حزب الله يدبّر خروج جمال سليمان إلى سوريا/لماذا غادر جمال سليمان من المية ومية الى دمشق وما دور حزب الله

125

حزب الله يدبّر خروج جمال سليمان إلى سوريا!
المدن – لبنان/الأربعاء 07/11/2018

فصل جديد من فصول “السلاح غير الشرعي” رُتّب ودُبّر (كالعادة) في عتمة الليل وعلى غفلة من سيادة لبنان وكرامة مواطنيه وكبرياء دولته. أمس، طوى مخيم المية ومية صفحة الاشتباكات الأخيرة، بين حركتي فتح وأنصار الله. وطوى معها مرحلة من تاريخه، لعب فيها أمين عام ما يسمى “أنصار الله”، جمال سليمان، دورا أساسياً في التطورات السياسية والأمنية في هذا المخيم وربما في غيره، منذ أن اختار الانشقاق عن حركة فتح أواخر الثمانينيات والالتحاق بحزب الله في مواجهة أمل، أبان “حرب الأخوة” حينها (1988).

رواسب “حرب الأخوة”
اختار حزب الله جمال سليمان، وحركته التي أسسها لاحقا باسم “أنصار الله”، ذراعاً أمنياً له في المخيمات الفلسطينية في لبنان. وكما أدخله العداء مع أمل في حلف مع الحزب في ذلك الحين، أخرجه اليوم الاتفاق بين أمل والحزب من مخيم المية ومية، لينتهي التوتر الأمني الناجم عن الاشتباكات الأخيرة، من دون أن يعني خروج سليمان نهاية لدوره، على الأقل حتى الآن، وبانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من تطورات متصلة بهذا الملف.

في التوقيت، جاء خروج سليمان بعد مضي عشرة أيام على التوصل إلى اتفاق، برعاية حركة أمل وبالتنسيق مع حزب الله، من أجل تثبيت وقف إطلاق النار في المخيم، في أعقاب الاشتباكات التي شهدها المخيم بين فتح وانصار الله، أوقعت أربعة قتلى من فتح ونحو ثلاثين جريحا، واستدعت استنفاراً سياسياً وأمنيا لبنانياً على أعلى المستويات، بعدما طاول انفجار بعض القذائف والرصاص أجواء بلدة المية ومية المسيحية، التي يقع المخيم على أراضيها، وبعض القرى المجاورة، بالإضافة إلى مدينة صيدا. إذ تصاعدت خصوصاً الأصوات المسيحية، مطالبة بدخول الجيش إلى المخيم ووضع حد للفلتان الأمني الذي بات يتهدد البلدة والجوار، وكان مدخلاً لبعض وجهاء البلدة وقيادات مسيحية في المنطقة لفتح ملف عقارات المية ومية، التي أُنشىء عليها المخيم، وتمدده باتجاه البلدة .

كان اندلاع الاشتباكات الأخيرة بين فتح وأنصار الله في المخيم مناسبة لتصفيات حسابات متراكمة من قبل فتح، التي بدت هذه المرة وبقرار مركزي مصرّة على إنهاء “حالة” سليمان، الذي بات بنظرها يشكل خطراً على المخيم، وسبق أن وجهت إليه اتهامات، من قبل مسؤولين ومناصرين لفتح، بالوقوف وراء أحداث أمنية شهدها المخيم، بل واغتيالات طالت عدداً من مسؤولي الحركة.

إشراف وفيق صفا
لذا، سارع حزب الله، الذي شكل سليمان لعقود “طابوره الخامس” في المخيمات، إلى التدخل لإخراجه وإنقاذه. فتلاقى توجّه الحزب مع مبادرة الرئيس نبيه بري، لمعالجة الوضع القائم في المخيم، وكان الاتفاق من بنود ثلاثة: “تثبيت وقف النار، نشر لجنة مراقبة، وسحب المسلحين”، بالإضافة إلى بند رابع بقي غير معلن، وهو خروج (أو إخراج) جمال سليمان، مع عائلته ومجموعة من عناصره من المخيم. وتُركت آلية تنفيذ هذا البند لحزب الله بالتنسيق مع أمل، ومع قيادتي فتح وأنصار الله. وتولى مسؤول وحدة الإرتباط في الحزب، الحاج وفيق صفا شخصياً، الإشراف على التنفيذ .
تم ابلاغ سليمان بهذا التوجه، وُطلب منه يوم السبت الماضي بدء الإعداد للمغادرة، وتحديد الأشخاص الذين سيخرجون معه. في هذا الوقت، كانت فتح لا تزال تستنفر عناصرها وتمارس الضغط باعتصامات شعبية تطالب بخروج سليمان.

أربع زوجات
بعد اجتماع مسائي في سفارة فلسطين، استُكمل لاحقاً في صيدا، التي انتقل إليها وفيق صفا للإشراف على تطبيق الخطة، توجه عدد من السيارات رباعية الدفع إلى داخل المخيم، بمواكبة أمنية من حزب الله، قرابة منتصف ليل الثلاثاء، وعملت ثلاث منها على نقل سليمان وزوجاته الأربع وأولاده الستة، وعشرة من عناصره إلى خارج المخيم، عبر طريق خلفية لا تمر بمدينة صيدا. وعلمت “المدن” أن الموكب توجّه مباشرة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل وجهته التالية، التي رجحت مصادر فلسطينية أن تكون الأراضي السورية. وكان قد سبق خروج سليمان وصول قوة قوامها 25 عنصراً من أنصار الله من مخيم عين الحلوة، تسلمت المربع الأمني لسليمان تحت إشراف المسؤول في أنصار الله ماهر عويد.

بالتزامن مع خروج جمال سليمان وبدء إنهاء المظاهر المسلحة، تمهيداً لعودة الحياة إلى “طبيعتها”، بدأت تُسجل تباعا عودة عشرات العائلات، التي كانت غادرت المخيم قسراً إبان الاشتباكات الأخيرة.

إزالة المتاريس
حركة فتح، التي حافظت على مواقعها ونقاط انتشارها الأساسية في المخيم، بادرت منذ الصباح إلى إزالة الدشم والسواتر الترابية، من على “محاور القتال” السابقة مع انصار الله.. استكمالا لتنفيذ بنود تثبيت وقف اطلاق النار في المخيم.

وأشرف قائد “قوات الأمن الوطني الفلسطيني” في لبنان، اللواء صبحي أبو عرب، على عملية إزالة هذه الدشم يرافقه مسؤول الارتباط العميد سعيد العسوس.

إثر جولة داخل المخيم، وصف اللواء أبو عرب الوضع في المخيم بالممتاز، وقال “هناك ارتياح من أهالي المخيم لما حصل اليوم، بعد خروج جمال سليمان ومن معه ليل أمس، ونحن من جهتنا سنباشر بإزالة الدشم لتعود الحياة الطبيعية لهذا المخيم، ونفتح المدارس والعيادات وتعود الحياة كما كانت في السابق”.

وأضاف: “ليس لدينا توجهاً لأي ممارسة انتقامية، نحن نريد أن نحافظ على هذا المخيم وأهله، وبعد الاجتماعات التي حصلت في سفارة دولة فلسطين، بين سعادة السفير أشرف دبور والأخوة في حزب الله وحركة أمل والدولة اللبنانية، نقول أن الأمور ممتازة وجيدة، باذن الله”.

وتابع: “بالنسبة إلى الأخوة في الجوار، نطمئنهم بأننا التقينا رئيس بلدية المية ومية، وفي وقت سابق التقينا بالنائب أسامة سعد والنائبة السيدة بهية الحريري، وإن شاء الله الأمور ممتازة، ونقول لهم نحن وأنتم واحد، وكما نريد الحافظ على مخيمنا وأنفسنا نريد أيضاً الحافظ عليكم. وستبدأ صفحة جديدة بل ممتازة. ونقول للأهالي الذين نزحوا، تفضلوا وارجعوا إلى بيوتكم”.

وعلى المقلب الآخر، كان المسؤول في حركة أنصار الله ماهر عويد يتابع عن بعد عملية إزالة الدشم، ومن داخل المربع الأمني لسليمان، الذي رفعت صورته ورايات تنظيمه على واجهة أحد المباني. قال عويد للصحافيين: “بعد الحدث المأسوي الذي وقع في مخيم المية ومية، وبجهود إخوتنا في حركة أمل وحزب الله، تمت إزالة كل الإشكالات التي حدثت في المخيم. ونحن نعتذر من شعبنا الفلسطيني على الأحداث. يجب أن تكون البندقية موجهة نحو فلسطين من أجل تحرير كل فلسطين من بحرها إلى نهرها”.

قصة جمال سليمان وصحبه والأوصياء عليهم، كما سيرة البندقية وشعار تحرير فلسطين والرايات المزخرفة باسم الله، تذكّر اللبنانيين والفلسطينيين بتاريخ ليس فيه سوى المهانة والتفاهة والموت العميم.

 

لماذا غادر جمال سليمان من المية ومية الى دمشق وما دور حزب الله؟
جنوبية 7 نوفمبر، 2018 /غادر مسؤول مجموعة انصار الله الشيخ جمال سليمان، في حماية أمنية نحو سوريا، بعدما وفّر حزب الله له شروط الخروج على قاعدة انسحاب حركة فتح من الأحياء التي تقدمت فيها خلال المعركة الأخيرة مع مجموعة أنصار الله.
وكانت الخيارات التي جرى تقديمها لسليمان قبل ايام، هي الخروج الى مخيم عين الحلوة أو الضاحية الجنوبية، أو الى مخيم الرشيدية جنوب مدينة صور، فيما نقلت أوساط في حركة فتح التي طلبت بخروجه من المخيم بعد المواجهات العسكرية التي خاضتها معه، أن سليمان رضخ لفكرة الخروج الاّ أنه التف عليها عبر البحث عن سبيل للخروج من لبنان. تشير الأوساط المتابعة في تفسير موقف سليمان، الى أن الأخير كان يتخوف من الملف الأمني الذي يكشف تورطه في تفجيرات أمنية، وهو ما يتكتم عليه جهاز أمني، كان ألقى القبض على احد المقربين من سليمان قبل أشهر قليلة وكان يتولى إدارة مجموعة انصار الله، لذا فهو يدرك بحسب الأوساط أن خروجه الى الأماكن المقترحة عليه قد يجعله صيداً سهلاً في مرحلة لاحقة ليحاكم في ملفات امنية لا تقل أهمية عن تلك التي تورط بها ميشال سماحة، خصوصا أن المعلومات تشير الى أن الشيخ سليمان هو في الأصل وديعة سورية عند حزب الله. وفي إشارة الى دور حزب الله في حمايته، فإن الجيش اللبناني كان قد اتخذ قراراً بالقضاء على مجموعة انصار الله في مخيم المية ومية، وتلقى الجيش دعما من رئيس الجمهورية في هذه الخطوة، التي جرى الاعداد لها بالتنسيق مع حركة فتح، وعندما حان موعد انجاز هذه الخطوة قبل حوالي أسبوعين، تدخل حزب الله واوقف الهجوم، علما أن قيادة الجيش كانت قد وعدت أبناء بلدة المية ومية بحسم هذا الوضع الشاذ غداة انتشارها على مداخل البلدة وفي محيط المخيم. التحركات داخل المخيم التي جرت من قبل الفلسطينيين المطالبة بخروج مجموعة انصار الله والشيخ سليمان على وجه التحديد، لاقت تجاوبا اولياً من حزب الله، الذي أدرك أن الملفات التي تمس الشيخ سليمان باتت ثقيلة وبات إخراجه من المشهد الفلسطيني اللبناني، افضل من بقائه بالنسبة للحزب، لا سيما أن حزب الله متمسك ببقاء مجموعة انصار الله في المخيم، لاسباب تتصل بسلطته على المخيمات وإدارتها سياسيا وأمنية. لذا اشترط حزب الله ان يتولى نائب سليمان المسؤولية في حال تم خروج الشيخ سليمان من المية ومية. والى جانب الاعتراض الفلسطيني الذي اتسع ضد سليمان، ثمة من يشير الى أن رئيس الجمهورية الذي يريد إنجازا في المخيم، يؤكد من خلاله انه قادر على الحسم في هذا الملف وحماية أبناء قرية المية ومية، أصرّ على تنفيذ خطوة السيطرة الرسمية على المخيم، وعلى رفع اليد عن العقارات العائدة لبلدية المية ومية. مسارعة تنفيذ عملية إخراج سليمان، جاءت في سياق إغلاق ملف المطالبة بنزع السلاح في مخيم المية ومية، التي يرفضها حزب الله، لا سيما أن المطلوب إبقاء المخيم في حالة قابلة للاستثمار الأمني والسياسي. وتشير المعلومات الى أن لحظة العقوبات الأميركية الضاغطة على ايران وعلى حزب الله، لن تسمح بحلّ مقبول لملف انصار الله، طالما أن هذا الحل سينسب الى الشرعية اللبنانية والى الشرعية الفلسطينية، فيما حزب الله يرفض ان يكون مجرد طرف من بين اطراف مقررة في الملف الفلسطيني اللبناني، بل يصرّ على أن يكون صاحب القرار الأول والأخير في هذه القضية وسواها من قضايا اللجوء الفلسطيني ومتعلقاته في لبنان.