الدكتورة رندا ماروني: حكومة تراقص عاصفة

312

حكومة تراقص عاصفة
الدكتورة رندا ماروني/07 كانون الثاني/19

جثة وطن يتناتشون عليه ويسمون ذلك وحدة وطنية، هذا ما أتى على لسان غبطة البطريرك الراعي في وصف المشهد اللبناني في عظة الأحد ليبدي تململا من الحالة الصعبة التي وصلنا إليها، ومن عدم القدرة على تشكيل حكومة في ظل واقع إقتصادي مهترئ.

وكان قد سبقه موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أبدى تململا وأكثر، مبديا رغبة بتغيير طبيعة العقد الإجتماعي اللبناني من الصيغة التوافقية إلى الصيغة الأكثرية تحت آلية ما يسميه بالحالة المدنية.

وفي الموقفين إطلاق رصاص الرحمة على ما نسميه بالوحدة الوطنية التوافقية، إنما من منطلقين متناقضين لا تجمعهما وحدة ولا وطنية، ففي حين يصوب الراعي إصبع الإتهام على المسؤولين السياسين المنتهكين للدستور والصيغة التوافقية والميثاق بهدف تحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب الذاتية، نرى الرئيس بري يستهدف الصيغة برمتها والنظام التوافقي بكامله مبديا قناعته بوجوب التحول إلى صيغة مدنية وحكم ذات صفة أكثرية حاكمة.

ففي حين عبر كلام البطريرك الراعي عن واقع وطرح حل من وجهة نظره في حكومة مصغرة تكنوقراطية، غير ان ما جاء على لسان الرئيس نبيه بري والذي عرضه علينا كحل جذري للعقد التوافقية، أثار تساؤلات كثيرة نتيجة للتناقضات بين ما تستلزمه الحالة المدنية من قواعد تطبيقية وبين الواقع المدعوم المناقض، الأمر الذي يثير الريبة والشك حول مستوى الجدية ويضعه في مثابة الطرح الذي يستعمل في أوقات محددة كورقة ضغط طائفية لا تقرب المدنية لا من قريب أو من بعيد، ورقة تتخطى حلف الأقليات وتقفز فوقه عند اللزوم وعند المقتضى الطائفي، فهل في دعم حزب مذهبي وميليشيا مسلحة تصادر قرار الدولة في الحرب والسلم وتخوض حروب خارجية بتوجيه خارجي يورط لبنان واللبنانيين في تداعيات لا ناقة لهم بها ولا جمل، هل في هذا أي صورة لدولة مدنية مشرقة؟

فالطرحين المذكورين أعلاه لا يحملان حلا جذريا للواقع اللبناني، في إستعادة قرار الدولة والنهوض بالاقتصاد، فهل تشكيل الحكومة وحده هو المفتاح السري لحل كل ما نعاني منه من مشاكل؟

قد يكون تشكيل الحكومة اليوم حلا مؤقتا قصير المدى، الا انه ليس بالحل الشامل الجذري لمواجهة كافة التحديات الأمنية والاقتصادية. لقد أتت حكومات وذهبت ولم تستطع أن تغير بالواقع اللبناني السياسي والاقتصادي شيئا يذكر كما لن تستطيع أي حكومة قادمة طالما بقي المتحكم الأساسي بمصير الدولة بكافة مفاصلها بيد حزب مسلح مدعوم من الخارج ومنفذ لمصالح هذا الخارج.

لقد كفر اللبنانيون بالطاقم السياسي المتناتش على الحصص والملتهي بالمغانم عن إستعادة السيادة الوطنية، كما كفر اللبنانيون من منتحلي صفة المدنية المحركون كالدمى من قبل بعض الأطراف السياسيين عند اللزوم، مدنيين لا يقرب هجومهم وإنتقداتهم ميليشيا مسلحة عسكرية تصادر قيام دولة حقيقية في لبنان، بل يحولون الأنظار عن مكمن العلة الأساسي ويرشقون المتحاصصين والمتعاملين مع العلة إذا خالفوا ما هو مرسوم او اذا زادت مطالبهم واطماعهم، وعرقلوا المسيرة العسكرية الحاكمة، وفي ظل هذا الواقع، المنتفعون يراقصون العسكر والعسكر يراقصون المنتفعين وعند سقوط منسوب التناغم بين الطرفين، يدفع العسكر بالمدنيين كراقص بديل عنهم إلى الساحة، عندما نشاهد هذه اللوحة الفنية وفي هذا المشهد نرى الخلل السياسي متجسدا في أبهى حلله، ونرى حكومة تراقص عاصفة…
حكومة تراقص
عاصفة
تسابق الرياح
ليس في رقصها
قواعد
كل شيء مباح
إنسية المظهر
ملبوسة أشباح
كل ما فيها
عاق
للشك مباح
ضرب في الرمل
تحضير ارواح
وقعها دبكة
ترسها رماح
ظاهرها مبهر
باطنها وشاح
تهوى المكاسب
تنادي إصلاح
نهم زائد
يكتسح إكتساح
يستبيح المحرم
أرزاق تستباح
تراقص العاصفة
تسابق الرياح
دون قواعد
رقصها مباح
إنسية المظهر
ملبوسة أشباح.