علي الأمين/المرجعية أسقطت العبادي وسقطت في فخ سليماني

24

المرجعية أسقطت العبادي وسقطت في فخ سليماني
علي الأمين/العرب/18 أيلول/18

انتقل فصل تسمية الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي إلى مرحلة جديدة، بعدما أعلنت المرجعية في النجف الأشرف أنها “لا تؤيد رئيس الوزراء القادم إذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية”.

انطلاقا من هذا الموقف يمكن اعتبار أن فرص إعادة تسمية رئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي لتولي المنصب الحكومي الأول لولاية ثانية باتت مستبعدة تماما، رغم أن الأخير لم يتهم بملفات فساد، وتجمع الأطراف العراقية وعلى رأسها “المرجعية” أنه نجح في إدارة المواجهة في معركة القضاء على تنظيم داعش، وفي الحدّ من تداعيات المرحلة التي حكم فيها رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، والتي تسببت بسقوط أكثر من ثلث الأراضي العراقية بيد هذا التنظيم، وهو نجاح تميزت به مرحلة حكم العبادي لا سيما أنها تلت مرحلة استثنائية من الفساد، الذي أفرغ خزينة الدولة من كل ما فيها نتيجة السياسات التي اعتمدها المالكي في إدارة شؤون الدولة وأدت إلى ما يشبه الانهيار.

صحيح أن إنجاز حيدر العبادي في تحرير الأرض، لم يكن بمعزل عن مشاركة أطراف أخرى، في خوض المواجهة ضد التنظيم الإرهابي الذي سيطر وتمدد واخترق البنية الأمنية والعسكرية العراقية، لكنه نجح في إدارة عملية بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، وانتشلها من الدرك الذي وصلت إليه قبل توليه السلطة، وساهم في وضعها إلى حدّ كبير على سكة الدولة، بعدما كانت الميليشيات قد اخترقتها وتقاسمت النفوذ فيها، ولم تستثن هذه المحاصصة القوات المسلحة وهو ما أدّى إلى انهيار الجيش في الموصل بمواجهة تنظيم داعش قبل أربع سنوات.

التخلص من حيدر العبادي الذي انتصر على داعش ووحد العراق وأعاد بناء الجيش، قرار اتخذته إيران وعملت على تنفيذه بوسائل مختلفة، منها الضغط على أحد أعضاء المحكمة الدستورية من أجل إيجاد فتوى دستورية تتيح لأعضاء الكتل البرلمانية عدم التقيّد بقرار الكتلة لجهة تسمية رئيس الحكومة، وكان المقصود من ذلك تصديع “كتلة النصر” التي يقودها العبادي، ومن جهة ثانية عبر إطلاق حملة إعلامية تتهم العبادي بأنه رجل الأميركيين في العراق، واتهامه بأنه تهاون في مواجهة المعترضين على الفساد في البصرة وخاصة في خطوتهم إحراق القنصلية الإيرانية في المدينة.

ليس جديدا هذا السلوك الإيراني في مواجهة أي شخصية أو تيار في العراق يسعى إلى محاولة الحد من النفوذ الخارجي على مؤسسات الدولة، إذ إن قاعدة الدخول إلى النادي السياسي في العراق منذ نهاية نظام حكم البعث، لا سيما لدى المكون الشيعي، هي رضا قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وهذه القاعدة التي بدت أنها اهتزت خلال الانتخابات النيابية الأخيرة من خلال بروز تيارات متنوعة داخل المكون الشيعي، عملت إيران بقوة لإعادة استيعاب ما جرى وإعادة الجميع إلى الحظيرة السياسية التابعة لها التي تستطيع من خلالها التحكم والسيطرة.

قاعدة الدخول إلى النادي السياسي في العراق منذ نهاية نظام حكم البعث، لا سيما لدى المكون الشيعي، هي رضا قائد فيلق القدس قاسم سليماني

هذا السلوك الإيراني تجاه العراق والذي يقوم على التدخل في العملية السياسية العراقية لا يشكل استفزازا للأميركيين. ذلك أن القيادة الإيرانية تقدم نفسها في العراق للطرف الأميركي، باعتبارها هي من يستطيع أن يوفر متطلبات الوجود الأميركي ومصالحه في العراق من دون إزعاج، في مقابل أن تتيح واشنطن لإيران إدارة التفاصيل السياسية في بغداد، ومن هذه التفاصيل تحديد أسماء رئيس الحكومة والوزراء وغيرهم، أي أن طهران تعرض على واشنطن معادلة خذوا ما تريدون من العراق، لكن عبرنا وليس عبر العراقيين مباشرة. هذا السلوك لا يبدو أن واشنطن ترفضه، لذا لم نلاحظ أي استياء من المسؤولين الأميركيين حيال أي تغيير في أسماء المسؤولين سواء كانوا قريبين من إيران أو بعيدين عنها، طالما أن سليماني لا يخل بقواعد المصالح الأميركية في العراق.

هذه المعادلة التي ساهمت في تمدد الفساد في إدارة المؤسسات العراقية، تتعرض اليوم إلى اهتزازات، خصوصا أن الاحتجاجات الشعبية والمطلبية باتت أكثر من أي وقت مضى تصوب على دور إيران كطرف حاكم في العراق، بل الحاكم الأول في هذا البلد، وقد شجعت إيران أنصارها على ممارسة كل وسائل النهب للمال العام، ولم يعترض مندوبوها على سلوك الفساد لأي مسؤول عراقي من الموالين لطهران، بل إن العقاب الإيراني يطال من يخلّ بولائه لها، لا من ينهب ويفسد الدولة العراقية ومؤسساتها ونموذج المالكي هو الأشهر وليس الوحيد من الذين حمت إيران وجودهم وحالت دون محاكمتهم رغم تورطهم في ملفات فساد، وهذا يدل على أن الاستراتيجية الإيرانية في العراق ترتكز على بقاء الدولة ضعيفة وطبقتها الحاكمة مرتبط وجودها بالحماية الإيرانية.

بقيت المراهنة العراقية في اللحظات الصعبة على دور المرجعية في النجف لأن تكون حام وداعم لمشروع الدولة، الذي لا يستقيم من دون دعم نخبة عراقية وطنية من خارج الولاءات الخارجية، ولا سيما إيران، باعتبارها الأكثر تدخلا وتحكما في العملية السياسية، وفي هذا السياق يوجه بعض السياسيين العراقيين من المعارضين للنفوذ الإيراني ملاحظات على دورها السياسي، ومنها أن المرجعية التي يمثلها علي السيستاني التي ترفض لقاء السياسيين العراقيين، وهذا موقف قد يكون فيه حكمة لعدم التورط في مواقف سياسية لا تريد المرجعية أن تدخل في ما لا تعتبره من اختصاصها، إلا أن هذه الحكمة تفقد مبرراتها عندما تلتقي المرجعية بمسؤولين إيرانيين، أمنيين وغير أمنيين، لمناقشتهم في قضايا عراقية داخلية، وهذا ما أعلن جهارا قبل عشرة أيام من قبل الموقع الرسمي للمرجعية عن لقاء مع مندوب إيراني.

فلقاء مسؤولين إيرانيين ومقاطعة مسؤولين عراقيين أليس احتقارا للعراقيين؟ كما يتساءل أحد السياسيين العراقيين ويضيف “علما أن المسؤولين الإيرانيين الأمنيين الذين يلتقون المرجعية هم معروفون بأنهم يتدخلون في تفاصيل عمل الدولة العراقية من دون أن يستمعوا أو يستفهموا من مسؤوليها”.

ويغمز المسؤول العراقي من قناة المرجعية أن “العتبات المقدسة في العراق التي يديرها محيطون بالمرجعية والتي تدر مليارات الدولارات يتم تمويلها من الدولة العراقية، من دون أن يُسمح لوزارة المالية أو للأوقاف مثلا التدقيق بإيرادات العتبات ومصاريفها”،

جذب “المرجعية” نحو مجاراة الموقف الإيراني في العراق، برز من خلال معاقبة كل من حاول الخروج على وصاية الدولة الجارة لحساب تعزيز مشروع الدولة ومؤسساتها، ومن هنا فإن ما أراده سليماني من المرجعية لاستكمال عملية القبض على السلطة في العراق، هو استبعاد كل من كان رئيسا للحكومة وليس كل من كان متورطا بالفساد، فعادل عبدالمهدي الذي تردد أنه مرشح يحظى برضا المرجعية، هو الملقب بـ”عادل الزوية” بسبب فضيحة سرقة مصرف الرافدين في منطقة الزوية في بغداد والتي قام بها حرسه عام 2007 وتسببت بمجزرة قتل خلالها أحد عشر فردا من حراس المصرف وشرطة بغداد، هو نفسه من الذين تحوم حولهم شبهات الفساد في الوزارات “الدسمة” التي تقلدها في عهد حكومات المالكي وأهمها وزارتي المالية والنفط.

أما النائب فالح الفياض الذي أقاله العبادي من رئاسة الأمن الوطني والحشد الشعبي والذي تتبناه إيران كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة، فميزته الوحيدة أنه تابع لإيران وصديق للنظام السوري.

وكذلك هادي العامري وزير النقل السابق وزعيم “منظمة بدر” التي تتزعم الحشد الشعبي المدعوم من إيران، فإن فساده كوزير نقل أيام حكم المالكي وسوء استغلاله للسلطة لا يزال شاهدا على إنجازاته، ومنها فضيحة أمر مطار بغداد لطائرة الركاب اللبنانية في مارس 2014 بالعودة إلى بيروت لنقل نجل العامري الذي تأخر عن موعد إقلاع الطائرة في العاصمة اللبنانية، وقد ترافق هذا الحادث مع ذهول عالمي كشف حجم الفساد في المرافق التابعة لوزارته، واستهانته بمشاعر ومصالح العراقيين واللبنانيين معا.

فهل تنطبق شروط المرجعية التي تريد “وجوها جديدة” على ترشيح الوزراء والمسؤولين السابقين عادل عبدالمهدي وفالح الفياض وهادي العامري، أم أن تلك الشروط لا تنطبق إلا على رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي لأنه بات رمزا لتحرير العراق واستقلال قراره السياسي؟
*علي الأمين/كاتب لبناني