راما جراح/قضية الليسيه عبد القادر بين الدفاع عن الذاكرة والحق في الاستثمار

25

قضية الليسيه عبد القادر بين الدفاع عن الذاكرة والحق في الاستثمار
راما جراح/جنوبية/08 تشرين الثاني/18

يصمم عاشور اليوم على بناء “المول” مكان “الليسيه”، وقد انتهت التجهيزات اللوجسيتية الخاصة بالهدم والحفر، ويرجح أن ينتهي العمل في المشروع بعد ثلاث سنوات على أبعد تقدير.

“باستخفاف وقلة اعتبار” كما وصفها الأهالي تفاوضت إدارة ليسيه عبدالقادر مع الرهبانية الأنطونية المارونية حول تأجير مبنى ثانوية الآباء الأنطونيين لإدارة الليسيه عبد القادر.

الرهبانية حمّلت قانون سلسلة الرتب والرواتب مسؤولية ما وصلت إليه، بينما كانت ليسيه عبد القادر قد تعهّدت بأن تجد بديلاً من مركزها الحالي ضمن نطاق العاصمة. من هنا فإن مستقبل تلامذة ثانوية الآباء الأنطونيين مهدد ، أمّا تلامذة الليسيه فقد يجدون أنفسهم يطلبون العلم ولو في “الهنغارات” المنوي نقلهم إليها!

أحدث القرار صدمة كبيرة جداً في أوساط الأساتذة وأهالي التلامذة، فالخبر الذي بدأ ينتقل تحدّث عن أن التنفيذ سيحصل خلال العام الدراسي الجاري، وأنّ التأجير لمدة ٢٧ عاماً سيكون للبناء فقط، وليس هناك أي تصور لاستيعاب الكادر التعليمي والتلاميذ، ما يعني إقفال الثانوية وصرف نحو ٥٢ معلماً، وتشريد ٤٦١ تلميذاً!!

اعتصم الأهالي أمام بوابة المدرسة رفضاً لما سمّوه “الاستخفاف” بهم وبأبنائهم، ولفت المعتصمون الى أن مدرسة الآباء الأنطونيين التي تضم أقل من ٥٠٠ تلميذ، لا يمكنها استيعاب تلامذة ليسيه عبد القادر البالغ عددهم ١٩٥٠، مشيرين إلى معلومات تحدثت عن إنشاء “هنغارات” لتأمين مقاعد لهؤلاء التلامذة،وهتفوا مناشدين هند رفيق الحريري مالكة العقار بالتراجع عن عملية البيعـ كما توجهوا إلى الرئيس المكلف سعد الحريري بالقول: “الليسه إلنا والسما زرقا”.

ويُذكر أنّ الليسيه عبد القادر هي من أعرق مدارس بيروت، وهي واحدة من أقدم المدارس باللغة الفرنسية في البلاد، أسّستها البعثة العلمانية الفرنسية مطلع القرن العشرين في منطقة زقاق البلاط في وسط بيروت، قبل أن يشتريها الرئيس رفيق الحريري ومؤسسته التي عملت على ترميم أبنيتها التراثية، وتجديد تجهيزاتها وتحديث مختبراتها، كما أضافت إليها مبانٍ جديدة تستوعب المزيد من التلاميذ.

ومن أبرز أبنية مدرسة الليسيه عبد القادر التراثية فيلا من ٣ طبقات بُنيت على الطراز اللبناني التقليدي، وقد أصبحت بعد ترميمها واحدة من أبرزالأبنية التراثية في بيروت التي تشهد على أصالة الفن المعماري وعلى عراقة المدرسة .

من جهته، تابع وزير التربية والتعليم العالي مروان حماده موضوع مدرسة الليسيه عبد القادر والمدرسة الأنطونية في بعبدا، والفوضى التي أثارتها مسألة محاولة بيع المدرسة والانتقال إلى أخرى، وأجرى اتصالاً بالرئيس العام للرهبانية الأنطونية الأباتي مارون أبو جودة مستوضحاً الأمر، وعبّر عن استنكاره “لطريقة التعاطي التي استهدفت الرهبان الأنطونيين المسؤولين في المدرسة”، وأعرب عن تأييده “للمساعي الحميدة التي قام بها الرهبان بتوجيه من الأباتي أبو جودة”.

وفي العام الماضي، أبلغت إدارة ليسيه عبد القادر في منطقة البطريركية أهالي الطلاب أنّ المدرسة ستنتقل، مع نهاية عام ٢٠١٩ إلى مكان جديد، لأنّ صاحبة العقار هند رفيق الحريري مصممة على استرداده، وأكّدت أن “مؤسسة الحريري” والسفارة الفرنسية” تحاولان إيجاد بديل ضمن بيروت، وبقي البحث عن المكان محاطاً بسرية تامة إلى أن كُشف موقعه الجديد، وهو ثانوية الآباء الأنطونيين في بعبدا.

وكانت هند رفيق الحريري قد قررت بيع العقار الذي شيدت عليه ليسيه عبدالقادر منذ خمس سنوات، ولم يتأخر رجل الأعمال “وسام عاشور” على دفع المبلغ الذي طلبته هند الحريري وظل العقد طي الكتمان، لفترة ليست بطويلة قبل أن يطلب عاشور من القيمين على المدرسة وجوب إفراغ المبنى الذي سيهدمه لإقامة “مول”،.

انشغال عاشور بتشييد مولات ومنتجعات في مناطق أخرى،أجّل نفيذ المشروع المقررة إقامته على عقار الليسيه إلى حين الانتهاء من مشروع الإيدن باي، والذي وضع عاشور كل إمكاناته لاستكمال تشييده وافتتاحه، بعد أن شهد معارضة على خلفية اتهامه بأنه يشغل أملاكا عامة.

يصمم عاشور اليوم على بناء “المول” مكان “الليسيه”، وقد انتهت التجهيزات اللوجسيتية الخاصة بالهدم والحفر، ويرجح أن ينتهي العمل في المشروع بعد ثلاث سنوات على أبعد تقدير.

في ظل كل هذه الأحداث والتحركات غرّد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط عبر “تويتر” قائلاً: “أوقفوا المشروع الإجرامي التجاري لهدم الليسه عبد القادر وتحويله إلى مول شبيه بالمولات البشعة في فردان أو غيرها”.

ودعا “إلى المحافظة على ما تبقّى من تراث، وهذه مهمة بلدية بيروت في استملاك العقار وجَعله متحفاً، لقد استملكت تلك البلدية عقارات عديدة ومنها أرض لمسلخ خارج بيروت. كفى هدماً لذاكرة بيروت”.

كما أكد الإعلامي هشام حداد في تغريدة على حسابه عبر “تويتر أن “‏ذكرياتنا مش حجار بتملكن هند الحريري”، لافتاً إلى أن “مدرستي الليسيه عبد القادر اللي قضيت فيا أحلى أيام عمري ما عملتا البعثة العلمانية الفرنسية لتجي حضرتك تبيعيا لتصير مول”. وأشار إلى أن “الاعتصام المفتوح بحرم المدرسة صار قريب”، مضيفاً “سرقتو الحاضر والمستقبل عالقليلة تركولنا الماضي”.

وبعد هل بين عملية التوفيق المستحيل بين الحفاظ على الذاكرة والحق في الاستثمار، يضيع حق الطالب في تلقي العلم وربما يجدون أنفسهم أسرى “الهنغار”.