الدكتورة رندا ماروني/الخطر المستقيم والخطر مشعب الأضلع

361

الخطر المستقيم والخطر مشعب الأضلع
الدكتورة رندا ماروني/09 كانون الأول/18

لقد أتى موضوع كشف الأنفاق على الحدود الجنوبية للبنان ليظهر غياب الدولة كليا كمقرر لما يجري أو يحدث على أراضيها، ليس هذا فحسب بل ليظهرها أيضا كطرف دخيل على معادلة لا شأن لها بها ولا علم لما يتوارى في طياتها، طرف دخيل بات أشبه بالهيكل الفارغ من الروح المحركة له، منزوع الصلاحيات، لا حول له ولا قوة ولا قدرة على صيانة الحدود والأرض وحماية المواطنين وردع الخطر الداهم أيا يكن مصدره.

وإذا كان لمواجهة الخطر الإسرائيلي دربا قانونيا برعاية المجتمع الدولي، ترجم بصدور العديد من القرارات الدولية، غير أن الخطر الإيراني على لبنان لا راع له يردعه ولا قانون يحكمه، إلا فيما نص عليه القرار ١٧٠١ ولم يسلك طريقه الى التنفيذ بعد، كعربة دون كوابح تسلك طريقا منزلقا تقودها عبارة سيري وعين الله ترعاكي.

وإذا كان الخطر الإسرائيلي على لبنان له طابع أمني مستقيم، إلا أن الخطر الإيراني مشعب الأضلع يتخطى الأمن ليدرك العوامل البنيوية القانونية، الاجتماعية والاقتصادية.

فالحدث الأمني الأخير إستوقف المواطن الأعزل الخائف على أمنه وعلى مصيره ولم يستطع أن يستوقف المسؤولين في لبنان الذين بدوا كالصفر على الشمال لا علم لهم ولا خبر بما يجري.

قد يكون من ضمن بنود التسوية التعايش مع سلاح غير شرعي إلى جانب سلاح الدولة، هذه التسوية الهجينة التي تناقض الدستور اللبناني كما التزامات لبنان وتعهداته بتطبيق القرار ١٧٠١، ولكن هل للتسوية أيضا مضامين إنتحارية بتسليم الشأن الأمني كاملا دون حسيب ولا رقيب ولا مسائلة وتعريض لبنان كاملا أرضا وشعبا ومؤسسات لشتى أنواع المخاطر حين يرتأي صاحب الزمان ذلك؟

وإذا تناولنا الخطر الإيراني المتعلق بالشق البنيوي من الجانب الدستوري والقانوني فحدث ولا حرج، فلقد أتت التسوية الرئاسية الإيرانية الأسباب والمنشأ كإنقلاب على الدستور اللبناني من خلال السماح لمساكنة الشرعي لما هو غير شرعي، وإنقلاب على تعهدات لبنان القانونية وتجاوز القرارات الدولية خاصة لناحية ما نص عليه القرار ١٧٠١ ووجوب حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية فقط لا غير.

نستطيع القول أننا شهدنا عصر للإنقلابات ما قبل التسوية وما بعدها، فلقد أتت التسوية الرئاسية إنقلابا على الدستور وعلى كل من لم يدخل فيها، وإنقلابا على مضامين ثورة ١٤ آذار وشهدائها، ثم توالت الانقسامات والمساومات بين أركان التسوية نفسها بمباركة الضابط الأساسي لها ومحركها، ففي الجانب المسيحي منها، وبعد أن أتت بداية كإنقلاب مسيحي من البعض على البعض الآخر لعزله وتحجيمه وإقصائه عن الحياة السياسية، تحولت إنقلابا بين أركان التسوية نفسها وصراعا على الأحجام الأمر الذي أدى إلى إعلان ما هو مضمر بورقة تفاهم سرية من عدة بنود.

أما البيت الدرزي فلقد شهد مباشرة بعد إنتهاء عملية الانتخابات النيابية ومع بدء عملية تشكيل الحكومة كما البيت المسيحي صراع حول عملية توزيع الحقائب، هذا الصراع الذي دام خمسة أشهر في محاولة لتطويق الحزب التقدمي الاشتراكي في الجبل من خلال الضغط لتوزير النائب طلال إرسلان، الأمر الذي إنتهى بتوزير شخصية درزية ثانية تلقى تأييدا من قبل كافة الاطراف.

وإذا انقضت الأمور بداية بالتي هي أحسن، غير أن ما تحولت إليه الأحداث في الأسبوع الأخير لا يوحي بالخير خاصة بعد أن تمددت الانقلابات برعاية حزب الله لتشمل البيت السني هذه المرة، في محاولة لتطويق الرئيس رفيق الحريري وتحجيمه ومحاولة لخلق فتنة درزية سنية ترجمت فيما تعرض له الرئيس المكلف تشكيل الحكومة من تهديد بالقتل تبع ذلك أحداث الجاهلية. فلقد قالها صراحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله هذه المرة، ” إلى قيام الساعة” أي أنه لا يمكن أن تتشكل حكومة في لبنان لا اليوم ولا غدا ولا حتى إلى قيام الساعة ما لم نستطيع خرق البيت السني.

وللمفارقة فإن رئيس الجمهورية هو نفسه الذي أعلن بان النواب الستة السنة لا يشكلون كتلة ولا يحق لهم المطالبة بوزارة، هو نفسه حامي الدستور يمارس الضغط اليوم على الرئيس المكلف سعد الحريري للقبول بصيغة ال٣٢ وزيرا كمخرج للحل، إنما على حساب الدستور والتوازنات القائمة منذ الطائف وحتى اليوم، فالمطالبة والضغط لتوزير علوي وهي الفئة أو المذهب التابع للطائفة الشيعية مما يعطي ارجحية عددية للنواب الشيعة على النواب السنة، ويسجل مخالفة دستورية.

لقد مورست الضغوطات داخل البيت المسيحي وداخل البيت الدرزي واليوم داخل البيت السني من قبل الفريق نفسه ومن وراءه، في محاولة لإعادة ترتيب الهيكل البنيوي والتركيبة الإجتماعية هذا الترتيب الذي بدأ يأخذ مجراه مع عملية فرض قانون إنتخابات لا يلائم طبيعة المجتمع اللبناني.

هذا الخطر المشعب الأضلع على الدستور والقانون وبنية الدولة والتركيبة المجتمعية لا بد أن ينعكس سلبا ليشمل البنية الاقتصادية التي باتت مهترئة وعلى شفير الهاوية ليس بفضل المنتفعين المشار إليهم عند كل مناسبة وحدهم، بل بفضل الرأس المخطط والمدبر والمنتهك لحرمة الدستور والقافز فوقه عند كل مناسبة، يضاف إليه المتعاونين معه والمروجين لطروحاته وأفكاره .

فهذا الخطر البنيوي المشعب الأضلع يؤدي حتما إلى تبعات وخيمة اقتصادية، فالتفلت الأمني والخروج عن الإطار الشرعي المرافق لطموح جامح في السيطرة لا بد له من انعكاسات وخيمة على البنية الدستورية السياسية،الاجتماعية والاقتصادية فسلاح متفلت ونهضة اقتصادية ضدان لا يجتمعان.

ومع الانحدار الأمني الخطير الذي نشهده اليوم، بفضل الرأس المدبر ومعاونيه والمستزلمين له، يقف لبنان في عين العاصفة يواجه مع ابناءه الشرفاء منهم خطرين إثنين، لا تأييد منا ولا تفضيل لأي منهما على الآخر، بل مواجهة إلى قيام الساعة، الأول أمني مستقيم والثاني مشعب الأضلع.
مشعب الأضلع
كالأخطبوط هو
يحيط الفريسة
ليزهوا
فتعلو الحمرة
اخاديده
ويدنو حلمه النوا
لا يهمل سبيلا
من محاولة
حتى المعلقة منها
وأدراج الهوا
فيعمل جاهدا
ولا يخلوا جهده
فعل شنيع
أو فعل غوى
كل الأساليب
مباحة متاحة
كما ذكر القائل
والراوي روى
مشعب الأضلع
كالأخطبوط هو
يحيط الفريسة
ليزهوا
لا يهمل سبيلا
من محاولة
حتى المعلقة منها
وأدراج الهوا.