سناء الجاك/الخطف ينشط في البقاع وضغوط على العائلات لعدم تقديم دعاوى/عرسال تستعيد أنفاسها بعد خروجها من ورطة حرب داعش والنصرة/في بعلبك ـ الهرمل: غياب الدولة تعوضه الدويلة والمقاتلون العائدون من سوريا في منازلهم ويقبضون نصف راتب»

36

الخطف ينشط في البقاع وضغوط على العائلات لعدم تقديم دعاوى
سناء الجاك/الشرق الأوسط/29 أيلول/18

تشير «الدولية للمعلومات» إلى أنه منذ بداية عام 2011 وحتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، شهد لبنان 25 عملية خطف للمطالبة بفدية مالية، تم في معظم الأحيان تخفيضها، وفي أحيان نادرة جداً تم إطلاق المخطوف من دون دفع أي فدية نتيجة الضغوط والتدخلات الحزبية والسياسية؛ ما يشير بوضوح إلى معرفة الجهات الخاطفة المحددة بالأسماء والمناطق، ويثير الكثير من الاستغراب حول امتناع أو عدم تمكن القوى الأمنية من توقيفها وسوقها أمام القضاء، والاكتفاء بتوقيف بعض العناصر المنفذة الصغيرة، بينما تبقى الرؤوس الكبيرة خارج الملاحقة، والأمر «الإيجابي» في جميع عمليات الخطف أنه لم يتم قتل المخطوف. ويذكر أحد فعاليات الهرمل أن «من يخطف معروف بالاسم. وهو غالباً ما يحصل على الفدية والأجهزة الأمنية لا تفعل شيئا».ً ويروي أنه تم خطف رجل أعمال كبير في العمر في شتورا، أحد المتهمين بالخطف من قريتي. حضر مسؤول من الشرطة القضائية وتحدث إلي. كان متحمساً. وصف العمل بالإجرامي مصراً على تنفيذ العدالة. نصحته بأن يتروى لأن اللعبة أكبر منه. والهدف من إرساله هو تحريك المفاوضات لتحديد الفدية، ليتم الاتفاق، فيندفع أهل المخطوف. ويبقى الخاطف حراً. وهذا ما حصل».
مايا الشل عاشت تجربة خطف والدها الطبيب صالح الشل قبل عامين. والطبيب يملك مزرعة في تلال عمشكي المطلة على مدينة بعلبك، حيث يهتم بالأشجار ويعمل على سقايتها. وكان بعد الانتهاء من مرضاه يذهب إلى المزرعة ويعمل في الأرض، ويعود مساء إلى المنزل.
تروي مايا تفاصيل الخطف لـ«الشرق الأوسط»، فتقول «والدي كان يذهب إلى المزرعة ويعود منها في وقت محدد. لكنه تأخر ذات يوم، حاولنا محادثته. كان هاتفه مقفلاً. اتصلت بالناطور في المزرعة، فأجاب بأن والدي غادر في شاحنته الصغيرة مسرعاً باتجاه قرية الطيبة جنوباً، أي أنه غيّر طريقه ولم يتوجه إلى طريق المنزل. تعجبت لأن والدي لا يسرع وعلمت أن شيئاً ما غير سليم. انتظرنا 24 ساعة لتقديم بلاغ احتفاء».
تتابع مايا «اليوم التالي، تأكدنا من أن والدي تعرض إلى عملية خطف، توافد الأهالي للاطمئنان ومواكبة ما يجري معنا. أحد الأقرباء قال إن والدي مخطوف، مضيفاً أن لديه علاقات تسمح له بمتابعة القضية لمساعدتنا.
بالتزامن وخلال فترة قصيرة بدأنا نسمع إشاعات بأن والدي ضد (حزب الله) وأنه يطبب (دواعش) وأنه منهم، وأنه خطف لهذا السبب. وقال لنا القريب، المهم ألا يكون قد نقل إلى سوريا، حينها لا حول ولا قوة. كثرت الإشاعات، وترافقت مع تحرك شعبي قوي في بعلبك، وحملة مداهمات لرفع العتب في المنطقة».
في اليوم الرابع للاختطاف وُجدت شاحنة الطبيب محروقة. تقول مايا «أخذنا القريب إلى حيث السيارة ليلاً من دون وجود أي من القوى الأمنية في المكان. لم تظهر أي مؤشرات للسرقة، بدأنا نميل أكثر لكون الحادثة خطفاً وفدية. ثم اصطحبنا القريب إلى منزل مشبوه في قرية الطيبة. هناك أخبرنا صاحبه بأن والدنا بخير، وبأن علينا أن نطمئن ونهدأ. ثم اعتمد أسلوباً مبطناً من الضغط والتخويف بأن من خطفه يريد قتله. كان يحضّرنا نفسياً للقبول بدفع الفدية. وكان قلقنا فظيعاً؛ لذا عندما علمنا أنه مخطوف لقاء فدية شعرنا ببعض الراحة وترافقت الحادثة».
سؤال غير نظيف
وكان القريب قد سأل العائلة عن سندات تمليك الأراضي التي يملكها الطبيب المخطوف. تقول مايا «بدأت أشك بأمره، وتكرس الشك بعد أن أخذنا إلى المنزل المرتبط بالخاطفين، فأخبرت أبناء عمي بأنه شخص غير نظيف. طلبوا إلي أن أتروى لأن الهم الأساسي هو عودة والدي.
التطور الثاني حصل عندما أبلغنا هذا القريب بأن الخاطفين يطلبون 70 ألف دولار مقابل إطلاق سراح والدي، ولا يرضون بأن يخفضوا الفدية قرشاً واحداً، وأن حياة والدي معرّضة للخطر كل لحظة. بنتيجة المشاورات مع العائلة قررنا أن ندفع الفدية، فتسلمها القريب، الذي حملها برفقة ابن عمي إلى مكان التسليم. دخل القريب المكان، وأبقى ابن عمي خارجاً ينتظر. بالفعل بعد ذلك أطلق سراح والدي. تركوه قرب محطة وقود عند أحد مداخل بعلبك. بعد ذلك لامتنا الأجهزة الأمنية، وتحديداً فرع المعلومات؛ لأننا تصرفنا بهذا الشكل، مع أن أحداً لم يقدم لنا ما يساعدنا لمعرفة مصير والدي. وللتوضيح، الطريق التي خطف عليها والدي مراقبة من «حزب الله». وفي حين زارنا مسؤولون من حركة أمل وقدموا دعمهم المعنوي، إلا أن أحداً من مسؤولي الحزب في المنطقة لم يزرنا لا قبل إطلاق سراح والدي ولا بعده. ولدى سؤال الأجهزة الأمنية لهم عن حادثة الخطف قالوا إنهم لم يرصدوا أي سيارة.
وروى والدي لنا بعد إطلاق سراحه أن الخاطفين، وهما اثنان، هاجماه من الخلف وهو يتوجه إلى سيارته، أحدهما كان يحمل سكيناً، حاولا الإطباق عليه، لكنه قاومهما رغم أنه يبلغ 72 عاماً، حينها أطلق أحدهما النار بين قدميه، فاستسلم، عصبّا عينيه. وسمع أحدهما يقول للآخر، اتصل بفلان، ذاكراً اسم القريب. طلبوا في بداية الأمر 500 ألف دولار، قال لهم ليس لدي إلا الأرض، هنا تذكرت سؤال القريب عن السندات. والمفارقة أن والدي اتفق مع الخاطفَين في نهاية المفاوضات على دفع 50 ألف دولار؛ ما يعني أن القريب اختلس 20 ألف دولار من شركائه في الخطف، إضافة إلى حصته. بعد عودة والدي سليماً وتجميع المعلومات تماماً كما تجمع قطع البازل، قررنا رفع دعوى قضائية، وذهبنا إلى دائرة التحري في المنطقة. المسؤول هناك أخضعنا لمحاضرة عن دور المقاومة، معلناً بفخر أنه منتسب إليها. وذلك عندما قلنا له إن مكان الخطف خاضع لمراقبة «حزب الله». جراء موقفه هذا، قصدنا فرع المعلومات لنقدم الشكوى، وروينا ما جرى لنا في دائرة التحري مع رفضنا أن تدخل السياسة على قضية الخطف. لم يعجبني الأمر؛ إذ بدا أن تضاربا واضحاً بين فرع المعلومات ودائرة التحري. لكن بنتيجة تقديم والدي إفادته، تم توقيف القريب. هنا بدأت الضغوط من العائلة، البعض قال إنه تلقى تهديدات سينفذها المهددان إن نحن واصلنا الدعوى، وبعضهم الآخر تحدث عن عواقب الاستمرار بالدعوى على العائلة كلها ونحن مسلمون سنة في محيط شيعي، وفي أجواء ارتفاع منسوب اتهامات للسنة بالتعاطف مع «داعش» في المنطقة.

 

عرسال تستعيد أنفاسها بعد خروجها من ورطة حرب «داعش» و«النصرة»
وأبناؤها بين فكّي كماشة بسبب عودة المخابرات السورية وتمدد «حزب الله»

سناء الجاك/الشرق الأوسط/29 أيلول/18
تعلن صورة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الوصول إلى بلدة عرسال. هنا لا وجود لصور الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، والخميني، ولافتات تحمل شعار «يا حسين»، التي ترافق زائر المنطقة من بعلبك إلى الهرمل على امتداد 38 كيلومتراً.
عدا صور الحريري، تشير إلى البلدة حدة الصعود عبر طرق يجتاحها الغبار، وسط جرود تحفرها المقالع والكسارات فهي ترتفع عن سطح البحر من 1400 إلى 2000 متر. يغلب التصحر على جغرافيتها ويسيطر الجفاف عليها، ما ينعكس على طبيعة أهلها، وطبيعة البناء العشوائي في وسط المدينة، الذي حولته حركة التجارة الناجمة عن وجود نحو مائة ألف نازح إلى أسواق شعبية بامتياز. يقول أحد العرساليين إن «انتشار محلات السوريين يجعلنا نحسب أننا في القلمون السورية».
البلدة تواصل استعادة أنفاسها بعد الأحداث التي عاشتها. ففي نهاية عام 2011 بدأ الحديث عن وجود لمقاتلي تنظيم «القاعدة» في عرسال البقاعية، من مصادر النظام السوري، وأيدها في ذلك الحين وزير الدفاع اللبناني آنذاك فايز غصن، في حين نفى ذلك في حينه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ووزير الداخلية مروان شربل. «آنذاك لم يكن قد تم اختراع (داعش) وجبهة النصرة»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط» أحد السكان. وقام الجيش السوري بقصف البلدة مراراً، بحجة وجود قوات من المعارضة انسحبت إلى البلدة بعد معارك القلمون، لكن القصف كان يطال بالدرجة الأولى اللاجئين السوريين، كما توغل الجيش السوري في البلدة لأكثر من مرة وقام بزرع عدة ألغام واشتبك مع الأهالي وقتل وقَبض على عدة مواطنين لبنانيين، مما دفع الجيش اللبناني إلى الرد وقصف مواقع الجيش السوري.
في أغسطس (آب) 2014 اندلعت المعركة، فقام مقاتلو «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» بالسيطرة على البلدة واقتحام فصيلة درك عرسال وأسر 22 من قوى الأمن الداخلي وعناصر الجيش اللبناني، مما دفع الجيش اللبناني إلى استقدام التعزيزات إلى محيط البلدة، وأدى إلى أن يرفع «حزب الله» جهوزيته في المناطق الجرودية القريبة من الجرود.
أما معركة تحرير الجرود فقد شنها «حزب الله» في يوليو (تموز) 2017 وأسفرت عن انسحاب «جبهة النصرة» وتأمين حافلات مكيفة لنقل عناصر «داعش»، ولكن من دون معركة فعلية، كما يقول «علي» من عرسال. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «حضور (النصرة) كان أكبر من حضور (داعش) في البلدة. و(النصرة) خرجت بالاتفاق، ولم يسأل أحد كيف دخلت وكيف خرجت، في حين سُلِّط الضوء على خروج الدواعش. كلهم مخابرات من أبو مالك التلي إلى أبو العدس ومن أدخلهم إلينا أخرجهم بالحفظ والأمان…». أحد أبناء الهرمل، من خارج بيئة «حزب الله»، يؤكد أن «الكارثة التي لحقت بعرسال هي صنيعة الحزب. فالصواريخ التي كانت تُطلق على القرى كانت تطلق من جرودنا وليس من جرود عرسال، كانت تُرمى دائماً حيث لا سكان في خارج القرى. كان من المطلوب خلق جو عدائي وحقد وتجييش واستفزاز.
ويَعتبر العرساليون أن طابوراً خامساً وُلد فجأة في القرية. وهو لعب لعبة وسخة بين السوريين واللبنانيين. الشيخ مصطفى الحجيري المعروف بـ(أبو طاقية) تحول من سائق شاحنة إلى مليونير بين ليلة وضحاها، ومثله كثر. أصبح لدينا أثرياء حرب وأصبحنا تحت رحمة الفتنة الطائفية التي تخنقنا وتضعنا بين فكّي كماشة». بدوره، يتهم «علي» عناصر من «حزب الله» أيضاً بقتل خالد حميد، ما تسبب بفتنة ومعارك بين العرساليين والحزب. يروي: «سمعنا صوت رصاص. قال الشباب إن (حزب الله) هجم على القرية. واضح أنهم ثأروا منه فهو كان قد نفّذ عملية ضدهم في حمص وأوجعهم وقتل منهم من قتل. طلبوا رأسه، فتم غض النظر وسقطت ورقته. كان خارجاً إلى المسجد ليصلي. هجموا عليه ببدلات مدنية. لو أنه مطلوب كان يجب توقيفه وليس قتله بهذا الشكل. هجم الشباب واشتبكوا مع مطلقي النار. وبعد ذلك يقولون إن مخابرات الجيش هي التي قتلته. رئيس بلدية عرسال السابق علي الحجيري الملقب بـ(أبو عجينة) اتصل في حينه بمخابرات الجيش مستفسراً، فجاءه الرد بأنهم لم يرسلوا أحداً. يبدو أن الطاسة ضايعة. ومن ذهب ليتفرج على ما يجري قالوا إنه إرهابي. وألقوا القبض عليه».
يصر «علي» على أن «الحزب هو من ورَّط لبنان في الحرب السورية، إذ لم تكن لتفتح جبهات على الحدود اللبنانية لو لم يدخل الحزب بكل قواه العسكرية لينقذ نظام بشار الأسد، من دون أن يتوقف عند منسوب الحقد المرتفع الذي سبّبه بين اللبنانيين والسوريين من جهة وبين أهالي عرسال والقرى الشيعية المحيطة بالبلدة من جهة أخرى. وبعد انتهاء المعارك في عرسال تغيرت الأحوال، أصبح كل المتنفذين السوريين في عرسال مرتبطين بالنظام السوري. فقد عادت المخابرات السورية إلى البلدة. وسيطر الخوف على الجميع. أصبحنا نحسب حساب الكلمة التي نتلفظ بها».
ما يقوله «علي» لا يحتاج إلى أدلة، فالجلوس في ضيافة عائلة عرسالية يُظهر الصورة؛ ما إن يبدأ الأب في الكلام حتى تنهره الأم، وإذا استرسلت الأم يغضب الابن الأكبر المنتسب إلى الجيش اللبناني ليقاطعها بقوله: «نحن لم نرَ شيئاً»، أما إذا حاولت الأم نبذ النبرة المذهبية من حديثها، قد يهبّ ابنها الثاني وهو يحمل سبحة في يده، ليؤكد لها أن عناصر من «حزب الله» كانوا يغتالون من يزعجهم منتحلين صفة عسكرية في أحد الأجهزة الأمنية.
ويقول «أحمد» لـ«الشرق الأوسط»: «ما حصل أشبه بالفيلم الذي تم تدبيره، ليلبس ابن عرسال قميصاً ليس قميصه. مَن أدخل (حزب الله) ونظام الأسد إلينا من جديد؟ لماذا تدفق النازحون السوريون إلى بلدتنا دون غيرها؟ مَن فتح لهم الطريق من القلمون ومن القصير؟ مَن أخرج الدواعش عندما كان الجيش يريد أن يحاصرهم، لماذا هرّبوهم بالفانات المكيفة؟ أين الدولة اللبنانية؟ جبهة النصرة كانت تحصل على الطعام الطازج في المغاور. مَن كان يمرره لهم؟ الله العليم».
ويضيف: «أولادنا في الجيش اللبناني، مع هذا وضعونا بمواجهة آل النزال وآل حمية وتربطنا بهم مصاهرة (وهم من أبناء القرى الشيعية المحيطة بعرسال)، وقد أُعدم اثنان من أبناء هاتين العائلتين على يد جبهة النصرة و(داعش). والسبب هو أحداث الفتنة. أصبح هناك ثأر بين العشائر وأهل عرسال بعدما كنا كالأهل، علاقاتنا أخوية ويتزاوج بعضنا من بعض». ويؤكد «أحمد» أن «ابن عرسال مظلوم وأُهين كثيراً. صرنا إذا أردنا الانتقال في شوارع البلدة تستوقفنا الحواجز ويطلبون هوياتنا. صرنا منطقة عسكرية من دون أن نعرف، وُجِّهت الاتهامات إلى الأبرياء بأنهم إرهابيون وهم مسالمون. معروف من هم الإرهابيون أما الناس العاديون فلا علاقة لهم بالإرهاب».
تقول «فريال»: «خطفوا ابني لأنه من عرسال، ودفعنا فدية ليطلقوا سراحه. وهم يتغنون بالانتصار على الإرهاب. اخترعوا عدواً ليخترعوا الانتصار. صرنا نخاف أن نقول: إننا من عرسال، تهجّرنا إلى تعلبايا. خرّبوا كل شيء. صار أزواجنا وأولادنا بلا عمل، لا نستطيع الوصول إلى بساتيننا في الجرود. لم يعد لابن عرسال إلا رب العالمين. أكثر من نصف بساتين الكرز جفّ، وقصّوا الشجر ليتدفأوا بخشبه. أكثر من ذلك لا ماء ولا كهرباء ولا شبكات للصرف الصحي في البلدة».
يصر «أحمد» على أن «هناك من تم توظيفهم ليبتزّونا ويهددونا بالدواعش وجبهة النصرة، فرضوا علينا الخوات. واليوم مع عودة المخابرات السورية إلى القرية هناك من يهددنا مستقوياً بهذه المخابرات. هددوا صاحب فرن ليدفع خوة وعندما رفض ألقوا قنبلة على فرنه. ثم أتى من يدّعي أنه وسيط ليرغمه على دفع الخوة حفاظاً على حياته وحياة عائلته». «فريال» تحلم بعودة النازحين إلى بلدهم. تقول: «النظام السوري أخذ منا كل شيء. ومع هذا فتحنا بيوتنا للنازحين، لكن بعد كل ما جرى، الله يسعدهم ويبعدهم. لكن هناك من يريد لهم أن يبقوا لأنه يسترزق على ظهرهم، لو يقطعون المساعدات التي يسرقها كبار المستفيدين بينما لا يستفيد المستحقون إلا بنسبة قليلة، ربما يبدأ البحث الجدي بعودتهم إلى بلدهم. حالياً النساء والأطفال والمسنون يعودون، أما الشباب فيبقون خوفاً من التجنيد الإلزامي، أو لأن العمل هنا له مردود أكبر منه في سوريا، لكن هناك من النازحين من ندم على مغادرة أرضه وهو يلعن من شجعه على النزوح». يعلق الابن: «صعب أن يغادر السوريون، هم يعملون طول النهار تحت حرارة الشمس مقابل نحو 15 دولاراً». عدد سكان عرسال 50 ألفاً ومَن غادر بسبب الأحداث عاد. والعرسالي لا يحب أن يترك أرضه ولا يفكر بالاغتراب ليعمل. أقصى أمنيته أن يلتحق بمؤسسات الدولة، وتحديداً الأمنية منها. هو ابن دولة بامتياز. لا ينكر العرساليون أن النزوح السوري أنعش الاقتصاد في بداياته. فقد نشطت حركة البناء لتأجير المنازل للسوريين النازحين، كذلك انتشرت محلات الهواتف الخلوية والإنترنت، ومتاجر الألبسة والمواد الغذائية التي يأتي معظمها تهريباً من سوريا. يبيعونها بأسعار منخفضة، والأمر يخفف عنا كاهل ارتفاع الأسعار، من جهة، لكنه يقطع رزق تجار البلدة من جهة أخرى.

الشرق الأوسط» في بعلبك ـ الهرمل: غياب الدولة تعوضه «الدويلة» والمقاتلون العائدون من سوريا في منازلهم يقبضون «نصف راتب»
سناء الجاك/الشرق الأوسط/29 أيلول/18
يلجأ الأهالي في بعلبك – الهرمل إلى «التقية» خلال حديثهم إلى الإعلام، سواء كانوا من بيئة «حزب الله»، أو «حركة أمل»، أو من خارجها، أو كانوا حياديين لا يهتمون إلا بشؤونهم بعيداً عن الهموم السياسية. يتلفتون حولهم، يخفضون أصواتهم، أو قد ينتقلون من طاولة إلى أخرى في المقهى تجنباً لمسترقي السمع، حيث التقت «الشرق الأوسط» ببعضهم، خلال جولة ميدانية في البقاع الشمالي، لاستطلاع آرائهم بشأن القضايا التي ترتبط بمنطقتهم، سواء قضية «الطفار»، وهم المطلوبون بمذكرات توقيف، وقانون العفو الموجود اقتراح مشروعه على طاولة البحث التشريعي لإقراره وفي عناوين الخطابات الهادفة إلى إعادة ترميم العلاقة بين الثنائي الشيعي وأهالي المنطقة. قلة نادرة من الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» توافق على كشف هويتها الحقيقية. الرقابة الذاتية لها الأولوية. الغالبية تشدد على عبارة «من دون ذكر الأسماء» عندما تكشف عما يعايشه أبناء هذه المنطقة اللبنانية المهملة من السلطات الرسمية ومنذ استقلال لبنان عام 1943. والواقعة
تحت سيطرة اللاقانون، والمصنفة «خزان المقاومة» لـ«حزب الله». بالتالي أسماء من تحدثوا مستعارة وغير صحيحة.
حصيلة الجولة الميدانية تؤدي إلى الاستنتاج أن الأسلوب المعتمد هو ذاته، سواء لجهة فرض الخوات في بعلبك أو في عرسال، أو للخطف مقابل الفدية، أو لتصفية الحسابات مع من تسقط ورقته أو مع من يشكل اعتقاله تهديداً لمن كان يؤمن الغطاء له من كبار تجار المخدرات أو صغارهم، أو لتمرير مخطط بعينه كما جرى في عرسال، أو لقمع المتمردين على «بيئة المقاومة» والمفروض تأديبهم، بأيدي أشقائهم، تجنباً للمواجهات مع العشائر. ولا تنتهي الأمثلة الطالعة من معاناة منطقة مطلوب أن تبقى خارجة عن القانون، ليصار إلى استخدام من فيها عندما تدعو الحاجة وفق المخططات المطلوبة لمشروعات قوى الأمر الواقع، وبالتعاون مع مسؤولين في أجهزة أمنية، كما كان قد كشف النائب جميل السيد في تصريح له عن تورط أمنيين مع العصابات، أو كما يؤكد عدد كبير ممن حاورتهم «الشرق الأوسط» خلال جولتها.
كذلك بينت الجولة الكم الهائل من الإهمال والحرمان في المنطقة، سواء لجهة البنى التحية من ماء وكهرباء وطرق وما إلى ذلك، مقارنة بالمناطق الأخرى، وبالجنوب اللبناني تحديداً، كما يثير بعض المسؤولين ومعظم الأهالي، وارتفاع نسبة الانفلات الأمني كلما ابتعدنا عن بعلبك، حيث الحضور الكثيف للجيش اللبناني بموجب خطة أمنية بدأ تنفيذها بعد مرحلة دامية من الفوضى أدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا نتيجة استخدام السلاح المتفلت.
لكن المفارقة في أن أحد حواجز الجيش، ينسحب عناصره مساء، ليحل مكانهم عناصر من «حزب الله»، ويقطعون الطريق في الاتجاهين، خلال إحياء مراسم عاشوراء في إحدى الحسينيات وسط بعلبك.
السلاح غير الظاهر في الشوارع، يطل وبكثافة في قرى قريبة، سواء كان للأمن الذاتي لبعض الشخصيات، أو لمواكب شخصيات أخرى يعرفها أبناء المنطقة، وغالبيتها لكبار تجار المخدرات، كما يقولون.
حقول حشيشة الكيف بدأ محصولها يميل إلى الاحمرار، وحان أوان القطاف. لذا يبدو مألوفاً وعادياً مشهد أم وأولادها يجنون المحصول، يخلصون الأوراق من جذوعها، ويقطعونها بسكاكينهم، غير عابئين بالعابرين. لكن حذار من الاقتراب إلى حد يشعرهم بالانزعاج من النظرات الفضولية. عادة، الحشيشة للتصدير وليست للاستهلاك المحلي، أهل بعلبك الهرمل لا يدمنون الحشيشة، هناك مشكلة تعاطي الحبوب المخدرة. لكنها تبقى أقل بكثير من تعاطي أهل المدن، وتحديداً بيروت.
يعتبر البعض أن تشريع الحشيشة ضد مصالح كبار التجار الذين يخافون أن يصبح العرض أكثر من الطلب وتنخفض الأسعار، لا سيما بعد الإكراميات بمنح الرخص للمؤيدين من أبناء المنطقة أو بدفع الرشاوى للغاية ذاتها.
انعدام الثقة بالدولة هو القاسم المشترك بين الجميع. والتمييز بين الدولة و«حزب الله» يخضع لوجهات نظر. فمن يؤيد الحزب يصر على اعتباره الخلاص الوحيد الذي يعوض غياب الدولة، من خلال الرواتب الثابتة لنحو 20 في المائة من أبناء بعلبك – الهرمل، إضافة إلى المساعدات ببطاقات التموين ومؤسسات الحزب الطبية والاجتماعية والتعليمية.
الحرب في سوريا شكلت مصدراً مالياً لعائلات كثر. لكن تجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من المقاتلين غير المتفرغين عادوا الشهر الماضي، هم يقبضون الآن نصف راتب ويبقون في بيوتهم إلى حين الحاجة إليهم.
ومن يخرج عن التأييد، ونسبتهم كبيرة، وإن كانوا نخبويين وغير قادرين على إحداث التغيير الذي يأملون أو يعملون له، يرى أن الحزب هو الدولة، أو أن الدولة في هذه المنطقة تحديداً ليست سوى ذراع من أذرع الحزب، ترتهن لسياساته وتنفذ أهدافه.
والحديث عن انحسار هيمنة الثنائية الشيعية، تراه الأكثرية حلماً بعيد المنال، فالانتخابات لم تفرز التغيير المطلوب، ما يدل على أن الكلام المتذمر لا ينعكس أفعالاً، كما أن الوضع الاقتصادي يحكم على أصحاب الدخل المحدود اللجوء إلى مؤسسات الحزب لتدبير أمورهم المعيشية، بالتالي التمرد والانقلاب على هذا الوضع، لا تزال دونه عقبات. كما أن اختراق الحزب العشائر والعائلات الكبيرة، وفق سياسة مستجدة، عبر تعيين «عشائريين» في مراكز قيادية، الأمر الذي لم يكن قائماً، أو عبر لجان الصلح التي تتولى حل النزاعات بين أبناء العشيرة الواحدة أو بين عشيرتين. أو عبر تسهيل هروب البعض إلى القصير في سوريا، حيث يسيطر الحزب وتعمل مؤسساته وكأنها في لبنان.
ويتحدث مرجع كبير معارض لـ«حزب الله» عن جرائم بالجملة وعن اختراق العشائر وعن وعن. ويصل بالمؤامرة إلى أن وجود الحزب ضرورة لقوى إقليمية ودولية لحماية أمن إسرائيل. ويحكي عن استخدام الأخ لتأديب أخيه إن حاول الخروج عن رضا الحزب.
فيما ترى قلة قليلة أن كرة الثلج بدأت تتدحرج، وبدأ العد العكسي لهيمنة «حزب الله» على المنطقة. فالإقبال على الانتخابات النيابية لم يكن على قدر طموح الحزب، وتحدي سيطرة الحزب في الانتخابات البلدية يرتفع منسوبه. ويروي هؤلاء أن «الحزب تكلف نحو مليون دولار في انتخابات بلدية بريتال (قضاء بعلبك)، للحؤول دون وصول معارضين له إلى المجلس البلدي. كما أن فوز الحزب جنب البلدة كارثة أمنية، فقد أعد عدته لتفجير الوضع إذا ما فاز منافسوه». ودائماً على ذمة الرواة.
وتبقى الملاحظة الأهم، والمتعلقة بموازين القوى بين طرفي الثنائي الشيعي. فالواضح ورغم اللافتات والصور المنتشرة على الطرق لحركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أقام مهرجان إحياء ذكرى الأمام الصدر في بعلبك أواخر الشهر الماضي، أن حديث الناس ينحصر بالحزب إما سلباً أو إيجاباً، ليغيب حضور «حركة أمل» كقوة فاعلة على الأرض، إلا من خلال مؤسسات الدولة، وتحضر إيران من خلال صور مرشدها الروحي الأمام علي خامنئي أو من خلال لوحات زرقاء تشبه لوحات أسماء القرى، تملأ الزوايا على امتداد الطرق في الهرمل، وتحمل عبارة «الشعب الإيراني في خدمة الشعب اللبناني».