدّمة لتوحيد لبنان، فنجح في ضمّ جيش المردة إلى جيشه، الأمر الذي مكّنه من الإنتصار الساحق على جيش والي الشام ودحره في واقعة عنجر الشهيرة، ما أتاح له توسيع حدود لبنان، والإستقلال عن السلطنة العثمانية، وإعلان لبنان الكبير.
٣٨ـ هذا يؤكّد ما سبق وقلناه عن أهمية الجبل في الدفاع عن لبنان، وان قوة لبنان من قوة الجبل، ولو أدرك أهل الجبل هذه المعادلة الذهبية لما تصرّفوا على نحو مخزي ومدمّر وغير مسؤول في الأعوام ١٨٤٠ و ١٨٦٠ و ١٩٨٣.
٣٩ـ وعلى ذكر المردة والجبل، لا بُدّ من تصحيح الخطأ الشائع الذي يفترض أن الموارنة جاؤوا من سوريا، وكأن الجبل كان هو أيضاً فارغاً وجاء من يملأه.
٤٠ـ بينما الحقيقة هي ان أهل الجبل ظلوا حتى القرن الخامس ميلادي يعتنقون الديانة الفينيقية ويكرّمون الآلهة إيل وبعل وأدونيس وعشتروت … إلخ، وكانوا يحتفلون في بلاد جبيل مثلاً بقيامة أدونيس من الموت بعد ثلاثة أيام (لاحظ ثلاثة أيام) على مصرعه على يد خنزير برّي بفضل تضرّعات عشتروت إلى الآلهة كما تقول الأسطورة.
٤١ـ وكان نهر أدونيس محور تلك الإحتفالات، وكان الأهالي يحملون المشاعل ويصعدون إلى مغارة أفقا في اليوم الثالث لقيامة الإله أدونيس من الموت وتقديم الشكر إلى الآلهة؛ بينما أهل المدن والبلدات الساحلية اعتنقوا الديانة المسيحية منذ أول نشوئها.
٤٢ـ في القرن الخامس جاء رهبان مار مارون من جبال قورش هرباً من إضطهاد اليعاقبة والنسطوريين وسكنوا في جبّة بشرّي وقرية كفرحي في بلاد البترون، وفي ناحية العاقورة ـ المنيطرة، وراحوا يبشرون الأهالي بالديانة المسيحية.
٤٣ـ وأشهر هؤلاء الرهبان كان الراهب ابراهيم القورشي الذي التفّ حوله أهل الجرد في بلاد جبيل وجوارها نظراً لحكمته وكثرة تقواه؛ وما أن انتهى القرن الخامس حتّى عمّت الديانة المسيحية معظم سكان الجبل، ولقّبوا بالموارنة تيمناً بشفيعهم القديس مارون الذي عاش ومات متنسّكاً في جبال قورس، واستبدلوا إسم نهر أدونيس بإسم نهر إبراهيم تيمناً بالراهب إبراهيم القورشي.
٤٤ـ في منتصف القرن السابع انتخب مار يوحنا مارون بطريركاً على لبنان، فبادر إلى تنظيم صفوف الموارنة على كافة الصعد الوطنية والكنسية والإجتماعية والعسكرية، فتحوّل الجبل إلى حصنٍ منيع في وجه الغزاة والفاتحين، وأهمها الفتح العربي الذي احتل الساحل اللبناني وعجز عن احتلال الجبل بينما كانت جيوشه تدق أبواب أوروبا، ويقال ان العرب عقدوا معاهدة صلح مع المردة بعد ان دفعوا لهم جزيةً هي كناية عن خيول عربية وعدد من أكياس الذهب.
٤٥ـ إشتهر البطاركة الموارنة يومذاك بالتقوى والقداسة والتقشف والزهد والتفاني في حب الوطن، فقيل فيهم” عصيّهم من خشب وقلوبهم من ذهب”. وفي زمن الحرب كان البطريرك يطلق النفير ويستدعي المقدّمين من كافة مناطق الجبل مع فرسانهم، وكان عددهم يصل إلى حوالي ٢٠ ألف مقاتل، وأحياناً كان يحلو لبعض البطاركة أن يسيروا على رأس الجيش حاملين عصيّهم المصنوعة من خشب السنديان. وهكذا حافظوا على حرّية لبنان واستقلاله فاستحقوا عن جدارة مقولة “مجد لبنان أعطي له”.
٤٦ـ قلنا آنفاً ان أهل الساحل اللبناني هم أول من اعتنق الديانة المسيحية في بدء نشوئها، وهذا يعود إلى أسباب رئيسية ثلاثة:
٤٧ـ الأول، الزيارات التي قام بها السيّد المسيح إلى لبنان دون غيره من البلدان، حيث صنع عدداً من المعجزات، أوّلها وأهمها معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل في جنوب لبنان، وأهميتها تكمن في انه صنعها قبل أن يحين وقت التبشير الإلهي لأن والدته طلبت منه ذلك وأصرّت، “لم تأتي ساعتي بعد” قالها لأمه، ثم عاد وأذعن لإرادتها، وبعد أن تمّت المعجزة “آمن به تلامذته” يقول الإنجيل، وهذا يعني انه جاء إلى لبنان وإسمه يسوع، وعلى أرضنا صار إسمه المسيح. (سعيد عقل)
٤٨ـ الثاني، زيارات الرسل الأوائل إلى لبنان وهم في طريقهم إلى بلاد اليونان عبر مرافىء صور وصيدا وجبيل، وحملات التبشير التي قاموا بها بين اللبنانيين، سيّما وانهم بغالبيتهم كانوا من أبناء الجليل.
٤٩ـ الثالث، التشابه الكبير بين الديانتين الفينيقية والمسيحية، حتى اعتبر بعض اللاهوتيين ان الديانة الفينيقية كانت تمهيداً للديانة المسيحية، أي Pre – Christianisme وأهم أوجه الشبه هي التالية:
١ـ إله الفينيقيين إيل هو الوحيد بين آلهة الشعوب الوثنية القديمة الذي نادى بالمحبة ودعا الناس إلى السلام يوم كانت الحروب والغزوات لغة التخاطب بين البشر. واستناداً للمخطوطات التي عثر عليها في أوغاريت، يقول الإله إيل لشعبه: “إزرعوا المحبة في كبد الأرض، وانشروا السلام بين الناس”، عِلماً ان هذا الكلام قيل قبل آلاف السنين قبل مجيء المسيح. ولهذا السبب كانت حروب اللبنانيين دائماً دفاعية وداخل حدود البلاد، ولم ينخرطوا يوماً كغيرهم في غزو أو سطو على أوطان الآخرين.
٢ـ إيمان الفينيقيين بالحياة بعد الموت كما في أسطورة أدونيس وقيامته من الموت بعد ثلاثة أيام كما ذكرنا سابقاً، وهذا ما يتطابق مع جوهر العقيدة المسيحية.
٣ـ كل الشعوب القديمة كانت تكرّم آلهتها عن طريق تقدمة الذبائح الحيوانية كالعجول والتيوس وغيرها، ما عدا الشعب الفينيقي الذي كان يعتمد تقدمة الخبز والخمر، وهذا بالضبط ما فعله المسيح في العشاء السرّي عندما قدّس الخبز والخمر وأوصى تلاميذه باعتماد هذا التقليد الفينيقي في تقديم الذبيحة الإلهية والذي ما زال مستمرّاً إلى اليوم في القداديس والكنائس المسيحية.
٤ـ قبل أن يسلّم الروح وهو على خشبة الصليب رفع عينيه إلى السماء ونادى أباه قائلاً: “ايلي ايلي لما شبقتني”، أي إلهي إلهي لماذا تركتني مستعيراً إله الفينيقيين لينادي به أباه دون غيره من الآلهة بما فيهم يهوه إله اليهود.
٥ـ أوَ ليس إسم المسيح أساساً هو عمانو ـ إيل أي الله معنا؟؟
III ـ التراث.
٥٠ـ الحضارة اللبنانية القديمة وصلت إلى ذروة مجدها في الحقبة الفينيقية الممتدّة من القرن الثاني عشر ق.م. إلى القرن الثالث ق.م. على وجه التقريب، وخلالها برزت كوكبة من العلماء والشعراء والفلاسفة الذين ساهموا إلى حدٍّ كبير في بناء الحضارة العالمية، لا بل كانوا ركيزتها الأساسية كما سنرى لاحقاً.
٥١ـ حوالي الألف الثاني ق.م. اخترع أجدادنا الحروف الأبجدية اللفظية عندما كانت بقية الشعوب تستعمل الحروف التصويرية، وهذه الأبجدية غيّرت وجه العالم إذ بفضلها أصبح البشر قادرين على التواصل في ما بينهم والتعبير عن أفكارهم من خلال ٢٢ حرفاً فقط؛ وسرعان ما انتقلت هذه الأبجدية إلى بلاد اليونان عن طريق قدموس وأخوته ومنها إلى العالم، وما زالت إلى اليوم تستعملها معظم شعوب الأرض وتسمّيها زوراً الأحرف اللاتينية.
٥٢ـ ذهب قدموس وأخوته إلى جزر اليونان للبحث عن شقيقتهم “أوروبا” التي خطفها “زوس” كبير آلهة اليونان وجاء بها إلى جزيرة كريت ونصّبها ملكة عليها وأطلق إسمها على القارة التي تحمل اليوم إسم أوروبا، وكان ذلك حوالي العام ١٥٠٠ ق.م.
٥٣ـ زار قدموس وأخوته عدة جزر يونانية، ولما لم يعثروا على شقيقتهم خافوا أن يعودوا إلى والدهم “أجنور” ملك صور، فقرروا البقاء هناك، واستقرّ كل منهم في جزيرة حملت إسمهم وتولّوا الحكم عليها، والأخوة هم سيليكس Cilix، وتاسوس Thasus وفينيكس، أما قدموس فاستقر في جزيرة تيباس Thebes وأصبح ملكاً عليها.
٥٤ـ مع قدموس وأخوته راحت الحضارة الفينيقية تغزو بلاد الإغريق بدءاً بالأبجدية والنظام الديموقراطي وكافة فنون الآداب والشِعر والعلوم والفلسفة، وانتهاءً بفنون الملاحة والتبادل التجاري بين الشعوب، فكانت هذه الحملة الفينيقية ـ القدموسية الحافز الرئيسي في انطلاق الحضارة اليونانية.
٥٥ـ على ضفاف البحر المتوسط بنى أجدادنا إمبراطورية عظيمة دامت حوالي ٥٠٠ سنة قامت على نشر العِلم والمعرفة وفنون الكتابة والتجارة…إلخ، وليس بحدّ السيف كما سائر الإمبراطوريات، ما يؤكّد مرّة جديدة ان شعبنا منذ أن وُجد يكره العنف والحروب بطبيعته لأنه صاحب رسالة حضارية وإنسانية بامتياز.
٥٦ـ لقد وصلت سفن هذه الإمبراطورية إلى شواطىء أميركا الجنوبية والشمالية مروراً بأفريقيا وأوروبا، ما يعني ان الفينيقيين اكتشفوا القارة الأميركية قبل كريستوف كولومبوس بمئات السنين، ونقلت معها تلك السفن الحضارة الفينيقية إلى شعوب العالم بدءاً بالشعب الإغريقي الذي نقلها إلى روما ومنها إلى بلاد الغرب.
٥٧ـ يذكر المؤرخ أنظوان الخوري حرب في كتابه “إسم لبنان عِبرَ العصور” ان علماء الآثار وجدوا في العام ١٨٧٢ ميلادي على صخرة في البرازيل في ولاية باراهيبا Parahiba كتابات محفورة باللغة الفينيقية تقول ما يلي: وصلنا إلى هنا ١٢ رَجُلاً وثلاث نساء على أيام ملكنا حيرام ونطلب من الآلهة أن تساعدنا”، عِلماً ان حيرام ملك على صور من العام ٩٨٠ إلى العام ٩١٧ ق.م. تقريباً حسب التوراة.
٥٨ـ وعلى ذكر روما يؤكّد المؤرخون ان بيروت كانت مركزاً لأقدم وأعرق مدرسة حقوق في العالم، وكان يرتادها نبلاء الإمبراطورية الرومانية، وتخرّج منها كبار المشرّعين ممن وضعوا القانون الروماني الشهير The Roman Code، ومن أبرزهم أولمبيانوس وبابينيانوس وكلاهما من أصول فينيقية؛ وعليه سمّيت بيروت أمّ الشرائع.
٥٩ـ إعتمدت الممالك الفينيقية في صيدا وصور وجبيل النظام الديموقراطي أي حكم الشعب بالشعب، ومارسته بشفافية عالية على غرار ما تفعله اليوم أرقى الدول.
٦٠ـ كانت السلطة تتألف في المدن الفينيقية من مجلسين وحكومة، مجلس النواب كان ينتخب من الشعب، ومجلس الشيوخ كان يضم النخب الثقافية والأدبية والأعيان.
٦١ـ كانت الحكومة تحكم بثقة المجلسين، وتستقيل إذا سحب أحد المجلسين منها الثقة، اما إذا سحب المجلسان منها الثقة فكانت تذهب إلى الإعدام. وقد ترك المشرّعون هامشاً للرحمة حيث منحوا الكاهن الأعظم حق حجب الدم (سعيد عقل).
٦٢ـ وعندما اعتمد اليونانيون نظام الحكم الفينيقي الذي نقله إليهم قدموس واخوته، نسبوه إليهم كعادتهم وأطلقوا عليه تسمية Demos – Kratos، أي حكم الشعب أو سلطة الشعب، وعن اليونانيين أخذ الرومان نظام الحكم الديموقراطي، ومنهم انطلق إلى عالم الغرب، ويعني ان الديموقراطية هي اختراع فينيقي كالأبجدية، وان هذين الإختراعين قد خدما الحضارة الإنسانية كما لا أحد.
٦٣ـ في العام ٨١٤ ق.م. بنى الفينيقيون إمبراطورية ثانية حملت إسم قرطاجة أي Qart – Hadast أي المدينة الجديدة، أسستها إبنة ملك صور اليسار أو أليسا أو ديدون، فنَمَت وتوسعت وتعاظم شأنها، فسيطرت على ساحل افريقيا الشمالية، وامتدّت في عهد هملقار برقة وإبنه هنيبعل الكبير حتى وصلت إلى قرطاجنة أي قرطاجة الجديدة Cartago – Nova التي صار إسمها في ما بعد إسبانيا، ومن هناك انطلق هنيبعل في حملته العسكرية الشهيرة على الإمبراطورية الرومانية مروراً ببلاد الغال (فرنسا اليوم) وصعوداً إلى جبال الألب وصولاً إلى إيطاليا، وقد عرفت هذه الحرب باسم الحرب الفونية أي الفينيقية.
٦٤ـ احتل هنيبعل شمال إيطاليا ثم أجزاءً كبيرة منها بعد ان هزم الجيش الروماني في أكثر من موقعة، أهمها موقعة “كاناي” أو كان التي سحق فيها جيش العدو وقتل منه حوالي ٧٠ ألفاً وأسر عدّة آلاف، ثم وصل إلى ضواحي روما وحاصرها ١٥ سنة قبل أن يخسر معركة زاما ويعود أدراجه إلى قرطاجة التي ما لبثت أن سقطت في يد الرومان العام ١٤٦ ق.م. (جورج مصروعة) والسؤال الكبير الذي يطرحه الجميع هو: لماذا امتنع هنيبعل عن دخول روما عندما كانت ساقطة عسكرياً؟؟؟ ولو فعل لكان غيّر وجه التاريخ.
٦٥ـ أكملت قرطاجة الرسالة التي بدأتها صور اي الإمبراطورية الأم، وبخاصة في مجال الملاحة والتجارة وعلوم الزراعة وفنون القتال التي برع فيها هنيبعل والتي ما تزال تدرّس اليوم في أرقى المعاهد العسكرية في العالم باعتباره أحد أشهَر القادة في التاريخ.
٦٦ـ وإذا كانت قرطاجة (تونس اليوم) إبنة فينيقيا، فإن قرطاجنّة (إسبانيا اليوم) هي حفيدتها، لذلك تلاحظ ان اللهجة التي يتكلم بها أهل تونس وجوارها هي قريبة الشبه إلى اللهجة اللبنانية، وإذا ما سألت أهل مدينة فالنسيا Valencia الإسبانية الواقعة على شاطىء البحر المتوسط مباشرة قبالة الشاطىء اللبناني عن أصلهم يجيبك العارفون منهم نحن فينيقيون Somos Phenicos وبالقرب منها توجد مدينة إسمها إلى اليوم قرطاجنة، وليس بعيداً عنها تقع مدينة مرسيليا الفرنسية، وإسمها الأصلي مرسى ـ إيل أي مرفأ الآله التي كانت من أهم المرافىء الفينيقية.
٦٧ـ بنى الفينيقيون العديد من القلاع والصروح والمعابد تكريماً لآلهتهم في مختلف المناطق اللبنانية، وآثارها الباقية إلى اليوم تدل على براعتهم في فنون البناء والنحت والهندسة، وأشهر تلك الصروح على الإطلاق هي قلعة بعلبك ومعابدها الرائعة الجمال.
٦٨ـ من الخطأ الشائع القول بأن قلعة بعلبك هي رومانية، ولنا على ذلك عدّة دلائل نكتفي بثلاثة: الأول، إسمها العائد للآله الفينيقي بعل ملك الشمس، والثاني، القلعة القديمة الموجودة تحت القلعة الحالية بناها أجدادنا قبل العهد الروماني بأكثر من ألفي سنة، ثم قاموا في العام ٢٧ ق.م. ببناء القلعة الحالية فوق القلعة القديمة. الثالث، طريقة البناء والهندسة والشكل والنحت والنقوش كلها فينيقية وتختلف كثيراً عن الهندسة الإغريقية ـ الرومانية.
٦٩ـ اطلق الرومان على معابد بعلبك أسماء آلهتهم جوبيتير وفينوس وباخوس بدل آلهة الفينيقيين بعل وعشتروت وأدون، وذلك بفعل إحتلالهم للمنطقة، فاستنتج المؤرخون ان بناء القلعة تمّ على يد الرومان.
٧٠ـ جميع علماء الآثار الذين عاينوا قلعة بعلبك ودرسوا هندستها وطريقة تشييدها عجزوا عن تفسير السر وراء ضخامة الحجارة التي استعملت في بناء القلعة، والتي يتراوح وزنها من ١٠٠ طن إلى ٣٠٠ طن وصولاً إلى “حجر الحبلى” الذي يزن ١٦١٥ طناً وهو أكبر حجر منحوت موجود على وجه الأرض.
٧١ـ وأكثر ما أدهش هؤلاء العلماء هو الجمع بين ضخامة البناء وجماله في آن معاً، عِلماً ان الضخامة غالباً ما تتم على حساب الجمال، لذلك تفوّقت بعلبك بضخامة بنائها وأناقته على معبد البارثينون Parthenon اليوناني، ومعبد البانثيون Pantheon الروماني.
٧٢ـ أكثر ما حيّر هؤلاء العلماء هو اللغز وراء كيفية نقل تلك الحجارة الأضخم في العالم من مقلعها المجهول حتى الساعة، إلى مكان القلعة، وكيفية رفعها إلى جدران البناء، عِلماً ان التكنولوجيا الحديثة تعجز اليوم عن ذلك وبخاصة حجر “الحبلى” المذكور أعلاه، مما دفع الباحثين وعلى رأسهم العالم الروسي “لاغريست” Lagrest إلى القول ان بُناة بعلبك هم جماعات أتوا من خارج كوكب الأرض وعلّموا أهل بعلبك فنون البناء وقفلوا راجعين إلى كوكبهم.
٧٣ـ خلال حقبة الإزدهار الحضاري الفينيقي لمعت أسماء كبيرة في حقول الشِعر والفلسفة والعلوم وغيرها، وما زالت عطاءاتها الفكرية فاعلة إلى اليوم في الحضارة العالمية، وتشكل الجزء الأكبر من أساساتها.
٧٤ـ من المؤسف القول بأن التراث الفينيقي سُرق بمعظمه ونُسب إلى شعوب أخرى غير الشعب اللبناني، وبخاصة الشعب اليوناني، وهذا يعود إلى سببين رئيسيين: الأول، التلاقح الفكري الكثيف الذي حصل بين الشعب الفينيقي والإغريقي، واستمر لعقود طويلة جعلت الأمور تختلف على الباحثين والمؤرخين وتحول دون التمييز بين الحضارتين. الثاني، إهمال اللبنانيين لتراثهم على مَرّ الأجيال ما جعله سائباً وعرضةً للسرقة والنهب، من دون أن ننسى سوء النوايا عند الكثير من الباحثبن والمؤرخين، وفي ما يلي أهم هؤلاء الأسماء.
٧٥ـ هوميروس، شاعر الشعراء وأعظمهم في التاريخ القديم، وغالبية المراجع تشير إلى انه إغريقي، إلى أن جاء المؤرخ الفرنسي فكتور بيرار (١٨٦٤ ـ ١٨٣١) الذي تخصص في البحث عن حياة وأعمال هذا الشاعر الكبير، وكتب عنه عدّة مؤلفات منها “الفينيقيون والأوديسة” و “الفينيقيون وقصائد هوميروس”، وخلص إلى الإستنتاج بأن هوميروس فينيقي وليس إغريقياً.
٧٦ـ وما يؤكد هذه النظرية هو الغموض الذي اكتنف مكان وتاريخ ولادة هوميروس، فمنهم من حدّد تاريخ ولادته في العام ١٢٠٠ ق.م.، ومنهم الآخر حدّده في العام ٨٠٠ ق.م. في مكان ما من آسيا الصغرى، ما يشير إلى ان الألياذة والأوديسة كتبتا في حقبة إزدهار النهضة الفينيقية وقبل النهضة اليونانية بعدّة سنوات.
٧٧ـ موخوس الصيدوني، ولد حوالي ١٢٠٠ ق.م. في صيدا وهو أول من اكتشف نظرية الذرّة ولُقّب “بأبو الذرّة”، وجزم بأن هذه الذرّة قابلة للإنقسام والتجزئة وأطلق عليها تسميةTomo أو Tomos (المؤرخ سترابون). حوالي العام ٥٠٠ ق.م. أي بعده بسبعماية عاماً ظهر في اليونان عالمان هما لوسيب Leucipp و ديموقريط Democrite فتبنّيا نظرية موخوس واعتبرا ان الذرّة لا تتجزأ وأطلقا عليها تسمية Atomos.
٧٨ـ المضحك المبكي هو ان الذرّة اليوم تجزأت كما جزم موخوس منذ ثلاثة آلاف سنة ولكن إسمها لا يزال غلطاً، ولا بُدّ من تصحيحه بالعودة إلى تسمية موخوس Tomos.
٧٩ـ بيتاغور، فيلسوف وعالم عاش في القرن الخامس ق.م. والده تاجر من صور، ولد في جزيرة ساموس من أم يونانية، تعلّم في مدارس صور وجبيل ومن ثم تخرّج من مدرسة صيدا على يد تلامذة موخوس بحسب الفيلسوف جامبليك.
٨٠ـ طاليس، فيلسوف وعالم ولد حوالي العام ٥٤٧ ق.م. من أبوين فينيقيين بحسب المؤرخ هيرودوت، ويقول أفلاطون عنه انه يتحدّر من سلالة ملك صور أغنور وإبنه قدموس.
٨١ـ اقليدس، فيلسوف وعالم لُقب بِ أبو الجيومتري، ولد في صور حوالي منتصف القرن الرابع ق.م.، وانتقل إلى أثينا ثم إلى الإسكندرية حيث عاش وعلّم فيها.
٨٢ـ زينون، ولد في صور حوالي العام ٣٣٤ق.م.، فيلسوف ومؤسس المدرسة الرواقية Stoicisme، عاش في قبرص واليونان، ومات حوالي العام ٢٦٢ ق.م.
٨٣ـ بورفير Porphyre، ولد في صور في العام ٢٣٤ ميلادي، فيلسوف اشتهر بشجرته التي تشرح الفرق بين النوعيّة والكمّية، وسيادة الأولى على الثانية، مات في العام ٣١٥.
٨٤ـ يقول المؤرخ اليوناني سترابون ما يلي: “كل من يريد أن يتثقّف عليه الذهاب إلى مدارس صور وصيدا”، لذلك نجد ان معظم عمالقة الفكر في الفلسفة والعلوم والشِعر قد تخرجوا من تلك المدارس كما ذكرنا أعلاه.
٨٥ـ قد يعتقد البعض ان هناك مبالغة في ما قلناه عن نسب هؤلاء العمالقة وجذورهم باعتبار ان الإعتقاد السائد في العالم يعتبر انهم يونانيون، غير ان غالبية المراجع التي نستند إليها هي يونانية.
٨٦ـ وعلى هذا الأساس نقترح تشكيل لجنة تضم نخبة من الباحثين والمؤرخين اللبنانيين، تكون مهمتها جمع كل الوثائق والأدلة المتعلقة بهذا الموضوع الوطني الشديد الأهمية، وإرسالها إلى المراجع الدولية المختصة مثل اليونسكو والأنسيكلوبيديا، والويكيبيديا ومحرّك البحث غوغل وغيرها من أجل تصحيح هذا الخطأ التاريخي الفادح، واسترداد حق لبنان في تراثه المنهوب.
٨٧ـ سبق وقلنا ان اللبنانيين لم ينخرطوا في حروب خارجية خلال تاريخهم الطويل، بل حروبهم كانت كلها دفاعاً عن النفس وداخل حدود لبنان، وهذا التقليد القديم يعود إلى طبيعة الشعب اللبناني المحب للسلام والتسامح ونبذ العنف والإنفتاح الحضاري على العالم؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن النفس والوطن يتحوّل اللبنانيون فجأة إلى محاربين أشدّاء يتقنون فنون القتال كما لا أحد. وفي ما يلي بعض المحطات المشرقة والمشرّفة في تاريخنا النضالي والعسكري.
٨٨ـ بعد أن احتل نبوخذ نصّر ملك بابل مدينة القدس في العام ٦٠٥ ق.م. وسبَى أهلها إلى بلاده، جاء إلى صور وحاصرها في محاولةٍ لإخضاعها، ولكنها قاومته طوال ١٣سنة وأرغمته على فكّ الحصار والعودة خائباً إلى بابل بعد أن وقّع معها معاهدة صلح.
٨٩ـ إجتاح أرتحششتا ملك الفرس (٤٦٥ ـ ٤٢٤ ق.م.) المنطقة بجيش جرّار قوامه ٣٣٠ ألف جندي، ولما وصل إلى صيدا قرّر الملك “تينيس” تسليمه المدينة، فرفض الأهالي وقرروا المواجهة، فتولت قيادة الجيش الصيدوني فتاة يافعة إسمها عشتريم، فأمرت بتجنيد كل من هو قادر على حمل السلاح، وبإحراق الأسطول الحربي كي لا يستولي عليه العدو، وأيضاً بإحراق المدينة بمن فيها وما فيها لكي تحرم الغازي نشوة النصر، ثم ذهبت لملاقاته على أرض المعركة.
يقول التاريخ ان عدد الذين قضوا حرقاً في المدينة بلغ حوالي ٤٠ ألفاً، وان ما أقدمت عليه صيدا هو أول وأكبر عملية إنتحار جماعي في التاريخ، ويقول أيضاً ان أرتحششتا اضطر إلى استدعاء المزيد من الحشود العسكرية إلى تلك المعركة.
٩٠ـ بعد أن هزم الإسكندر المقدوني جيوش الفرس واحتل بلادهم ووصل إلى الهند، جاء إلى فينيقيا في طريقه إلى مصر، فخضعت له جميع الممالك ما عدا مملكة صور التي قاومته بشجاعة أسطورية لم يكن يتوقعها، فبقى يتمرّغ تحت أسوارها سبعة أشهر عاجزاً عن اختراقها إلا بعد أن ردم البحر واصلاً صور البرية بصور البحرية، وكان ذلك في العام ٣٣٢ ق.م.
٩١ـ ان الحروب الفونية الثلاث التي نشبت بين روما وقرطاجة والتي أتينا على ذكرها سابقاً، دامت ١١٨ سنة أي من العام ٢٦٤ إلى العام ١٤٦ ق.م.ـ وتُعَدّ أطول حروب تلك الأزمنة. عندما اجتاح هنيبعل إيطاليا واحتلها لمدة ١٥ عاماً، لم يفعل ذلك لأهداف توسعية بل دفاعاً عن النفس تبعاً لمبدأ أفضل دفاع هو الهجوم، وذلك بعد أن تمادت روما في تحدّي قرطاجة ومحاولة إذلالها وإخضاعها. أما لماذا لم يدخل هنيبعل مدينة روما وينهي الحرب لمصلحته، فهذا سرّ لم يكشفه أحد حتى الآن.
٩٢ـ في القرن السابع ميلادي اجتاحت جيوش الفتح العربي بلدان المنطقة برمّتها وبما فيها الساحل اللبناني ووصلت إلى أبواب أوروبا، ولكنها عجزت عن دخول جبل لبنان حيث تصدّى لها جيش المردة وراح يشنّ عليها هجمات متتالية لإجبارها على مغادرة الساحل، ما دفع بالغزاة إلى طلب الهدنة مقابل دفع جزية لأهل الجبل التي كانت كناية عن عدد من أكياس الذهب والخيول العربية (فؤاد افرام البستاني).
٩٣ـ في القرن السادس عشر ميلادي ظهر الأمير فخر الدين المعني الكبيرحاملاً في قلبه حلم التحرّر من الهيمنة العثمانية، وحلم توسيع حدود لبنان، ولبلوغ هذين الهدفين كان عليه أن يوحد الجبل ويكسر والي الشام الذي يشكّل الخطر الدائم على لبنان ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
٩٤ـ نجح فخر الدين في توحيد الجبل وضمّ جيش المردة إلى قواته، وسار على رأس الحملة العسكرية لملاقاة والي الشام، فأدركه في عنجر وهزمه شرّ هزيمة رغم تفاوت العدد، ثم أعلن استقلال لبنان الكبير الممتد من نواحي حلب إلى ما بعد عكّا، الأمر الذي أجبر السلطنة العثمانية على الإعتراف بهذا الواقع الجديد. وعلى هذا الأساس يعتبر فخر الدين مؤسس الدولة اللبنانية الحديثة وباني استقلالها.
٩٥ـ حرص فخر الدّين شديد الحرص على التمسّك بهوية لبنان اللبنانية، فرفض عرضاً من السلطنة العثمانية لمنحه لقب أمير البحر والبرّ أو أمير عربستان، وأصرّ على لقب أمير لبنان، عِلماً انه غالباً ما كان يستعمل لقب أمير فينيقيا للتوقيع على مراسلاته.
كثرت الشائعات حول وفاة الأمير فخر الدّين في المنفى، إلى أن عثرنا في كتاب Lebanon through writer’s eyes في الصفحتين ٨٩ و ١٥٨ على الرواية التالية: طلب فخر الدّين من السلطان مراد الرابع منحه ربع ساعة من الوقت لكي يصلّي قبل إعدامه، فوافق السلطان معتقداً انه سيصلّي على الطريقة العثمانية، فركع الأمير على ركبتيه ورسم على وجهه إشارة الصليب، فصرخ السلطان بالسيّاف قائلاً: “اقتل فوراً هذا الخنزير المسيحي”. وعندما نزعوا ثيابه بعد إعدامه وجدوا صليباً من ذهب معلّقاً على صدره يشبه في شكله صليب اللورين LORRAINE. وإذا صحّت هذه الرواية يكون فخر الدّين قد مات شهيداً مسيحياً.
٩٦ـ في العام ١٩٥٨ حاول جمال عبد الناصر ضمّ لبنان بالقوة إلى الوحدة المصرية ـ السورية التي سمّيت يومذاك “الجمهورية العربية المتحدة”، فقاومه اللبنانيون الأحرار برئاسة كميل شمعون وأعادوه خائباً إلى بلاده، وبعد أشهر قليلة سقطت هذه الوحدة غير المأسوف عليها، وساهمت لاحقاً في سقوط كل محاولات الوحدة بين باقي الدول العربية.
٩٧ـ في العام ١٩٧٥ انطلقت الحرب الفلسطينية على لبنان بزعامة ياسر عرفات تؤازره كافة المنظمات والفصائل الفلسطينية، وعدداً من المنظمات الإرهابية مثل منظمة بدرماينهوف الإلمانية، والجيش الأحمر الياباني، والألوية الحمراء الإيطالية، وكارلوس الإرهابي، وعدد كبير من المرتزقة العرب والأفارقة، إضافة إلى دعم كافة الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام السوري عِبرَ جيش التحرير الفلسطيني ومنظمة الصاعقة… إلخ. وذلك تنفيذاً للمخطط الأميركي الذي أعدّه هنري كيسنجر والقاضي بإعطائه إلى الفلسطينيين وطناً بديلاً عن وطنهم تمهيداً لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
٩٨ـ نجح كيسنجر في الحصول على تأييد معظم الدول العالمية بما فيها الدول “الصديقة” كفرنسا مثلاً، ونجح أيضاً في تأليب اللبنانيين على بعضهم، وتحييد الجيش تمهيداً لإنهياره. أما الإتحاد السوفياتي فكان مرتبطاً بمعاهدات صداقة ودفاع مع ياسر عرفات وحافظ الأسد.
٩٩ـ وبالرغم من كل ذلك، وخلافاً لكل التوقعات والنصائح بعدم المواجهة والتسليم بالأمر الواقع ، وقف اللبنانيون الشرفاء وقفة واحدة، فارتجلوا جيشاً بديلاً معظم أفراده من تلامذة المدارس والجامعات، وراحوا بسلاح فردي وبدائي يتصدّون لهذه الغزوة ـ المؤامرة.
١٠٠ـ لم تمضِ أشهر قليلة حتى انتقل اللبنانيون من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وراحوا يهاجمون المنظمات الفلسطينية في معاقلها أي في مخيماتها التي تحوّلت إلى معسكرات، فبدأت تسقط تباعاً وعلى رأسها معسكر تل الزعتر الشديد التحصين، معلنةً إنتصار المقاومة اللبنانية على هذا المخطط الدولي الجهنمي.
١٠١ـ سمّيت هذه الحقبة بحرب السنتين، وفي أثنائها هاجم الفلسطينيون عدّة بلدات وقرى مسيحية نائية في عكار وشكّا والدامور والعيشية وارتكبوا فيها أبشع المجازر بحق أهاليها العزّل جلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ أين منها مجازر التتر والمغول مجسّدةً قمّة الحقد الفلسطيني تجاه شعبٍ ذنبه الوحيد انه استضافهم على أرضه عشرات السنين.
١٠٢ـ الملفت للنظر ان الإعلام الدولي، تمشياً مع المخطط المذكور، مارس سياسة التعتيم على تلك المجازر، ولم يسلط الضوء إلّا على الخسائر التي لحقت بالفلسطينيين، وأبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢ التي نستنكرها جميعاً، فساد الإعتقاد لدى الرأي العام العالمي ان صبرا وشاتيلا كانت المجزرة الوحيدة التي حصلت خلال هذه الحرب، وما زال هذا الإعتقاد سائداً حتى اليوم.
١٠٣ـ على إثر وقوع مجزرة شكّا، وحّدت قوّات الشمال في إهدن وبشرّي صفوفها وشنّت هجوماً كاسحاً على منطقة الكورة التي كانت معقلاً حصيناً للمنظمات الفلسطينية واليسارية، ولاقتها من الساحل قوّات من أحزاب الجبهة اللبنانية، فسقطت الكورة خلال ساعات معدودة، ووصلت قوّات المقاومة اللبنانية إلى مدخل طرابلس في البحصاص، وتوقفت هناك محجمةً عن دخول المدينة خوفاً من أن تأخذ الحرب طابعاً طائفياً.
١٠٤ـ بعد تحرير المناطق الشرقية من كفرشيما إلى الأرز، عقد عدد من ضبّاط الجيش، أو من تبقى منهم، إجتماعاً في ثكنة الفياضية في آب ١٩٧٦، بحثوا فيه خطة عسكرية لإسقاط المنطقة الغربية من بيروت، تتألف من ثلاث مراحل: الأولى، تقضي بالوصول إلى عاليه صعوداً من الكحّالة، الثانية، متابعة السير نحو سوق الغرب، والثالثة، النزول إلى خلدة وتطويق المنطقة الغربية من الخلف.
١٠٥ـ طلب هؤلاء الضبّاط الإجتماع بنا، بشير الجميّل وداني شمعون وممثل عن التنظيم وأنا، ولما عرضوا علينا هذه الخطّة وافق الجميع عليها، بينما أنا تحفظت على المرحلة الأولى منها، ورفضت الإشتراك بها لأنها قد تشعل حرباً بيننا وبين الطائفة الدرزية، واقترحت أن نذهب مباشرة إلى سوق الغرب عن طريق القماطيّة، وعندما أصرّوا على رأيهم، وضعت مقاتلي حرَّاس الأرز في حالة تأهّب في مكان قريب من الكحّالة استعداداً للإنطلاق إلى سوق الغرب وخلدة في حال نجاحهم في الوصول إلى عاليه.
١٠٦ـ فشلت المهمّة بعد وقتٍ قليل على انطلاقها إذ سقط عدد كبير من عناصر الفرقة المهاجمة عند اجتياز منطقة ضهر الوحش.
قصدنا تدوين هذه الواقعة لسببين، الأول، للدلالة على المعنويات العالية التي كانت تتمتع بها المقاومة اللبنانية بُعَيدَ تحرير المناطق الشرقية صيف العام ١٩٧٦؛ والثاني لدحض مزاعم السوريين وأعوانهم القائلة بأن الجيش السوري جاء إلى لبنان لإنقاذ “المسيحيين” من الهلاك، عِلماً ان هذه الإشاعة انطلقت قُبيل دخول السوريين إلى المناطق الشرقية، وسرَت بين الناس، وما زالت سارية إلى اليوم.
إذا الحقيقة الساطعة هي ان جيش الإحتلال السوري دخل لبنان يوم كان “المسيحيون” في عز قوتهم وذروة انتصاراتهم.
١٠٧ـ اما لماذا وافق زعماء الجبهة اللبنانية على دخول جيش الإحتلال السوري إلى المناطق الشرقية المحرّرة للتو من الإحتلال الفلسطيني، فنضع علامات استفهام كبرى أمام هذا السؤال ونتركه للتاريخ، رغم أننا نملك بعض المعلومات عن هذا الموضوع ونتحفظ عن ذكرها.
١٠٨ـ لم تدم فرحة المقاومة اللبنانية بانتصاراتها طويلاً إذ قرّرت الإدارة الأميركية بالإتفاق مع حافظ الأسد إرسال الجيش السوري إلى لبنان لوقف “الحرب الأهلية”، فدخل تحت تسمية خادعة هي “قوات الردع العربية” بأعداد كبيرة فاقت الأربعين ألفاً، مصحوبة بدباباته ومدافعه وترسانته الثقيلة والخفيفة، ترافقه حفنة من الجنود الخليجيين والأردنيين والليبيين بقصد التمويه ولم تلبث أن غادرت تاركةً جيش الإحتلال السوري يتحكّم بمصير لبنان ٣٠ عاماً.
١٠٩ـ استطاع حافظ الأسد بدهائه المعروف إقناع زعماء الجبهة اللبنانية بالموافقة على دخول جيشه إلى المناطق المحرّرة كما ذكرنا، عندها طلبت أنا من الشيخ بشيرالذي كنا قبل أيام معدودة، قد انتخبناه قائداً للقوّات اللبنانية، أن يدعو إلى اجتماع طارىء مشترك بين القوّات والجبهة لبحث هذا الموضوع الخطير، بعد أن حاولت عبثاً إقناع الرئيس شمعون والشيخ بيار والرئيس الياس سركيس برفض هذا الدخول.
١١٠ـ تمّ عقد هذا الإجتماع في اليوم التالي في قيادة حزب حرَّاس الأرز التي كانت في الوقت عينه المقرّ المؤقت للقوَّات اللبنانية، وحضره جميع أعضاء الفريقين، فكان الإجتماع قصيراً وفاشلاً لأن الجميع كان موافقاً سلفاً على المبادرة السورية، ولأن ما كتب قد كتب.
١١١ـ عندها اتفقنا في قيادة حزبنا على ضرورة إتخاذ موقف ما للتعبير عن رفضنا لهذه المبادرة ـ المؤامرة، فدعونا في اليوم التالي إلى مؤتمر صحافي عقدناه في مركز الحرَّاس في منطقة السبتية، وأعلنا خلاله الإعتصام في مكان ما في الجبل، فانتقلنا من الأشرفية إلى العاقورة، ثم إلى تنّورين ثم إلى عيون السّيمان وانتهينا في دير مار يوحنا في الخنشارة بسبب قساوة الطقس.
١١٢ـ حصل هذا في شتاء العام ١٩٧٦ ـ ١٩٧٧، وعندما حل العام ١٩٧٨ كان كيل أهالي المنطقة الشرقية قد طفح من تجاوزات الجيش السوري، فقررنا طرده من هذه المناطق بالإتفاق مع رفاقنا في أحزاب الجبهة اللبنانية. وبوقت قصير تمكنت قوّات هذه الأحزاب من تطويق مراكز السوريين، وبخاصة مقار قيادتهم في برج المرّ وبرج رزق وبناية حبيش وبناية كرم الزيتون ومحاصرتهم بشكل مُحكم، فدارت بيننا وبينهم معارك ضارية دامت حوالي الشهر أدّت إلى مقتل عدد مرتفع من السوريين المحاصرين الذين راحوا يطلبون من قيادتهم الإستسلام كما أفادتنا أجهزة التنصّت.
١١٣ـ عندما أمر حافظ الأسد قواته بالإنسحاب من المناطق الشرقية، فراحت تخلي مراكزها الواحد تلو الآخر مجرجرةً وراءَها أذيال الهزيمة، فكان هذا المشهد أروع ما شاهدناه في هذه الحرب، لا يضاهيه روعة إلّا المعسكرات الفلسطينية وهي تسقط تباعاً وتستسلم إلى المقاومة اللبنانية من تل الزعتر إلى جسر الباشا إلى النبعة إلى ضهر الجمل وضبية والكرنتينا.
١١٤ـ وهكذا تحرّرت مناطقنا للمرّة الثانية من إحتلال كان يحلم بضمّ الكيان اللبناني إلى الكيان السوري، غير ان الفرحة لم تدم طويلاً لأن حافظ الأسد قرّر الإنتقام على طريقته الوحشية المعهودة، فزرع الجبال المطلّة على بيروت الشرقية بعشرات المدافع والراجمات الصاروخية المتعددة الأفواه، وراح يقذف بها عشوائياً الأحياء السكنية ليلاً نهاراً وعلى مدى أسابيع متواصلة حتى أصبحت المناطق المحرّرة مناطق مدمّرة حيث سقط العديد من الضحايا، سيّما وان الصواريخ والقذائف طاردت الأهالي إلى ملاجئهم، وبخاصة قذائف المدفعية من عيار ٢٤٠ ملم المحظورة دولياً.
كل هذه الأحداث حصلت في صيف ١٩٧٨ وأطلق عليها إسم حرب المئة يوم.
١١٥ـ إذاً المحطات التي تألقت فيها المقاومة اللبنانية خلال الحرب الفلسطينية ـ السورية على لبنان هي ثلاث. المحطة الأولى، تمثلت في ارتجال جيش بديل عن الجيش اللبناني والصمود في وجه أخطر مؤامرة دولية على لبنان نفّذتها المنظمات الفلسطينية وحلفائها. المحطة الثانية، تمثلت في الإنتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة الهجوم، ومحاصرة المعسكرات الفلسطينية وإسقاطها. المحطة الثالثة، محاصرة القوات السورية وطردها من المناطق الشرقية ولكن بثمن مرتفع من الشهداء المدنيين والدمار الهائل… إلى أن جاء العام ٢٠٠٥ حيث انتفض الشعب اللبناني كله في وجه الإحتلال السوري، فانطلق في تظاهرة مليونية أدّت إلى طرده من كافة المناطق اللبنانية.
١١٦ـ اللافت للنظر هنا ان المناظق الشرقية تحرّرت ثلاث مرّات بدلاً من مرة واحدة، الأولى، عام ١٩٧٦، الثانية، العام ١٩٧٨، الثالثة، العام ٢٠٠٥، والسبب يعود دائماً إلى الأخطاء السياسية التي اقترفتها القيادات المارونية، ما يعني ان الأداء العسكري للمقاومة اللبنانية كان باستمرار متفوّقاً على الأداء السياسي.
١١٧ـ في آذار ١٩٨١ فرض السوريون حصاراً خانقاً على زحلة تمهيداً لاحتلالها، فرفض الأهالي وقرروا المواجهة، فسارع الشيخ بشير إلى دعمهم لوجستياً وعسكرياً، ثم أرسل إليهم عن طريق الجرد مئة مقاتل بقيادة جو إدّة بينهم ٢٢ مقاتلاً من حرَّاس الأرز بقيادة كيروز بركات حيث اتخذوا من حوش الأمراء مقرّاً لهم.
١١٨ـ إستبسل الزحليون كعادتهم في الدفاع عن مدينتهم بالرغم من موقع المدينة المعزولة جغرافياً عن المناطق الشرقية، ومن اختلال ميزان القوى بين المهاجمين الذين استخدموا كعادتهم كل أنواع القذائف والصواريخ وحتى سلاح الجو لتدمير الأحياء والمنازل على رؤوس الأهالي، وبين المدافعين الذين تصدّوا لهم بأسلحة فردية مقرونة بشجاعة نادرة.
١١٩ـ بعد ثلاثة أشهر من المعارك الضارية والصمود الرائع من قبل الأهالي، توقف القتال نتيجة الضغوط السياسية الهائلة التي مارستها الجاليات اللبنانية عامة والزحلية خاصةً على عواصم القرار، فاحتفلت زحلة ومعها اللبنانيون الأحرار بالإنتصار على الغزاة، ولكن بثمن مرتفع دفعته من دماء شهدائها ومن خراب غير محدود في المنازل والأحياء والمحال التجارية، مع الإشارة إلى أن خسائر العدو فاقت بكثير خسائر زحلة بالأرواح والعتاد العسكري.
١٢٠ـ في ٦ حزيران ١٩٨٢ اجتاحت القوّات الإسرائيلية لبنان من جنوبه إلى عاصمته، وقضت على المنظمات الفلسطينية في صور وصيدا وبيروت، وأرغمت ياسر عرفات على مغادرة لبنان مع ١٥ ألف من كوادره، ودفعت بالقوات السورية للإنسحاب من بيروت إلى البقاع، الأمر الذي مهّد الطريق أمام الشيخ بشير للوصول إلى سدّة الرئاسة ومن بعده الشيخ أمين، غير ان القيادات المارونية كعادتها لم تُحسن التعامل مع هذا الحدث الإستثنائي الذي أتاح لها فرصة إغلاق جبهة الجنوب نهائياً باعتبارها بوابة الحرب والسِلم، وإرغام القوات السورية على الإنسحاب من لبنان تزامناً مع إنسحاب القوات الإسرائيلية.
١٢١ـ وتمشياً مع سياسة إضاعة الفرص التي اتقنها زعماء الموارنة عمد هؤلاء إلى إلغاء إتفاق ١٧ إيّار الذي وافق عليه مجلس النواب بالإجماع وبدون إكراه، الأمر الذي أدّى إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من طرف واحد، وعودة قوات الإحتلال السوري إلى بيروت كسابق عهدها، ما يعني عودة الحرب إلى المربّع الأول.
١٢٢ـ وإمعاناً في ارتكاب الأخطاء المميتة، أرسلت تلك القيادات قواتها إلى الشوف لمقاتلة الدروز والإنخراط في معركة طائفية لا معنى لها ولا هدف سوى تفتيت الجبل وتهجير “المسيحيين” من بيوتهم وقراهم إلى المناطق الشرقية.
١٢٣ـ هناك من يخلط ما بين المقاومة اللبنانية والقوات اللبنانية، الأولى عمرها من عمر لبنان، وتمثلت في مقاومة الغزوات المتتالية التي ضربت هذا البلد عِبرَ العصور، وكان لنضالها المستمر في الزمان والمكان الفضل الأول في بقائه صامداً إلى اليوم، وقد اتخذت عدّة أسماء منها الجراحمة والمردة والمقدمين… إلخ. بينما الثانية تأسست في صيف ١٩٧٦أي مباشرة بعد تحرير معسكر تل الزعتروملحقاته على يد المقاومة اللبنانية؛ وقد تمّ ذلك بعد عدة إجتماعات عُقدت بين أحزاب الجبهة اللبنانية في مقر قيادة حزب حرَّاس الأرز، وانتهت بالإتفاق على توحيد البندقية والقيادة في هيئة عسكرية واحدة دعيت القوّأت اللبنانية، وبانتخاب الشيخ بشير الجميّل قائداً لها، وهدفها الأول منع الإقتتال الداخلي.
١٢٤ـ إرتكبت هذه الهيئة خطأين أساسيين أدّيا إلى انتحارها: الأول، إنحرافها عن مسارها العسكري المرسوم لها في نظامها الداخلي إلى المسار السياسي فأصبحت حزباً فوق الأحزاب بدلاً من أن تكون ذراعها العسكري، فتحوّلت إلى أداة للوصول إلى السلطة. الثاني، إنخراطها في نزاعات وحروب داخلية أشد ضراوة وأكثر دموية من كل المعارك التي خاضتها المقاومة اللبنانية ضدّ الإحتلالين الفلسطيني والسوري، إبتداءً من مجزرة إهدن ١٩٧٨ مروراً بمجزرة الصفرا ١٩٨٠، فحرب الجبل ١٩٨٣، فحرب الإلغاء بين القوات والجيش ١٩٩٠ التي قضت على كل تضحيات المقاومة اللبنانية وإنجازاتها ومكتسباتها؛ من دون أن ننسى عملية تهجير شرق صيدا الغامضة وغير المبرّرة ١٩٨٥، والإنتفاضة الثانية ١٩٨٦غير الشرعية وغير المبرّرة أيضاً.
الخاتمة:
لقد سلّطنا الضوء في هذه الدراسة الموجزة على المحطّات المشرقة من تاريخنا المجيد، ولم نأتِ على ذكر المحطّات المظلمة إلّا عرضاً، ذلك لأننا نعيش اليوم أسوأ مرحلة سياسية في تاريخنا الحديث والمعاصر، والسبب الأول هو منظومة لبنان السياسية الحالية الجاهلة والفاسدة والمارقة بمعظمها التي تخصّصت في نهب أموال الشعب، وتدمير كيان الدولة تدميراً منظّماً وممنهجاً، والسبب الثاني هو حركة التاريخ التي تتحكم بمسار الأمم ومصيرها تبعاً لمبدأ الصعود والهبوط في دورة الزمان الجيّد حيناً والسيّىء حيناً آخر.
نحن على يقين ان لبنان سوف يتجاوز حتماً هذه المرحلة القاتمة كما فعل دائماً عِبرَ التاريخ، وكأن القدر قد حكم عليه أن يعايش الأخطار ليتغلّب عليها، وأن يصارع الموت لينتصر عليه.
كم من الأمم نشأت ونّمَتْ وتوسّعت ثم زالت واندثرت ولم يبقَ منها سوى الذكرى، بينما لبنان نشأ ونما وعاش في قلب الخطر، فبقى واستمرّ، وسيبقى وسيستمرّ.
صحيح ان لبنان بلد صغير المساحة إذا ما قيس بالأميال المربّعة، ولكنه من أكبر بلدان العالم إذا ما قيس بالأميال المكعّبة، أي عمقاً وارتفاعاً.
أليس هو وطن أدونيس، الأسطورة الذي كان يموت وينهض من موته في اليوم الثالث؟؟؟
ووطن الفينيق، الطير الأسطورة الذي كان يحترق ثم ينهض من رماده ليعود إلى التحليق من جديد؟؟؟
الجواب نعم.
لبَّـيك لبـنان
اتيان صقر ـ أبو أرز