لماذا لم تقع الحرب؟ حازم الأمين/درج/06 كانون الأول/18

67
IDF forces seen gathering near the border with Gaza in Southern Israel on November 13, 2018. Photo by Hadas Parush/Flash90 *** Local Caption *** âáåì òæä éùøàì öäì çéì àåéø çééìéí

لماذا لم تقع الحرب؟
حازم الأمين/درج/06 كانون الأول/18
لماذا لم تقع الحرب في جنوب لبنان يوم الثلثاء الفائت حين أعلنت إسرائيل اكتشافها “أنفاقاً هجومية” حفرها “حزب الله” واخترق فيها الحدود اللبنانية – الإسرائيلية؟ فلدى طرفي هذه الحرب كل الأسباب لمباشرتها. إسرائيل تشعر بأن موقعها الدولي يمر بلحظة صعود استثنائية على مختلف الأصعدة، وعدوها، أي “حزب الله”، مشتّت بين جبهتي قتال في لبنان وفي سوريا، ومهدد بالعقوبات الأميركية على إيران، وهي وعلى مدى السنوات الثلاث عشرة التي فصلتها عن حرب عام 2006 طورت أنظمة قتالية وهجومية حان الوقت لكي تختبرها! وحزب الله من جهته لطالما شكلت الحروب مخرجاً له في سياق تفاديه محاولات الحصار. الحرب بالنسبة إلى طهران قد تعيد خلط الأوراق لجهة العقوبات، وقد تستدرج موقفاً أوروبياً “إنسانياً” يستعين بـ”الإغاثة” على الالتزام بالعقوبات. و”حزب الله” أيضاً لديه ما يريد أن يختبره ميدانياً، لجهة أجيال المقاتلين الذين تم إنتاجهم في آلة الحرب السورية. ثم أن الحرب في جنوب لبنان قد تعفي الحزب من حربٍ في جنوب سوريا!

على رغم كل هذه الأسباب لم تحصل المواجهة على طرفي “النفق الهجومي”. إسرائيل قدمت الجانب الدعائي لكشفها الأنفاق على احتمالات الرد الفعلي، والحزب من جهته قلّل من الأهمية الميدانية للكشف الإسرائيلي! وهذا للوهلة الأولى مدعاة استغرابٍ، ذاك أننا كنا نعتقد بأن عشاق الحرب على طرفي النفق متحفزان لمباشرة القتال!

للمرء أن يحاول الإجابة عن هذا السؤال المؤسس: “لماذا لم تقع الحرب؟”.
الحال أن إسرائيل في حال صعود على مختلف الجبهات. وجدت لنفسها ظهيراً دولياً وعربياً لضم القدس، وأضعفت الحساسية الدولية حيال الهجوم الاستيطاني في الضفة الغربية، وها هي اليوم تُمرر وعبر مطار بن غوريون الأموال القطرية لمن يفترض أنه عدوها في غزة، أي حركة حماس، وهو ما يُعزز ظاهرة الانقسام الفلسطيني ويُعزز ادعاءها بانعدام شريك في السلام. على الحدود مع لبنان ومع سوريا، لدى تل أبيب شرطيان دوليان كبيران. في لبنان 15 ألف جندي دولي وفي سوريا يقف الشرطي الروسي حائلاً دون اقتراب “حزب الله”.

أما الحزب فلديه أيضاً من الأسباب لتفادي الحرب أكثر مما لدى إسرائيل. فقد استقر للحزب الحكم في لبنان على نحو شبه مطلق، وفي سوريا هو الشريك الأكبر في السلطة، والحزب يملك مكانة في العراق استثمرها في طموحاته الاقتصادية، وهناك مقربون منه صاروا شركاء عراقيين في استثمارات كبرى هناك. أما جبهة اليمن فحلفاء الحزب هناك على أبواب تنازلات سعودية كبرى في ظل انكفاء الرياض عن معظم الجبهات بفعل نتائج جريمة إسطنبول.

نحن أمام قوتين صاعدتين، من المنطقي أن تحرصا على حماية حركتي الصعود المتناميتين اللتين تعيشانهما. رغبة إسرائيل في تدمير “حزب الله”، ورغبة الحزب في خلط الأوراق في ظل العقوبات لا تكفيان لحرب. الخسائر ستكون أكبر من الإنجازات مهما كانت هوية المنتصر. القضاء نهائياً على “حزب الله” أمر غير ممكن، وإعاقة برنامج العقوبات لن تؤمنه حرب. الأرجح أن الحزب وإسرائيل في موقعين صعوديين متشابهين. والصعود هنا ليس ضدياً، ذاك أن استقرار السلطة للحزب لا يضير إسرائيل إلا في حدود الكشف عن نفق من هنا، وتدمير مطار سوري من هناك. من جهة تخاطب “إنجازات” بنيامين نتانياهو مزاج الحزب لناحية انعدام فرص السلام، وجعل الحرب أفقاً وحيداً أمام مجتمعات المنطقة، ومن جهة أخرى يؤمن تصدر الحزب لبنان وسوريا لنتانياهو جبهات محكومة بالحسابين الدولي في لبنان والروسي في سوريا، ناهيك بأن انعدام فرص الحرب يوازيه في هذه الحال انعدام لفرص السلام. وهذا ما يُثلج قلب زعيم اليمين الإسرائيلي والرئيس الحالي واللاحق على ما يبدو للحكومة الإسرائيلية.

ليست الحرب مساراً لهذين الصعودين. وقوعها قد يعيقهما، وهما، أي الصعودان، يستعينان ببعضهما بعضاً على نحو جلي. فهل من شيء أوضح من أن تُنقل رواتب موظفي حماس التي تبرعت بها قطر إلى غزة عبر مطار بن غوريون. الرغبة الإسرائيلية بإبقاء حماس على قيد الحياة لم تُضعف منها التوترات على الحدود في شمال القطاع، ولا استقالة أفيغدور ليبرمان ولا احتجاجات المستوطنين. يجب أن تبقى حماس على قيد الحياة، وأن يستمر الانقسام الفلسطيني وأن تتكرس غزة كانتوناً منفصلاً عن جسم السلطة الفلسطينية. هذا هو بنيامين نتانياهو، ولا شيء آخر، وهذه هي حركة حماس، لا سيما بعد أن حسمت خيارها وأنتجت قيادة خيارها الأول طهران.

لكل هذه الأسباب لم تقع الحرب في جنوب لبنان يوم الثلثاء الفائت.