علي الأمين: العقوبات مدخل إيران لإعلان تفاهم «الضرورة» مع إسرائيل//العقوبات الأميركية تفضح هزيمة الأيديولوجيا الإيرانية

30

العقوبات مدخل إيران لإعلان تفاهم «الضرورة» مع إسرائيل
علي الأمين/جنوبية/06 تشرين الثاني/18

العقوبات الأميركية على إيران ليست جديدة، وكان النظام الإيراني قد اعتاد على نمط من العقوبات المماثلة خلال العقود الماضية، هذا لسان حال العديد من أركان النظام، الذي يعبرون عنه من خلال المواقف التي يصدرونها بين الحين والآخر للتأكيد على أن العقوبات لن تغير في سياسة إيران تجاه جملة شروط بلغت 12 بنداً، تتصل بالمشروع النووي ومراقبته، والأسلحة الباليستية. والجديد هو ما يرتبط بسياسة إيران الإقليمية ووقف تدخلاتها في شؤون الدول المحيطة، وهي بنود فرضتها الإدارة الأميركية كشرط لوقف العقوبات على إيران.

النظام الأيديولوجي في إيران قد ينجح في استثمار العقوبات لمزيد من تشديد قبضته على السلطة والمجتمع، وهو أسوة بالعديد من الأنظمة الديكتاتورية، يدرك أن التحدي الخارجي يشكل عنصر قوة للنظام الذي طالما قامت قوته ليس على حسن إدارة الأوضاع السياسية والاقتصادية والمالية داخل حدود دولته، بل على التمدد الخارجي وتحقيق السيطرة والنفوذ خارج إيران.

النظام الأيديولوجي الذي يسيطر على هذا البلد، فشل في إقناع الشعب الإيراني بانه مؤهل لإحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الإيراني تتناسب مع حجم الثروات الطبيعية التي تمتلكها إيران، فضلا عن المساحة الجغرافية الشاسعة التي تفوق المليون ونصف مليون كلم2 ، إلى جانب عدد السكان الذي يبلغ نحو ثمانين مليون. لذا عملت القيادة الإيرانية دوماً، على تغطية الفشل الداخلي بمعارك خارجية شكلت وبالاً على شعوب المنطقة ودولها. بعد 40 عام على قيام الثورة في إيران وتأسيس النظام الإسلامي، بدا واضحا أن إيران عاجزة عن أن تكون قوة بناء، أو نموذجاً لدولة قادرة على صناعة نموذج ناجح وجاذب على المستوى السياسي، أو الاقتصادي أو التنموي، فبعد عقود من الحكم الأيديولوجي، لم تستطع ايران التي بشرت ثورتها بالنموذج الإسلامي للتنمية والاقتصاد في مقابل نموذجي النظامين الرأسمالي والاشتراكي، أن توفر موارد مالية لإطعام شعبها، غير موارد بيع النفط،.

يذكر المتابعون كيف أن الخطاب الثوري الإيراني ومنذ انطلاقته الأولى بعد الثورة، كان يعتبر أن سلاح النفط يجب أن يستخدم في مواجهة “الاستكبار العالمي” وفي خدمة التنمية، وإذا به يتحول إلى سلعة في يد الاستكبار، بل كان هذا الخطاب الثوري يرى أن إيران لن تستمر في العيش على بيع نفطها بل ستجد سبلاً لتطوير اقتصادها وقطاعاتها، ولكنها فشلت في تحقيق ذلك وبقي النفط مورد عيشها شبه الوحيد. ما تقايض به إيران واشنطن وبقية العواصم المؤثرة، هو “الركام العربي” الذي بات ورقة القوة الإيرانية التي يمكن استخدامها للتخفيف من العقوبات، من اليمن إلى لبنان إلى غزة وسوريا والعراق، وهذه المقايضة نجاحها مرهون بقدرة إيران على شرعنة نفوذها الإقليمي دولياَ ودائما ضمن شروط أميركية ودولية، لذا فإن عامل الوقت حاسم، وقدرة إيران على المناورة تتراجع، مع تراجع المواجهات العسكرية في هذه الدول، وانهماك المجتمع الدولي في صوغ الحلول والتسويات، وفي أجواء العقوبات التي ستحدّ من قدرتها التمويلية لميليشياتها في المنطقة، لاسيما بعد استنزاف موارد ها وطاقاتها في أزمات وحروب المنطقة العربية.

من هنا يمكن فهم محاولة كسر الحواجز النفسية والسياسية مع إسرائيل، فمشاركة وفدين إسرائيلي وايراني في مؤتمر اقتصادي في الدوحة قبل أيام، وتنشيط الدور العماني في اتجاه إسرائيل، فضلا عن التفاهمات التي أنجزت في جنوب سوريا بما يناسب المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى، كلها رسائل إيرانية تنطوي على استعداد لصوغ تفاهمات مع إسرائيل، تتيح لإيران القدرة على البقاء في المنطقة العربية ضمن تفاهمات إقليمية ودولية. من ناحية أخرى كانت الشروخ الاجتماعية والمذهبية التي كان لإيران دور محوري في تعميقها، كفيلة بأن تجعل من كشف التواصل الإيراني-الإسرائيلي في مرحلة لاحقة أمراً عاديا بل مقبول ومبرر. بات واضحاً أن خطوات التقارب الإسرائيلي-الإيراني في سياق صوغ تفاهمات بين الطرفين هو الهدف الذي يمكن لإيران من خلاله أن تضمن عدم انهيار ما حققته من نفوذ، ولكن من دون أن يعني ذلك قيام سلام بين الدولتين، بل الأخطر من ذلك، هو التفاهم على إدارة المصالح بينهما في المساحة العربية من دون المسّ بالعمق الإيراني ولا العمق الإسرائيلي.

العقوبات الأميركية تفضح هزيمة الأيديولوجيا الإيرانية
علي الأمين/العرب/06 تشرين الثاني/18

النجاح الأبرز لإيران: تدمير بلدان عربية
في موقف له قبل ثلاثة أيام من انطلاق الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية ضد إيران في الخامس من الشهر الجاري، اعتبر المرشد علي خامنئي في خطاب له ردّاً على العقوبات، أن “أميركا مُنيت بالهزائم أمام إيران على مدى الأربعة عقود الماضية، فيما كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي المنتصرة في تلك التحديات”.

يعتبر المرشد الإيراني أن عدم وصول واشنطن إلى طهران دليل على هزيمتها. هذا الموقف يمكن إدراجه في سياق الخطاب الذي يهدف إلى شدّ أزر مناصري النظام في إيران، في مواجهة أقسى عقوبات تتعرّض لها إيران منذ بداية الحكم الإسلامي قبل نحو أربعين عاما، وهو ينطوي على ذخيرة الأيديولوجيا التي شكّلت وتشكّل السلاح الوحيد الذي يمكن من خلاله إضفاء صورة نضالية للنظام الإيراني، الذي يعاني ليس من الضغوط الأميركية، بل من الفشل التاريخي لنظام قدّم نفسه قبل 40 عاما باعتباره نظاما يهدف إلى تحويل الشعب الإيراني من الفقر إلى البحبوحة، فكانت سياساته وبالا على الشعب الإيراني الذي خرج بالملايين في أكثر من خمسين مدينة احتجاجا على سياسات الحكومة التفقيرية والمفسدة.

فشل للنظام الإيراني الذي قدّم نفسه على أنه نواة الوحدة الإسلامية ونموذج لوحدة المسلمين، فأنتج كارثة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، عندما ساهم في صناعة شرخ بين المسلمين على امتداد العالم الإسلامي، فرسّخ الوعي المذهبي كما لم ينجح أحد في ترسيخه.

الهزيمة التاريخية تكمُن أيضا في الفشل الذريع في بناء اقتصاد إيراني متماسك ويقارع النظامين الاقتصاديين الرأسمالي والاشتراكي، الذي طالما ردد أركان النظام ومنذ انتصار الثورة الإسلامية أنهم ينجزونه، لكنهم وصلوا إلى ما هو أسوأ من النظامين، إذ ليس لدى إيران اليوم غير الوقوف على أعتاب موسكو وبكين وطوكيو والاتحاد الأوروبي لطلب العون، فيما نظّرت الأيديولوجيا الإيرانية لمقولة “لا شرقية ولا غربية جمهورية إسلامية”، وهي شعارات لم ينل الإيرانيون منها إلا الفقر والعوز والفساد، ولم ينل منها المسلمون القريبون لإيران والبعيدون عنها، إلا المزيد من التفرقة وتدمير المجتمعات والكيانات التي ينتمون إليها، فسادت التفرقة على حساب الوحدة.

الفشل أو الخديعة الكبرى التي انطلت على كثير من العرب والمسلمين، هي تحرير فلسطين واستنقاذ القدس، ونصرة المستضعفين في الأرض، فها هي فلسطين تتهوّدُ في زمن الانتصار الإيراني وتمدده، بل في ظل وجوده الفاعل على حدود فلسطين المحتلة، في لبنان وغزة وجنوب سوريا.

ما معنى كل هذه القوة الإيرانية التي أثبتت فاعليتها في حماية نظام الأسد وقمع الشعب السوري وقتله وتهجيره، فيما تبدو اليوم قوة عاجزة عن أن تلجم إسرائيل عن أي خطوة تخطوها لتهويد فلسطين.

ما لم تنجح إسرائيل في تحقيقه نجحت إيران في إنجازه، وفتحت الطريق إلى القدس، لكن لدخول إسرائيلي سلس لم يكن ليتحقق لولا الماكينة الإيرانية التدميرية التي شقّت الطريق لهذا الدخول الإسرائيلي إلى كل المنطقة العربية

وأخيرا وليس آخراً في سرد بعض مظاهر الهزيمة الإيرانية، لم تكن إيران يوما جادة أو صادقة في مواجهة واشنطن، أي أنها لم تقف في وجه الولايات المتحدة حينما دخلت إلى الخليج العربي إثر احتلال الكويت عام 1990 ولا كانت مستاءة، بل نسّقت مع واشنطن، كما بات معروفاً حين احتلت واشنطن أفغانستان والعراق، وها هي اليوم تستنجد بسلطنة عمان لإعادة بناء تفاهم مع إسرائيل، ولا يهتز عنفوانها الأيديولوجي من أن يتواجد وفدها الرسمي مع الوفد الإسرائيلي في مؤتمر اقتصادي في العاصمة القطرية، هي التي طالما كانت وميليشياتها في المنطقة العربية تقيم الدنيا ولا تقعدها لو حصل أيّ اتصال بين شخص أو مسؤول عربي مع إسرائيلي سواء كان مسؤولاً أو حاملا للجنسية الإسرائيلية.

الانتصار الإيراني قد يصحّ ولكن ليس على الولايات المتحدة، التي حصدت ومازالت تحصد نتائج السياسات الإيرانية. يجب أن نقرّ أن إيران انتصرت على الدول العربية، ليس على الأنظمة بل على المجتمعات التي جرى العمل على تدميرها المنهجي، وكانت إيران الطرف الفاعل والمؤثر في عملية التدمير. وما لم تنجح إسرائيل في تحقيقه نجحت إيران في إنجازه، وفتحت الطريق إلى القدس، لكن لدخول إسرائيلي سلس لم يكن ليتحقق لولا الماكينة الإيرانية التدميرية التي شقّت الطريق لهذا الدخول الإسرائيلي إلى كل المنطقة العربية.

لم تنطو العقوبات الأميركية ولا السياسة الأميركية تجاه إيران، يوماً على إسقاط النظام الإيراني، وكل ما تقوله واشنطن اليوم وكل المحللين الأميركيين، مفاده أن الهدف هو تغيير السلوك الإيراني وفرض آليات جديدة لضبط ومراقبة المشروع النووي السلمي، ذلك أن إيران لم تكن يوما عنصرا معوقا لمزيد من النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، بل كانت عنصرا مساعدا لتعزيز هذا النفوذ.

لكن الذي تحمله العقوبات اليوم في البعد الاستراتيجي الأميركي، هو خطة الانتقال إلى مرحلة جديدة، فبعد إنهاء النظام الإقليمي العربي إلى حدّ كبير بفعل التدخلات الإيرانية في الدرجة الأولى، وبعدما أفلحت إيران في مأسسة الشروخ في أكثر من مجتمع عربي بسلاح المذهبية، وإزاء هذا الركام الناتج عن تدخلات إيران في الدول العربية، فإن المهمة الإيرانية تكون قد أنجزت إلى حدّ كبير، وليس المطلوب عدم مكافأة إيران على منجزاتها على هذا الصعيد، بل المطلوب هو التكيّف مع مرحلة جديدة تريد واشنطن من خلالها إعادة ترتيب وبناء المنطقة على قواعد لا يشكل العنصر الميليشيوي أداتها الرئيسية، فعلى القيادة الإيرانية أن تتأقلم مع متطلبات المرحلة الجديدة، بينما المشكلة لدى حكام إيران اليوم تكمن في أن سياساتهم الخارجية وتمدد الحرس الثوري كانا وسيلة لتغطية الفشل الداخلي في الاقتصاد والتنمية وفي بناء نموذج متماسك داخليا.

لذا فان إيران تعاني اليوم من عجزها عن اختلاق شعارات أيديولوجية جديدة قابلة لأن تقنع شعبها بضرورة التضحية من أجلها، وهي في الوقت نفسه عاجزة عن الصمود إلى مدى طويل في مواجهة العقوبات من دون أن تقدّم مقابلا باهظا لسماسرة العقوبات وعلى رأسهم الصين وروسيا وتركيا، فالصمود لن تكون نتيجته بعد كل العداء الذي برعت إيران في صناعته مع شعوب المنطقة المحيطة بها، إلا المزيد من الارتهان لمن تسمّيهم “أصدقاء” من دول ستسعى إلى استغلال إيران إلى الحدّ الأقصى، ولم تكن خطوة إعفاء بعض الدول من عقوبات التعامل مع إيران كما قرّر الرئيس الأميركي قبل أيام، إلا وسيلة لمكافأة هذه الدول وبشروطه، وليس تخفيفا عن النظام الإيراني، الذي بات عالقاً بين كماشتي العقوبات الأميركية القاسية من جهة، وجشع السوق السوداء والأصدقاء الذين سيتكفلون باستنزاف الاقتصاد الإيراني أكثر فأكثر من جهة ثانية.

الانتصار الإيراني على الولايات المتحدة كان يمكن أن يكون فعلا إيرانيّا صحيحاً، لو أن الأيديولوجيا الإيرانية لم تكن وظيفتها ومصدر قوتها الفعلي هو تدمير الدول العربية وإضعافها، وكانت فعلا في مواجهة السيطرة الغربية وفي مواجهة إسرائيل، وأيديولوجيا تعمل من أجل رفاه الشعب الإيراني. هذا لم يكن منذ عقود ولن يستطيع أن ينتصر على الولايات المتحدة طالما أن كل انتصاراته كانت تتم بمعونة أميركا نفسها، فمن سيعينه اليوم؟

*علي الأمين/كاتب لبناني