الكولونيل شربل بركات/أم النور أو أم النوّار

36

أم النور أو أم النوّار
الكولونيل شربل بركات/05 تشرين الأول/18

في تراثنا العينبلي (بلدة عين إبل الجنوبية) كان دوما لأم النور، السيدة العذراء، دورا ومهمة، فهي رفيقة الكل في مشوارهم اليومي، تسمع لرب العائلة وتسهم بدفعه للعمل المستمر والبعيد عن السرقة والاستغلال والهيمنة والتسلط أو انتظار الدولة والمحسنين أو غيرهم من “المانحين”. وهي تفتح له طرق الابداع لسد الحاجة، بالقلة أحيانا، ولكن بكل الكرامة التي تكفيه الذل والتبعية.

وهي رفيقة الأم التي تعمل ليل نهار لجعل عائلتها وبيتها موطن الفرح والمحبة ومكان اللقاء الأمين والحميم، وجائزة دائمة لذلك الذي يعمل طيلة النهار بدون كلل أو ملل.

وهي تواكب الشاب الممتليء بالعنفوان فتمنع عنه التسّرع والاستخفاف بالآخر أو الانقياد بالشهوات العابرة، وتحثّه على بناء المستقبل والتحضير للارتباط الدائم بشريكة العمر التي معها، يسهم في زيادة تزيين الكون بطاقات جديدة وأطفال تملأ ضحكاتهم بيته الصغير وتبسّط الهموم مقابل السعادة المنتشرة حوله.

وهي صديقة الفتاة المهذّبة والمكافحة بكل نشاط وجد للمساهمة بدعم الوالد ومساعدة الوالدة، وبنفس الوقت، تعلّم فنون الحياة والاستعداد للمهمة القادمة التي تهيء نفسها لها مع شريك منتظر، تقدّر فيه الطموح وتنمّي المحبة المبنية على تألق بارز، بالجمال وسرعة الخاطر وخفة الدم، وبالذكاء الذي يجعل الاحترام المتبادل عنوان كل اللقاءات التي تنتهي بالاختيار الحسن لتناغم نفسين ستبنى عليهما أسس العائلة الدائمة والتي تسهم بتقدم المجتمع الصغير، فلا تقطعها صعوبة ولا تنهيها شدة أو تعقدها ذلة…

أم النور هذه كانت معلما لنا في مدخل البلدة ومنارا لكل زائر وهي كانت حامية “الضهر العاصي” والمستجيبة لكل دعاء. وهي شفيعة البلدة في الصعاب وزينتها أيام الفرح والبحبوحة. ولكن اسمها الذي اطلق على المدخل الشمالي دوما عرفناه بشكل مختلف فما الفرق بين الأسمين ولماذا طغى الأسم الآخر على “أم النور” ؟

عرفنا منذ الصغر تلة العاصي “بأم النوّار” وهكذا سميناها ونقلنا الاسم كما هو ولم نكن ندري بأنه هو نفسه اسم ملكة السماء مريم العذراء “أم النور” كما ندعوها اليوم، ولكن ما هو افرق بين النور والنوّار ولماذا سميت بأم النوّار في تقليدنا العينبلي؟

النور باللغة التي نحكيها هو الضوء الذي يلفنا ويجعلنا قادرين على الرؤية وهو يشعّ بدون شك (هو- شع- نا) من كل من تقرّب من الله ورأينا بوجهه صورته تعالى (كما نحب أن نوصف من نحس بأنه قريب بأعماله أو سيرته منه صبحانه). أما النوّار فهو الجسم أو الشخص الذي ينير وهنا المعني هو السيد المسيح ابن العذراء مريم الذي نعتبره مصدر النور ومعطي النور وهو إذا ليس النور بحد ذاته إنما أكثر من ذلك هو المنير أو “النوّار” ومن هنا كان اسم أعلى مرتفع في البلدة، والذي يشكل مدخلها الرئيسي “أم النوّار” لا أم النور.

فإلى “أم النور” نرفع الصلاة وإلى “أم النوّار” نتقدم بالدعاء لكي تبقي لنا “ضهر العاصي” عاصيا على الشر والأشرار ومدخلا للخير والمحبة ومحجا للتبرّك من مقامها وملتقى لكل من يزور “بلاد البشارة” التي يجب أن تبقى درة في تاج لبنان تبشّر الداخل من جنوبه بأنه يطأ أرضا مقدسة هي هيكل الله وتحثّ الساكن فيه أن يعرف قيمة العلاقة مع السماء ويقدر قوة الخير والتعاون ويستخف بالحقد والطمع ونتاجهما لأن موطن الأرز لن يشبه اي مكان آخر والنعمة التي تغلف الساكن فيه هي بحد ذاتها قيمة لا يمكن أن تستبدل بكنوز الأرض…