حنا صالح: يحدث في لبنان فقط

16

يحدث في لبنان فقط
حنا صالح/الشرق الأوسط/07 شباط/19

بالمبدأ، توفِّر الانتخابات النيابية وتشكيل الحكومات، في كل البلدان الطبيعية، سُبل الخروج من الأزمات السياسية والاقتصادية إلاّ في لبنان. كل معركة قانون الانتخاب تحت عنوان قانون يضمن عدالة التمثيل، انتهت إلى قانون هجين طيَّف مطلب النسبية ولم يؤمِّن وحدة المعايير، وبالتالي لم يحُزْ الثقة فتراجعت نسبة المقترعين إلى 48%، وبالكاد حاز تحالف التسوية الشهيرة نسبة 40 إلى 41% ليخطف المقاعد النيابية، والنتيجة وجود مجلس نيابي شرعي وقانوني لكنه هزيل التمثيل. وبعد مخاض 252 يوماً، جاء تشكيل الحكومة الثلاثينية مع كل ما رافقه من ألاعيب ليهدد بحرب فورية بين بعض مكوناتها، بدأت بين الحليفين السابقين الحريري وجنبلاط كتعبير عن تعديل نوعي في التسوية السياسية مع إعلان الحريري: «مشروعنا واضح وهدفه إحالة حراس الهدر إلى التقاعد»، رداً على فتح جنبلاط النار على تجاوز الطائف ومشروع الاستدانة الجديدة بـ17 مليار دولار، وكان تعبير الوزير الاشتراكي أبو فاعور لافتاً عن مستوى المواجهة: «زرعوا الخناجر، الأقربون قبل الأبعدين في هذه الحكومة، وسنكسرها نصلاً تلو نصل»!

في كل عملية التأليف لم يتم الالتزام بالدستور إلاّ بقضية الاستشارات الملزمة، حيث أجمع 112 نائباً من أصل 128 على تسمية الحريري، ما عدا ذلك سادت الاجتهادات فوق الدستورية التي تعود إلى مرحلة «اتفاق الدوحة». من بينها «معايير» للتأليف، و«مهام» لجهات، وإلزامية دور الرئيس في كل العملية كما قبل دستور الطائف كما في تناتش الحقائب… إلى تجميع نواب لاختلاق كتلة «سنية» تابعة لـ«حزب الله» ومن ثم تمثيلها، وراح كل زعيم من السبعة الكبار يسمي وزراء فريقه ويوزع حقائب حصته وتُقام التهاني، في تجاهل لدور الرئيس المكلف، وهو المدعو دستورياً للمفاضلة بين الأسماء والحقائب ومدى الملاءمة للعمل الحكومي، ويعود إليه حق استبدال الأسماء، ليتبين أن بعض الجهات قفزت إلى إيداع الأسماء النهائية لدى رئيس الجمهورية قبل دقائق من إعلان التشكيلة الوزارية.

قمة البدع جاءت على لسان وزير الخارجية جبران باسيل، الذي كشف أن وزراء التيار ووزراء الرئيس وقّعوا سلفاً على بياض كتب استقالة لاستبدال أي وزير «غير منتج» (…)، وذلك في سابقة شعبوية في إدارة الحكم، فيها إهانة لموقع الوزير ودوره وتجاوز للصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والمجلس النيابي صاحب الحق في منح الثقة أو حجبها. الاستقالة حق من حقوق الوزير أما كتب الاستقالة المسبقة فتعني أن هؤلاء وزراء الزعيم وليسوا وزراء الدولة اللبنانية.

في تاريخ الحكومات اللبنانية نماذج مشرفة لوزراء تمسكوا بتمثيل المواطنين والدفاع عن حقوقهم وعن مصالح الوطن على حساب المنصب. في «حكومة الشباب» في سبعينات القرن الماضي لمع اسم الوزير الطبيب إميل بيطار الذي خاض حرباً ضد مافيا الدواء، ورفض «النصائح» بالتسويات (…) إلى أن نجحت تلك المافيا في إقالته، وكانت صلاحية الإقالة محصورة بين رئيسي الجمهورية والحكومة. وفي الحكومة التي تألفت بعد انتخابات عام 2005 وانسحب منها تعسفاً الوزراء الشيعة وبعض مَن كان يمثل الرئيس إميل لحود، رفض د. شارل رزق وزير العدل، الانسحاب رغم المخاطر على حياة الوزراء، وقاد مهمة إقرار المحكمة الدولية، وعندما سئل عن امتناعه عن الاستقالة وقد وزّره الرئيس لحود قال: «أشكر الرئيس الذي اقترحني وزيراً لكن بعد ثقة المجلس النيابي بِتُّ أمثّل مصالح اللبنانيين وليس رغبات الرئيس».

نعود للأساس، انفجر الصراع مع إعلان الحكومة بعدما استشعر رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، في التركيبة الحكومية حصاراً على فريقه ورغبة في التهميش، انسجاماً مع حرب فتحها النظام السوري ضده. لاحظ التحول الدراماتيكي في مواقف الحريري الذي ذهب بعيداً في تجديد التسوية مع القصر التي بدت في تشكلها الجديد ثلاثية مع «حزب الله» دون سواه، على قاعدة إبعاد مَن كانوا محيطين بوالده بدءاً من الرئيس فؤاد السنيورة إلى كسر التحالفات التاريخية، فأطلق جنبلاط ما يشبه الانتفاضة، من باب ثوابت الدفاع عن الجمهورية وإدانة تجاوز «الطائف» والدستور ورفض الإملاءات السورية: «لاحظنا أحادية في تشكيل الحكومة وشبه غياب لمركز رئاسة الوزراء كأن وزير الخارجية وضع الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة وهذا يطعن بـ(الطائف)، ولعب بالنار»، إلى تأكيده عدم التخلي عن موضوع حماية اللاجئين السوريين… بحيث استعاد كثيرون دور المختارة في المحطات الكبرى، من انتخابات عام 1947، إلى انتخابات عام 1957، إلى الحرب الأهلية ومصالحة الجبل في عام 2000، و«انتفاضة الاستقلال» في عام 2005.

رغم أن الظروف ليست نفسها، وكذلك موازين القوى، خطف جنبلاط الاهتمام، لكن الكل يعرف أن عدة المعارضة الشاملة غير مكتملة رغم اتساع الإحباط الذي يتجاوز الشارع السني، وبالتالي إن التركيبة الوزارية الهجينة التي تم الإعلان عنها وفق توقيت طهران، ستحوِّل مجلس الوزراء إلى متاريس حول قضايا متعلقة بالتعيينات والصفقات والإنفاق الحكومي… إلخ، خصوصاً إذا ما تم اعتماد الوصفة التي حملها تقرير «ماكنزي» (معتمَد من القصر) التي تدعو إلى الاستدانة وزيادات كبيرة في الضرائب وتخفيض الرواتب، فيما الطرف الأقوى الحاكم بأمره، لن يُسأل في أي قضية بدءاً من الأمن والدفاع والسلاح والاستراتيجية الدفاعية والسيادة والاستقلال إلى العدالة الدولية والسياسة الخارجية ما دامت هذه الحقائب الوزارية بين أيدي الفريق الممانع. «المعارضة» هذه لم تغادر بعد موقع التغاضي عن دور الطرف الأقوى، أي «حزب الله» الذي يملك فائض القوة وسعيه قبل غيره لتحويل أدوار زعامات من نوع جنبلاط إلى أدوار متواضعة بعدما كانت مقررة. لذا لم يتأخر السيد حسن نصر الله، فتناول عمل مجلس الوزراء وكيفية اتخاذه القرارات الصعبة (…)، في إشارة لا تخفى على اللبيب أن لبنان أمام حكومة «غالب ومغلوب» ليمد اليد في الوقت نفسه وليشير إلى أن المكان ما زال يتسع للآخرين!

في أول جلسة لمجلس الوزراء الجديد لتشكيل لجنة لصياغة البيان الوزاري، لم يتم، كما جرت العادة، توزيع نسخ من وثيقة الوفاق الوطني، الوثيقة المرجعية في العمل الحكومي، وهذا الأمر يصبح مقلقاً أخذاً بالاعتبار الكثير من الممارسات التي يريد أصحابها إحلال أعراف مكان الدستور، وهذا يقود إلى التشديد على أن وثيقة الوفاق الوطني ليست بياناً مرحلياً يمكن القفز فوقها، بل هي الوثيقة التي كلّفت 150 ألف ضحية، ووحدها ترسم كيفية تنظيم العلاقات السياسية وكيف تُصان التوازنات بين مكونات البلد، وغير ذلك يعني المضي في الانقلاب على الدستور، الأمر الذي يُدخل البلد في مرحلة أكبر من التجاذبات الخطيرة التي تُذكر بالحرب الأهلية.