الدكتورة رندا ماروني/خطاب راديكالي وسياسة براغماتية، هل ستسقطهما ثورة الجياع؟

310

خطاب راديكالي وسياسة براغماتية، هل ستسقطهما ثورة الجياع؟
الدكتورة رندا ماروني/01 تموز/18

من النظرية إلى الدستور إلى التطبيق، خطاب راديكالي وسياسة براغماتية!!

إن النظريات الإيرانية التي تقدم تصورات لدور إيران ومكانتها وضرورة قيادتها للعالم الإسلامي دون غيرها من الدول باعتبارها دولة الإسلام الصحيح، لقيت رواجا في الثمانينات ثم خفتت الفكرة فجأة وتم إخفاء كتاب مقولات في الإستراتيجية الوطنية الذي يعرض نظرية أم القرى، هذه النظرية التي تعطي إيران دورا رياديا متصدرا وحاكما في العالم الإسلامي، ثم أعيد تبني هذه النظرية في فترة الحكم الحالي وإنتقلت من الطرح إلى التطبيق من خلال السياسات التوسعية وتجسدت في الدستور.

لقد سعت نظرية أم القرى لأن تكون إيران إمبراطورية ممتدة بإمتداد البلاد الإسلامية ومسيطرة عليها وساعية لنشر فكرها فيها ومستقطبة لها بالترغيب والترهيب، وهذه النظرية وضعها وصاغها محمد جواد أردشير لاريجاني، الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء والذي ترأس عدة مؤسسات بحثية مهمة، وعمل نائبا في البرلمان الإيراني لفترات متوالية ومساعدا لوزير الخارجية لعدة سنين في عهد الخميني، وكان عضوا ومستشارا في مجلس الأمن القومي الإيراني، وقد إعتمد كتابه، مقولات في الإستراتيجية الوطنية، كمادة تدريسية في الجامعات الإيرانية، وتحتوي هذه النظرية على بعدان، الأول داخلي يهدف إلى الحفاظ على الدولة وقد تجسد هذا البعد في الدستور الإيراني بمركزية محكمة، أما البعد الخارجي يهدف لصناعة إمبراطورية توسعية لا تعترف بسيادة الدول ولا بحدودها.

ولتحقيق هذه النظرية لا مانع من ممارسة السياسات البرغماتية والتقية السياسية مع الدول في بعض الوقت من أجل المحافظة على أم القرى، إنما هذه التقية تكون إلى حين وليست مستمرة دائما، وهذا ما نراه فعليا في ممارسة السياسة الإيرانية التي تتراوح بين الإنحناء عند تلمس الخطر والإنقضاض عند التمكن، ولا يخفى على أحد بأن إيران هي من أكثر الدول التي تقوم بإعدام المعارضين، فهل الواقع المذري للشعب الإيراني بات أشد وطأة من الخوف من الإعدام؟

إن التكلفة المتوجبة لتطبيق نظرية أم القرى باهظة جدا على الشعب الإيراني، فيما ترى السلطة أن إنفاق المال لنشر هذه النظرية أمر يسير مقابل المكاسب التي يمكن أن تتحقق، يقول لاريجاني: “إذا كان هناك تكاليف مالية لأم القرى فليس هذا مهما، فهذه التكاليف من مقولة الإسلام نفسه، أليس إنتصارنا إنتصارا للإسلام؟

إذا لماذا يجب أن نتحدث أساسا في المصاريف؟، لذلك يجب أن يطرح الدفاع عن العالم الإسلامي في إستراجيتنا الوطنية كركن أساسي ويجب أن يكون مد نظرنا قيادة العالم الإسلامي، والواقع أن إيران هي أم القرى أي دار الإسلام، وهي مهد الإسلام الحقيقي والخالص، فإنتصار أو هزيمة إيران هما إنتصار وهزيمة الإسلام “.

لقد بنت إيران سياساتها الاقليمية على تطبيق نظرية لاريجاني التي تروج للإعتداء على سيادة الدول، وتؤسس لإمبراطورية توسعية فوق قومية تتخطى الحدود الجغرافية لفرض التبعية، وفي هذا الإطار يقول لاريجاني: “إننا نقبل بالتقسيمات الحدودية مجبرين لأن رفضها يعني أن حروبا واسعة ستقوم بين المسلمين والكفار، وأيضا بين المسلمين أنفسهم، كما إن إمكانيات الدولة يجب أن تستخدم بشكل منحصر لمصالح شعب هذه الأرض ذات الحدود المعروفة وإن أي إستخدام لها في خارج الحدود يجب أن تكون بصورة مباشرة لمصالح الموجودين داخل الحدود”.

أما قيادة العالم الإسلامي حسب نظرية لاريجاني فهي لولاية الفقيه حيث يعتبر أنه لا يصح قيادة العالم الإسلامي إلا من خلالها ويقول: “تلاحظون أنه من أجل إيجاد أم القرى فليس مطروحا الموقع الإستراتيجي والسكان والجنس وأمثال ذلك، بل المعيار هو في الولاية، وبعبارة أخرى، إذا إدعت دولة بأنها أم القرى فيجب عليها أن ترفع مستوى قادتها إلى أبعد من حدودها الجغرافية وأن تجعلها منتخبة لكل الأمة”.

لقد جسدت النظرية نظاما إعتبرته بديلا عن كل الأنظمة السياسية القائمة ودعت للولاء لإيران بإعتبار أن ولاء الشعوب يكون للإسلام ثم للدول. لكن هذه النظرية التي مزجت بين الإسلام وإيران تدعو للولاء لإيران حيث يرى لاريجاني أنه بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران أم القرى دار الإسلام، أصبح عليها واجب أن تقود العالم الإسلامي وعلى الأمة واجب ولايتها، أي أن إيران أصبحت لها القيادة لكل الأمة.

لقد فرضت هذه النظرية بالقوة داخل إيران ونجحت أن تكون التوجه الرسمي للدولة وترجمت في النصوص الدستورية المعقدة والمتشابكة لدرجة تجعل من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية رجلا بحصانة وبصلاحيات لم يعرفهما أي حاكم في تاريخ البشرية. فبحسب الدستور وطبقا للمادة الثانية فإن الله هو حاكم إيران، “الله يمارس السيادة المطلقة في إيران ويشرف على إعداد القوانين”.

أما من يمارسها على الأرض فهم الأئمة المنحدرون من نسل الإمام علي بن أبي طالب إبن عم النبي محمد، وآخرهم الإمام المهدي المنتظر الملقب بالحي الغائب أو معلم الزمان الذي إختفى حينما كان عمره خمس سنوات، وحسب المعتقد أنه سيظهر في آخر الزمان ليخلص البشرية مما هي فيه من تخبط وضلال. وعلى مدار قرون كان كل أئمة الشيعة يحرمون على رجال الدين ممارسة السياسة لأن ذلك من وجهة نظرهم بمثابة إغتصاب لسلطة الإمام المهدي المنتظر، غير أن الإمام الخميني إستطاع تغيير هذه الفكرة بعد مئات السنوات وأفتى بأنه يتعين على رجال الدين المتفقهين فيه ممارسة دور الإمام المهدي المنتظر حتى يظهر ذلك الأخير.

وانطلاقا من هذه التعديلات أنشأ الخميني مذهبه الشهير المعروف بإسم ولاية الفقيه، وبناءا عليه أصبحت المادة الخامسة من الدستور الإيراني تنص على: “في ظل غياب معلم الزمان، عجل الله بظهوره فإن السلطة تؤول لإمام عادل زاهد فقيه ولديه قدرات إدارية”. ووفقا للمواد الدستورية المفروضة، فإن هذا الإمام يتمتع بصلاحيات، إذا لم نقل إلآهية فهي صلاحيات شبه إلآهية بحدها الأدنى، يتحكم من خلالها بكل مفاصل الدولة والمراكز الموزعة. لقد إستطاعت هذه النظرية أن تغير وجه إيران السياسي بالرغم من وجود معارضة ملالوية لها منذ البداية تم ضربها وتطويقها، كما إستطاعت أن تؤثر في الساحة العربية والإسلامية وأن تمد نفوذها داخل كل من لبنان وسوريا والعراق والخليج واليمن والمغرب العربي وآسيا وأفريقيا وإن كان بنسب متفاوتة.

نظرية ذات خطاب علني راديكالي إستخدمته لإستنهاض فئات مستضعفة واعدة نصرتهم على المستكبرين، إنما الاهداف براغماتية توسعية أباحت سياسات التعاون والتجاوز والقفز فوق ما هو معلن، سياسات إحتقرت شعبا بكامله وغزت دولا حولتها إلى خراب لنصرة أم القرى، فهل ستنتصر النظرية أم ستدحرها ثورة شعب جائع؟ ففي علم السياسة لا تصح النظريات المفروضة على الواقع إنما المنبثقة منه وما يفرض هنا شبيه بالخيال المضطرب المجنون، يستطيع أن يخرب إنما لا يستطيع الإنتصار.
يستطيع أن يخرب
لا يعرف الإنتصار
خياله مضطرب
جنونه دمار
حاقد مخرب
ضارم للنار
يتعدى يقترب
حد الإنتحار
يستجلب المصائب
دون إدخار
لتتلى تباعا
كسيل أمطار
عذره نظرية
صاغها بصار
كنظام وحيد
لكل الأقطار
فريد بنوعه
يصدم أفكار
عقل العاقل
فيعلن إنكسار
وبداية ثورة
لخرق الجدار
فتزداد المصائب
دون إدخار
وتتلى تباعا
كسيل أمطار
حاقد مخرب
لا يعرف إنتصار
خياله مضطرب
جنونه دمار.