الكولونيل شربل بركات: العرب وغياب مشاريع الحلول

93

العرب وغياب مشاريع الحلول
الكولونيل شربل بركات/07 آب/18

شاهدنا في الثالث من الشهر الجاري على شاشة ام تي في من ضمن برنامج “بيروت اليوم” مقابلة مع الصحافي المصري المعروف “عماد أديب” وقد عرض أمور الشرق الأوسط وتوجهات الحلول، حيث ركز على وجود مشاريع إقليمية ثلاثة: إيرانية وتركية وإسرائيلية وذلك في غياب المشروع العربي، وبالتالي مصالح “العرب” أو ما تبقى من دولهم.

في حديثه ركز الصحافي، الذي يتمتع بنظرة شاملة ودقة في متابعة الأمور، على أن إيران الخمينية سوف تتغير لتدخل عصر الحلول وذلك من ضمن النظرة الواقعية التي ستفرض ذلك بدل الانتحار، وأن تركيا أردوغان سوف تكون أيضا شريكا في توازن القوى الجديد لتضمن من خلال أحلام الأمبراطورية العثمانية ضبط التطرف السني، بينما تبقى إسرائيل بحسب رأيه القوة الثالثة التي تسيّر أمور الشرق الأوسط الإقليمية.

هذا التحليل الذي يستند إلى متابعة دقيقة نوعا ما لمجريات الأمور وما تؤول إليه التطورات، مقبول ومعقول، ولكن ما لفتنا أكثر هو حديثه عن ما سمي “صفقة العصر” وبأنها لا بد أن تكون مرفوضة مصريا كون مصر يجب أن تتنازل فيها عن جزء من سيناء للفلسطينيين لكي تنشأ “غزة الكبرى” التي ستستوعب الكثير من الفلسطينيين الذين سوف يتمتعون بالرفاه بسبب الميناء العالمي (مثل روتردام وسينغابور) لتصبح مدخل التجارة الشرق أوسطية (باتجاه السعورية والعراق) ولو أن المشروع يجعل إسرائيل تتنازل عن أراضي في النقب لصالح مصر يمكن أن توازي ما تتخلى عنه للفلسطينيين. لفتني رفض عماد أديب، الواقعي جدا لهكذا مشروع لأنه برأيه قد رسم في إحدى جامعات تل أبيب، ما حثني على الكتابة، لأن العرب عادة ما يرفضون الحلول التي تطرح عليهم لكي يستجدوا أقل منها لاحقا والأمثلة كثيرة، من مشروع الأمم المتحدة للتقسيم في 1947 الذي رفض قطعيا من قبل العرب يومها وهم يستجدون أقل منه الآن، إلى كل مشاريع السلم؛ من طرح العاهل المغربي إلى الرئيس بورقيبة وغيرهم دون أن ننسى ما قبله عرفات وعاد عنه تحت ضغط “الشارع” الفلسطيني.

نعود إلى موقف مصر من “الصفقة” بحسب عماد أديب، فالمشروع الذي وزع على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي لكي يطلع عليه أكثرية الناس بشكل غير رسمي، يعطي مصر السيطرة الكاملة على الطرق البرية من غزة إلى الأردن وكذلك حقوق الجمارك على هذه المعابر دون أن يشير إلى أن ذلك لتعويض مصر عن رسوم العبور في قناة السويس التي سوف تتأثر بالطبع عندما تفتح طرق برية توفر الدوران حول باب المندب ومضيق هرمز وبإضافة خطوط سكك حديدية وأنابيب نفط وما إلى هنالك من رسوم.

عندما قرأت عن هذا المشروع لم أصدق لأنه يعطي آمالا كبيرة لشرق أوسط سوف يكون محوره سيناء القاحلة والتي ستصبح منطقة عامرة جدا ليس في الجانب الفلسطيني فقط بل خاصة في الجانب المصري، واعتقدت بأنه قد نشر لكي يتم رفضه، فالعرب يتمتعون بحساسية كبرى تجاه كل خير يأتيهم من الغير، فهم لم يفهموا أهمية قناة السويس يوم فتحت ولم يروا فيها سوى مصالح الأوروبيين. وقد بكوا على أطلال فلسطين دون أن يقوموا بأي طرح ايجابي خلال سبعين سنة.

ويوم قام السادات بطرح منطقي، أعاد لمصر كامل سيناء وأشركها في حل الموضوع الفلسطيني ليعطيها دورا أساسيا في إدارة الشرق الأوسط، تراجعوا ورفضوا السادات حتى القتل، وبذلك جمّدوا كل مفاعيل الاتفاق المصري الإسرائيلي فطارت قيادة ساحة الشرق الأوسط من أيدي مصر وتأخر قطار السلام الشامل أربعين سنة.

ولذا فالقوى التي تتحكم بالحلول في الشرق الأوسط اليوم، برأي أديب، لا تشمل مصر ولو أنها لا تستبعدها.
أما إذا أردنا الغوص أكثر في المشروع المعروض فلماذا تتخلى إسرائيل عن ميناء أشدود الذي يعتبر جاهزا للقيام بدور ميناء غزة الجديدة المفترض وكل شبكة الطرق والسكك الحديدية جاهزة من هناك باتجاه الأردن عبر إيلات أو حتى عبر الضفة الغربية أو من ميناء حيفا حيث يوجد منطقة حرة تابعة للأردن وتصلها بالأردن شبكة طرق مهمة أقصر بكثير من المطلوب إنشاءها (سيناء – العقبة).

مشكلة العرب الكبرى أنهم يقعون على مفترق طرق التجارة العالمية في عالم بدأ يتوحد ويتعاون وهم لا يزالون يعيشون أحلام الفتوحات والنصر التي لا تطعم خبزا ولا تأتي بالخير لأحد، وقد سبقهم الكثيرون ممن اعتبروا متأخرين وها هي مراكز التجمعات الكبرى في الهند والصين وجنوب شرق آسيا تنفتح صوب أوروبا وأميركا وتتعاون مع الكل في سبيل أبنائها. ويشكل عرب الخليج في الكويت والأمارات وقطر وغيرها جزءا مهما من تجارة الانفتاح العالمية وهم يحاولون تأمين مركزا لهم على “طريق الحرير الجديد” كما يسمونه.

فلماذا لا تتلقف مصر هذه “الصفقة” أو مثيلاتها (التأجير مثلا كما يحدث بين الكويت والصين أو كندا والصين) وتسهم مع الفلسطينيين في بلورتها والدفع باتجاه تحقيقها حتى ولو كانت غير جدية، علّ بعض القوى تساندهم أو تتناقش معهم في بلورة تحقيق أحلام التطور والتقدم والتعاون خاصة مع جيرانهم والتخلص نهائيا من أعراض مرض الرفض الملاحق لهم.

عماد أديب وغيره من الصحافيين يعرضون المرض، وهو استمرار غياب الطرح العربي لأي حلول، ويوم تعرض عليهم أفكار للحلول تراهم، ككل العرب، يرفضون كردة فعل أولى وبدون التفكير الجدي بمصلحة شعوبهم، ولا هم يعرضون بالمقابل مشاريع منطقية للحلول.
فكيف سيأخذهم الغير على محمل الجد.
وكيف سيشاركون باقتراح أو مناقشة أي حل؟

وحين يفرض الحل بواسطة الغير يقفون ككل مرة معترضين متباكين على الأطلال مطالبين اقله بما كان قد عرض ذات مرة.
برأيي المتواضع على السيد عماد أديب وغيره من قادة الرأي في بلاد العرب أن ينتقلوا من مهمة مسايرة الشارع بتفسير ما يرفضه على أنه الصح، إلى مواجهة الناس بالحقائق التي تسهم في تقدمهم وتطور مجتمعاتهم لكي نصل إلى شرق أوسط لا تقوده إيران ولا تركيا بل أبناؤه مجتمعين ومتضامنين على الخير ومتعاونين مع تركيا وإيران وإسرائيل (لما لا؟) وغيرها من الجيران لتوزيع الرفاه وتقاسم الثروة بإشراف الدول الكبرى التي لها مصالح تريد أن تحميها لكي يكون لنا رأي يضمن مصالحنا مع الكل وتحت مظلة القانون الدولي وبدون عقد التاريخ التي لا تزال تتحكم فينا وتشدنا إلى التخلف…
*شربل بركات/ضابط لبناني متقاعد وكاتب ومحلل سياسي

*في أسفل فيديو مقابلة الكاتب والإعلامي عماد الدين أديب التي هي موضوع مقالة الكولونيل شربل بركات
فيديو مقابيلة من تلفزيون المر مع الكاتب والإعلامي المصري عماد الدين أديب/03 آب/18/اضغط عنا أو على الرابط لإي أسفل لمشاهدة المقابلة
https://www.youtube.com/watch?v=4aKX7zb844k&t=478s

العقل السياسى العربى: عقل سياسى محلى وتحليل عالمي
عماد الدين أديب/الوطن/07 آب/18
أخطر ما يهدد العقل السياسى العربى هو أن يصبح فى حالة استغراق كامل فى شأنه المحلى ويقوم بتحليل كل ما يدور حوله إقليمياً ودولياً من هذا المنظور المحلى جداً.
الكارثة الكبرى أن تفكر محلياً وتحلل وتفسر ذلك إقليمياً وعالمياً.
أزمة العرب أنهم يؤمنون إيماناً جازماً أنهم على سلم أولويات البيت الأبيض والكرملين والإليزيه و10 داونينج ستريت.
نعم العالم العربى يهم العالم، ولكن من قبيل النفط والغاز والممرات الاستراتيجية والثروات وسوق تصريف بعض المنتجات، لكنه ليس مكاناً للعلم أو تصدير التكنولوجيا أو القوة الناعمة أو يسهم بأى قدر ولو ضئيل فى تشكيل قيم العالم أو تطوير حياته.
أهمية العالم العربى الآن أنه ساحة قتال كبرى تتسع من سوريا للعراق ومن اليمن إلى ليبيا ومن غزة إلى سيناء.
أهمية العالم العربى الآن أنه «فاترينة» أو قاعة عرض لأحدث أنواع الأسلحة التى يتم استخدامها بشكل حىّ من خلال ضحايا عرب ومسلمين.
أبلغ نموذج لحالات التفكير المحلى الموغل فى الانكفاء على الذات هى حالة المجتمع السياسى اللبنانى الذى ما زال يعيش نظام قيم الحرب الأهلية اللبنانية.
ما زال لوردات الحرب اللبنانية، وعائلات الإقطاع السياسى التى كانت تستخدم تجارة السلاح، وإتاوات الحواجز، والمال السياسى، وتجارة العملة المزيفة، وتهريب البضائع، وزراعة المخدرات، هى ذاتها التى تتحكم فى الحياة الحزبية وتتقاسم أركان السلطة والبرلمان.
هذا العقل «المافيوى السياسى» مستغرق للغاية داخل نفسه ويؤمن وهماً بأن هناك تقريراً يومياً عن لبنان يقدم على مائدة إفطار كل من ترامب وبوتين وماكرون وبنج وميركل وتيريزا ماى.
ومن يقرأ بعض التحليلات السياسية أمس واليوم فى لبنان سوف يجد عناوين تقول:
«ريجان وجورباتشوف يبحثان لبنان فى فلاديفستوك».
«شيراك وتاتشر يؤكدان على أهمية الاستقرار فى لبنان».
«بوتين وترامب يتفاهمان على تشكيل الحكومة اللبنانية فى هلسنكى».
هذا الخلل فى بناء العقل السياسى للنخبة السياسية العربية بوجه عام والنخبة السياسية اللبنانية بوجه خاص تراه يؤدى حتماً وبالضرورة إلى الوصول إلى خلاصات ونتائج خاطئة فى الفهم والتحليل السياسى.
هناك قانون منطقى وفلسفى صحيح مائة فى المائة -حتى الآن- يقول «إن المقدمات الخاطئة تؤدى بالضرورة إلى نتائج خاطئة».
من هنا نجد أن العقل السياسى اللبنانى محاصر فى قضايا: مولدات الكهرباء وأزمة النفايات وكسارات المحاجر، ومحارق النفايات، وتوزيع بيزنس النفط والغاز، وتشريع زراعة الحشيش، دون إيجاد حلول، فى ذات الوقت الذى يقوم فيه بربط هذه القضايا دائماً بإرادات قوى إقليمية ومصالح دولية.
باختصار انكفاء فى الداخل دون حل، والإصرار – كذباً – على أن الحل مرتبط عضوياً بالمنطقة والعالم.
هذا العقل الذى يعيش حالة من الواقع الافتراضى فشل فى القضاء على القمامة فى الشوارع أو يعانى من جنون الصراع على حصص تشكيل الحكومة.
قمامة فى الشوارع، قمامة فى التحليل السياسى، تؤديان بالضرورة إلى قمامة فى النتائج والحقائق.