نسرين مرعب/توسعة مطار رفيق الحريري وإهمال مطار القليعات: فتشوا عن حزب الله وعن وزارة الأشغال

87

توسعة مطار «رفيق الحريري» وإهمال مطار القليعات: فتشوا عن «حزب الله» وعن «وزارة الأشغال
نسرين مرعب/جنوبية/08 أيلول/18

بين توسعة مطار رفيق الحريري الدولي وتهميش مطار القليعات، أزمات طفت إلى السطح وتساؤلات عديدة!
بـ”الباراشوت” سقط ملف توسعة مطار رفيق الحريري الدولي (مطار ببروت الدولي)، هذا المشروع الذي سبق وأشار وزير النقل والأشغال العامة إلى أنّ تكلفته تبلغ 100 مليون دولار فيما لم يوافق مجلس الوزراء إلا على 18 مليون دولار!
هذه المواقفة لم تعد اليوم في إطار السجال، فبعد المشاكل التي كان مسرحها المطار في اليومين الماضيين، وبعد اجتماع طارئ وموسع ترأسه الرئيس المكلف سعد الحريري لدراسة أوضاع مطار رفيق الحريري الدولي وبحث ما جرى في المطار مع الوزراء والمدراء العامين والموظفين المعنيين. أعطيت التوجيهات للأجهزة المعنية بتلزيم أعمال توسعة المطار من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء.
توسعة مطار بيروت الدولي “دون مناقصة” والذهاب سريعاً نحو الحل ارتبط بشبهات عدّة، لاسيما وأنّ مشكلة المطار ليست بالمساحة ولا بعدد الوافدين وإنّما بالتنظيم.
فمطار “نيس” مثلاً مساحته لا تتعدى الـ3.7 كلم2، وقد استقبل في العام 2017، 13 مليون مسافر، فيما مطار بيروت الدولي الذي تبلغ مساحته 5.5 كلم2 لم يستقبل في العام 2017 أكثر من 8 مليون مسافر، مما يسقط حجة “المساحة الضيقة”!
مع العلم أنّ الوضع السياحي في لبنان هذا العام لم يشهد تحسناً يذكر عن العام السابق، بما معناه أنّ عدد الوافدين من الخارج لم يرتفع بشكل ملحوظ، وبالتالي فإنّ ما ضجّ في الإعلام مؤخراً هو نتيجة طبيعية لزحمة المواسم السياحية والدينية مجتمعة، أما الوضع المأزوم الذي خرج إلى العلن فتعود مسؤوليته أولاً وأخيراً إلى سياسة الفوضى والإهمال وعدم التنظيم والفوضى وهذا ما أكّدت عليه الشكاوى التي رفعها المواطنون في المرحلة الأخيرة.
وبالعودة إلى الأزمة التي شهدها المطار أوّل أمس ومعاناة مسافريه التي أدّت إلى الاستنفار الإعلامي والسياسي، فإنّه لا بد من الإشارة أولاً إلى أنّ ما حدث في المطار من تأخّر مواعيد الرحلات هو نتيجة طبيعية لعطل في نظام البطاقات والحقائب وهذا العطل ليس حصراً على مطار بيروت وإنّما يحصل في أهم مطارات العالم، الفارق الوحيد أنّ تلك المطارات تحترم مسافريها وتضعهم “بكل لباقة” في ضوء المستجدات، فيما الهرج والمرج هو الأسلوب الذي اعتمده الموظفون في مطار بيروت، وهذا ما تؤكده أشرطة فيديو التي تظهر صراخ الموظفين على المواطنين بأسلوب لا يليق بالمرفق ولا بإدارته يضاف إلى ذلك إعطاء المسافرين بطاقات سفر ورقية مكتوبة بخط اليد، مما أعاد المسافر عبر هذا المطار لا إلى العصر الحجري بل إلى ما سبقه!
الهرولة السريعة إلى توسعة المطار، مع تجاهل وجود مطار ثانٍ في شمال لبنان ألا هو مطار القليعات، وتوصية مؤتمر سيدر – باريس بإعادة تشغيله كمطار مدني دولي، أدّت إلى ظهور تساؤلات علنية عن دواعي تهميش الشمال عموماً وعكار خصوصاً وذلك في ظلّ تأكيد المصادر أنّ مطار بيروت لا يحتاج إلى الباطون وإنّما إلى إعادة تنظيم!
وفيما طالب بعض النشطاء بتحويل القيمة التي يحتاجها المطار للتوسعة ألا وهي 100 مليون دولار، إلى مطار القليعات لاسيما وأنّ المبلغ الذي وضعته وزارة النقل والأشغال العامة يساوي المبلغ الذي تحدث عنه مؤتمر سيدر لإعادة تشغيل المطار “الشمالي” كمطار مدني دولي، أعلنت في المقابل الأمانة العامة لمجلس الوزراء في بيان لها أنّ التوسعة التي يجري تنفيذها في المطار هي من ضمن المواقفة السابقة التي أقرها مجلس الوزراء بتاريخ 8 شباط 2018 حيث وافق المجلس على سلفة بقيمة 18 مليون دولار لتنفيذ أولويات طارئة.
وشدد البيان أنّ كل ما يجري تنفيذه حالياً لا يمكن لقيمته أن تتخطى 18 مليون دولار.
في السياق نفسه لا بد أن نفتش في “أزمة المطار” وتسليط الضوء السياسي عليها، عن وزارة الأشغال العامة، والصراع على الحقائب، فهذه الوزارة تعد حالياً “الدجاجة التي تبيض ذهباً” في مرحلة إعادة الإعمار المرتقبة. فتيار “لبنان القوي” يخوض من باب الواقع المأزوم لواقع المطار معركة حقيبة “الأشغال” في محاولة للاستحواذ عليها بعدما كانت حكومة العام 2014 في ظلّ كتلة التنمية والتحرير والتي منحتها في الحكومة الأخيرة لتيار المردة الذي يرأسه حليف دولة الرئيس نبيه برّي الوزير السابق سليمان فرنجية!
صراع التيار – المردة، ليس الوحيد على حقيبة “الأشغال”، فالرئيس سعد الحريري كان قد وعد حزب القوات اللبنانية بهذه الحقيبة، مما استدعى تسريبات من أوساط الحركة تؤكد أحقية كتلتهم بوزارة الأشغال في حال تمّ استثناء فرنجية منها!
“أزمة المطار” والتنافس المسيحي على “الأشغال”، وصولاً لقرار رئيس الحكومة سعد الحريري، جميعها عناوين فرضت نفسها على المناخ السياسي اللبناني، مما أدّى إلى ظهور عدة ردود سياسية على قرار التوسعة، فتساءل عضو “اللقاء الديمقراطي” النائب فيصل الصايغ في بيان أصدره عن دواعي “الإصرار على تظهير المشاكل المتكررة في المطار”، معتبراً أنّ “الخشية أن يكون هناك ثمّة قطبة مخفية تدفع البعض إلى افتعال مثل هذه المشاكل وتكرارها، لدفع اللبنانيين إلى الاقتناع بضرورة المباشرة بأعمال التوسعة، باعتبارها أولوية وبالتالي تبرير اجراء التلزيم من دون مناقصة شفافة بحجة ضرورة الاسراع بالتنفيذ”.
اللواء أشرف ريفي استنكر بدوره هذه القرارات فغرد عبر صفحته الخاصة تويتر: “فضيحة كبرى ما جرى في مطار بيروت واستمرار الحظر على فتح مطار القليعات الذي يمكن تلزيم إعادة تشغيله من دون أن تتكلف الدولة أي أعباء مالية حظر مشبوه”.
وأضاف نعم لفتح مطار القليعات الآن فهذا المرفق هو رئة إقتصادية لعكار والشمال واستمرار إقفاله جريمة بحق لبنان والشمال”.
من جهة أخرى، أكّد نائب كتلة المستقبل في عكار محمد سليمان أنّ مطار بيروت غير قابل للتوسعة نتيجة للتوسع العمراني حوله، مشدداً أنّه آن الاوان لإفتتاح مطار القليعات ولأن تعطى عكار حقوقها.
وفيما علّق المحلل السياسي ومدير مركز “أمم للأبحاث والتوثيق” لقمان سليم على المشهد لـ”جنوبية” بالقول “أقرأ ما جرى في مطار بيروت ليس كحادث موضعي أو كخلل موضعي بما يسمى “سيستيم”، وإنّما هذا آية من آيات الاهتراء بهذا البلد وآية من آيات عجز وعدم كفاءة القائمين على هذا البلد. وأنا أخجل أنّ هناك وزيراً مسؤولاً عن هذا المرفق يطل على التلفاز معتبراً أنّ ما جرى حادث فردي”.
أشار في المقابل النائب وليد البعريني لموقعنا إلى أنّه لا تعارض بين توسعة المطار وبين المطلب المحق لأهالي عكار بإعادة تشغيل مطار القلعيات فبيروت – بحسب البعريني- أمّ الكل و”شمسية” للكل.
وتابع البعريني معتبراً أنّ تهميش عكار ليس مقصوداً، وأنّ الغاية من إعادة تشغيل مطار القليعات هي مطلبية، نظراً للدور الذي سيلعبه هذا المطار في تحريك العجلة الاقتصادية لهذه المنطقة بعيداً عن الخطابات المتنشجة.
هذا وشدد نائب تيار المستقبل أنّ توسعة مطار بيروت لا يؤثر على عكار، لاسيما وأنّ مطار القليعات بات تشغيله حاجة محلة مع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار والوضع السوري.
ولفت البعريني في الختام إلى أنّ الوضع في لبنان مأزوم في العديد من النواحي ولا بد البحث عن الحلول، معلناً عن مؤتمر صحفي سيعقد صباح يوم غد الأحد في مكتبه وسيتناول فيه ملف المطار.
من جهة أخرى، أكّد العميد الركن الدكتور نزار عبد القادر في حديث لـ”جنوبية”، أنّ “لبنان يحتاج لأكثر من مطار، وعلى الأقل مطارين”، سائلاً “لماذا هذا التأخير في تنفيذ قرار تحويل قاعدة القليعات في عكار إلى مطار دولي، لاسيما وأنّه قد سبق واتخذ قراراً في هذا الشأن من الناحية المبدأية وأطلق عليه اسم ” مطار رينيه معوض”.
وفيما يرى عبد القادر أنّ “هناك صعوبات ليست فنية ولا مالية ولا تتعلق بمدى الحاجة لهذا المطار وتشغيله، وإنّما ضغوط سياسية تمارسها بعض الجهات”، يلفت في هذا السياق إلى أنّه “إذا أردنا الاستعراض في النتيجة علينا أن نرى من له مصلحة في عرقلة فتح مطار رينيه معوض، إذ أنّ هناك جهة ترى حالياً في مطار بيروت البقرة الحلوب التي يمكن الاستفادة من جميع العناصر الموجودة فيها من خدمات وغيرها للاستمرار في احتكار هذا المصدر التوظيفي والمالي الكبير. كذلك هناك جهة تريد أن تبقى مسيطرة على المطار ولها عين مباشرة على كل من يدخل ويخرج من هذا البلد وهذا من الناحية الأمنية والسياسية والاستراتيجية”.
هذا وأشار عبد القادر إلى أنّه “من له مصلحة في كلا الحالتين في إبقاء على مطار بيروت المطار الوحيد المستعمل هو حزب الله، وذلك للأسباب الأمنية التي ذكرناها، وهناك لا بد أن نسترجع أيضاً موضوع تركيب الكاميرات القادرة على مراقبة حركة المطار من جهة، إضافة الإبقاء على إمكانية وصول أشخاص إلى لبنان يريد الحزب الحفاظ على سريتهم”.
ولكن أين هي الدولة اللبنانية؟ وأين دورها؟ يجيب عبد القادر على هذا السؤال مبيناً أنّ “الدولة لا تملك القرار السيادي بالمعنى الصحيح، أي بالمعنى الذي يخولها لتقرر ما هو لصالح البلد سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي أو السياسي. وقرارها ولو اتخذته يبقى تنفيذه مرهوناً بمساومات، وحتى الآن الجهات الموجودة في الحكم غير راغبة في مساومة الأطراف المانعة لوجود مطار ثانٍ في لبنان، مع العلم أنّ هناك حاجةً ماسة لفتح هذا المطار وخاصة في القليعات وليس في مكان آخر، فالمطار في موقعه يخدم غايات عديدة، ومنها أنّ هناك فئة من اللبنانيين تتذمر ليس فقط من ضعف الخدمات وسوء الخدمات التي يؤديها خاصة في الفترة الأخيرة مطار بيروت ولكن أيضاً من النواحي الأمنية حيث ترى هذه الفئات أن حزب الله يسيطر على المطار ولا تشعر بالراحة بالسفر أو الوصول إليه”.
ويتابع العميد الركن متوقفاً عند الهواجس الأمنية التي يحاول البعض إحاطتها بمطار القليعات، فيقول: “سمعت في السابق أنّه في حال فتح مطار القليعات وقررت الدولة أن تنفذ قرارها، فإنّ هذا المطار على بعد مرمى مدفع من الحدود السورية ويمكن تعطيله من خلاق قصفه، ولكن من يقصفه؟ هنا علامة السؤال الكبرى. فإذا كانت سوريا علنياً هي الجهة التي ستسهدفه فهنا يمكن للبنان أن يأخذ سوريا إلى مجلس الأمن الدولي وأن يقاضيها بمحاولة الإيذاء أو الاعتداء، ولكني أعتقد أنّ هناك جهات عديدة من داخل الأراضي اللبنانية، أو من منطقة الحدود بالذات، قادرة على تعطيل الملاحة في هذا المطار”.
وفي الختام يؤكد الدكتور نزار عبد القادر أنّ “موضوع مطار القليعات يتطلب حالة من التسوية والوفاق الوطني من أجل تحويله لمطار دولي يسمح بانطلاق وهبوط الطائرات اللبنانية وغير اللبنانية فيه واستعماله بالفعل كمطار دولي مجاز ترغب الشركات الطيران الدولية في استعماله”.
إذاً، هذا هو الواقع، وما الوضع الذي آل إليه مطار بيروت إلا صورة من وضع لبنان ككل، وهذا ما يؤكد لموقعنا المحلل السياسي لقمان سليم معتبراً أنّ “ما يحدث يدل على وضع لبنان ككل”، فاليوم الأزمة في المطار غداً ستكون في مرفق آخر، ببساطة هذا بلد (الله جبر)”.
وفيما لا يبرئ سليم المواطن اللبناني من المسؤولية إذ يقول “المشهد الذي رأيناه يدل على مدى احتقار اللبنانيين لأنفسهم أولاً، ولقبولهم أن يجري كل ذلك دون أن يخرجوا لكرامتهم، كما يدل كذلك على مدى استهانة القيمين على هذا البلد ومدى اطمئنانهم أن اللبنانيين قد أصبحوا عضلة ميتة”. يبقى السؤال: هل من ثورة على الفساد في لبنان؟ أم أنّ شعار “كلن إلا زعيمي سيبقى مانعاً لأي عملية محاسبة أو إصلاح؟”.