رسالة مفتوحة من الياس الزغبي إلى الرئيس عون وسائر القيادة: لا دولة بسلاحين وقرارين واستراتيجيتين، ولا حكم وحكومة و”عهد قوي” تحت رحمة السلاح، وتحت وطأة تحكّمه بقرار الحرب والسلم، وقرار حكم وحكومة أو لا حكم ولا حكومة

327

رسالة مفتوحة من الياس الزغبي إلى الرئيس عون وسائر القيادة: لا دولة بسلاحين وقرارين واستراتيجيتين، ولا حكم وحكومة و”عهد قوي” تحت رحمة السلاح، وتحت وطأة تحكّمه بقرار الحرب والسلم، وقرار حكم وحكومة أو لا حكم ولا حكومة

الياس الزغبي/27 كانون الأول/18

بعد التحية

أربعون يوماً تفصلكم عن الذكرى ١٣ ل”تفاهم مار مخايل” (٦ شباط ٢٠٠٦).

في التقاليد اللبنانية، الأربعون مهلة كافية لفكّ الحداد.

فأمامكم مسافة زمنية كافية للتفكير وإعادة تقويم هذا “التفاهم” بما له وما عليه.

ومن السهل عليكم ان تكتشفوا انتهاء، بل سقوط، مفاعيل كلّ بنوده التسعة باستثناء بنده الأخير (العاشر) الذي يشكّل غطاء مطلقاً ومفتوحاً وغير مسبوق لسلاح “حزب الله”.

صحيح أنكم قبضتم ثمناً سياسياً كبيراً (وغير سياسي) لهذا الغطاء الذي وفّرتموه للسلاح غير الشرعي، في السلطتين التشريعية والتنفيذية، وفي كرسي الرئاسة الأولى، وفي تعطيل الاستحقاقات الدستورية، وفي التعيينات والتشكيلات الإدارية والدبلوماسية والقضائية والأمنية – العسكرية، والخدمات لشريحة مختارة من مؤيديكم،

لكنّ الأثمان المقابلة والثقيلة التي دفعها لبنان وشعبه كانت، ولا تزال، شديدة الخطورة على حاضرهما ومستقبلهما، وقد بدأت ترتد عليكم أنتم بالذات تعطيلاً وتنكيلاً مثل سائر اللبنانيين.

المراجعة الأولى التي نلفتكم إلى ضرورة إجرائها هي استعادة شريط الوقائع السياسية والأمنية الخطيرة التي شكّلت “ورقة التفاهم” غطاءها الشامل:

من نقل خيمتكم من ساحة الشهداء (١٤ آذار) إلى ساحة رياض الصلح (٨ آذار)،

إلى الاعتصام الدهري وتطويق الحكومة في سراياها وشلّ قلب بيروت وشرايينها ٢٠٠٦، ثمً حرب تموز،

إلى الانقلاب الأول (انقلاب الدواليب المحروقة وقطع الطرق) في مطلع ٢٠٠٧،

إلى دعم الثنائي الشيعي في الاستقالة من الحكومة (البتراء!) لمواجهة القرار الدولي ١٧٥٧ بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان،

إلى الانقلاب الثاني في غزوتَي بيروت والجبل (أيّار ٢٠٠٨) وتباهيكم بأنً “حزب الله” وضع الأمور في نصابها،

وحجّكم السياسي المتكرر إلى دمشق، وصفحكم عن ارتكابات نظام الأسد، اباً وابناً، بحجة “انسحابه من لبنان”… ثمّ “قديس براد” و”زعامة مسيحيّي المشرق” و”حلف الأقليات”

إلى تغطيتكم قتلة ضباط الجيش وجنوده من الشيّاح وسجد إلى كمين دورس بعلبك وصفقة “التهريب المكيّف” لإرهابيّي “داعش” من جرود عرسال،

إلى استعدائكم العلني للسنّة اللبنانيين والعرب، وتحديداً السعوديين والخليجيين، واتهامهم الجماعي بالارهاب، وحملاتكم الاعلامية والسياسية التحريضية، وإطلاقكم لقب سعد الدين و”الحريرية الداعشية”،

إلى الانقلاب الثالث ب”القمصان السود”، وتصدّركم “شرف” إسقاط حكومة الحريري من الرابية، وهو على عتبة البيت الأبيض،

إلى استئثاركم بثلث حكومة ميقاتي، ولازمة مكافحة الفساد، ورحلة عذاب الكهرباء…

إلى تنصّلكم من “إعلان بعبدا” (٢٠١٢) الذي يطرح تحييد لبنان عن الصراعات، وقوفاً على خاطر “الحزب” الذي دعا إلى نقع الإعلان وشرب مائه!

إلى تغطيتكم الكاملة لقتال “حزب الله” في سوريا والعراق واليمن، بكل ذرائعه: حماية حدود لبنان، فحماية المراقد، فمحاربة التكفيريين، فحماية نظام الأسد… وإيهام المسيحيين بأن سلاحه هو لحمايتهم ومنع “داعش” من اجتياح جونيه!

إلى تحويل وزارة الخارجية درعاً دبلوماسية في الاجتماعات العربية والمنابر الدولية لحماية سياسة إيران التوسعية في العالم العربي.

أمّا المراجعة الثانية فيجب ان تركزّوها على “المجد الباطل” الذي حققتموه في السلطة، وما آل إليه وضعكم، فلا تستطيعون تمرير ترقيات وتعيينات إلّا بصفقة تنازلات، وتتراجعون عن توجيه رسالة إلى مجلس النواب لعدم نيلها رضى “حزب الله”، ويُجبرونكم على ابتلاع دعوتكم لوضع لوحة تذكارية عن الجلاء السوري، ويقمعون مبادراتكم لتشكيل الحكومة إلّا إذا رضختم لوجود وزراء – ودائع في حصّتكم، فيطير “ثلثكم المعطّل”!

والأشد وطأة عليكم أنكم لا تستطيعون تسمية المعرقلين بالاسم، فهناك “من يضع أعرافاً وتقاليد جديدة”… وتتفادون ذكر اسمه وكأنه شبح عابر!

فها أنتم اليوم على كراسٍ يسحبونها من تحتكم،

ويمنعونكم من بهجة عيد “حكومة العهد الأولى”، ويحوّلون شعاراتكم في “القوة” و”الاصلاح” و”مكافحة الفساد” عناوين خاوية يتندّر بها الرأي العام.

وبات عليكم أن تدركوا أن اللعبة تجاوزت مسألة الخلافة الرئاسية ومعركتها المبكرة إلى ما هو أبعد وأخطر: تغيير النظام، وأن أولوية “حزب الله” الآن ليست التمسّك بغطائكم، بل وظيفته في حماية إيران لمواجهة متغيرات المنطقة والعقوبات وتقليم أظافر نفوذها.

والغريب أنكم ما زلتم تزايدون في مسألة “التفاهم” وتعلنون تمسّككم بجانب “التحالف الاستراتيجي” فيه، أي إطلاقية سلاح “حزب الله”.

تطمئنونه إلى ثباتكم في توفير الغطاء له، وهو ينزع عنكم كل غطاء، ويمنعكم، تحت ذرائع شتّى، أخيرها وليس آخرها “التشاوري”، من ممارسة الحكم.

فإلى متى تستمر مسيرتكم الضريرة؟

نصارحكم بأن الحل لكم ولنا وللبنان يبدأ من تفكيك لغم البند العاشر من “تفاهم مار مخايل” الذي، ولشدّة غرابته، لا يأتي على ذكر الجيش اللبناني في حماية لبنان، بل يصف سلاح “حزب الله” بأنه “وسيلة شريفة مقدسة”، ويفتح وظيفته على مدى غير منظور تحت مقولة “الظروف المناسبة وانتهاء خطر إسرائيل”!

ونفاتحكم بأن لا دولة بسلاحين وقرارين واستراتيجيتين، ولا حكم وحكومة و”عهد قوي” تحت رحمة السلاح، وتحت وطأة تحكّمه بقرار الحرب والسلم، وقرار حكم وحكومة أو لا حكم ولا حكومة!

تكفيكم أربعون يوماً للمراجعة والنقد الذاتي…

وانتهاء مرحلة الحداد!