حنا صالح/درعا ورمزية الثورة السورية

28

درعا ورمزية الثورة السورية
حنا صالح/الشرق الأوسط/28 حزيران/18

انتهى بإعلان رسمي من «حميميم» اتفاقُ «خفض التصعيد» في الجبهة الجنوبية لسوريا، بعدما كان الاتفاق الوحيد الذي حمل طابعاً دولياً من خلال مشاركة الولايات المتحدة في وضعه إلى جانب روسيا والأردن. ولعله من الصعب القول اليوم إن تلك الجهات كانت قد اتفقت على إطار دائم لهذه الجبهة منفصل عن وضع سوريا ككل، وعن وضع المنطقة عموماً، سيما أن النظر إلى الوضع في جنوب سوريا لا تمكن رؤيته إلاّ من خلال نظرة أوسع لها خصوصيتها الجيوسياسية. هذا العنوان شكّل محوراً أساسياً من المحاور التي نوقشت تكراراً في القمم الثماني التي جمعت الرئيس الروسي بوتين مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، إلى تبادل زيارات مسؤولين آخرين روس وإسرائيليين كانت آخرها زيارة قائد الشرطة الروسية لتل أبيب، وكل ذلك كان يتمُّ بالتوازي مع مباحثات مع الأردن من ناحية، ومن الأخرى بين موسكو وواشنطن وبين تل أبيب وواشنطن، وتوجت بمباحثات موسكو بين لافروف – بولتن وانضم إليها الأردن، لتبرز صيغة أخرى كبديل عن منطقة «خفض التصعيد». والنقاش الفعلي لهذه الصيغة كان قد تقدّم كثيراً بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وما تلاه من تصعيد في مضمون المواقف الأميركية التي حمّلت طهران المسؤولية عن زعزعة الاستقرار في المنطقة.

في هذا السياق وتزامناً مع إعلان النظام اعتزامه استعادة المنطقة الجنوبية، كانت لافتةً المواقفُ الروسية المتتالية، فقد حذّرت موسكو من أنها لن تشارك بتوفير غطاء جوي لعملية واسعة في الجنوب تشترك فيها ميليشيات الحرس الثوري ومن ضمنها «حزب الله»… وسبق ذلك قيام الرئيس بوتين بحثِّ الأسد على ضرورة مغادرة كل الميليشيات الأجنبية لسوريا، فيما كانت تل أبيب تتحدث بعد زيارتي نتنياهو وليبرمان إلى موسكو عن تفهم روسي لحاجاتها الأمنية (…)، وتكشف عن توافق مع الروس على انسحاب هذه الميليشيات نحو 60 كلم باتجاه الشمال ولو على مراحل. وعاشت المنطقة على وقع تسريبات أن ميليشيا «حزب الله» وبقية ميليشيات الحرس الثوري غادرت مواقعها في المنطقة، ليخرج الإعلام الروسي ليقول: إن هذه الميليشيات عادت بلباس الحرس الجمهوري السوري والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، فيما كانت وحدات سورية، قيل إنها من الفيلق الخامس، برفقة الشرطة الروسية تمسك بالحدود في منطقة القصير وتقفل المعابر المعروفة التي تربط بين الداخل السوري ومنطقة الهرمل.

على الأرض كانت تتبلور ترتيبات تقسيم مؤقت للنفوذ في المنطقة الجنوبية بين غرب وشرق؛ غرب ملاصق لمنطقة الجولان المحتل وبعض الحدود مع الأردن، يستمر فيه وجود «الجيش الحر» ولا يقلُّ عمق المنطقة عن ثلاثين إلى أربعين كلم، وشرق عبر وصل ريفَي السويداء ودرعا باعتماد طريق كالقوس عبر «أذرع» و«اللجاه» و«بصرى الحرير» باتجاه الحدود مع الأردن لوضع الحدود بعهدة الجيش السوري ولإعادة فتح معبر بين البلدين بديل عن معبر «نصيب» الذي يقع في المنطقة الغربية. وتنفيذاً لهذه الخطة تمّ استقدام وحدات سهيل النمر العسكرية التي أطلقت حملة عسكرية واسعة منسقة مع الروس والشرطة الروسية لتقطيع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، بعدما جرى سحب «الفرقة الرابعة». وقضت الترتيبات الجديدة بأن يتسلم الجيش السوري كل المراكز الرسمية، بينما ستنتشر الشرطة الروسية في درعا مع تسريب معطيات غير مؤكدة عن القبول ببقاء عناصر «الجيش الحر» في المدينة لأنهم من أهلها وأبنائها. وحده الأردن الذي يعاني أزمة اقتصادية خانقة ويدرُّ عليه المعبر الحدودي سنوياً مئات ملايين الدولارات، حذَّر من مخاطر التصعيد العسكري وما سينجم عنه من قتل ودمار وتهجير جديد، مؤكداً أن الحدود الأردنية ستكون مقفلة ويجب إيجاد أمكنة إيواء للنازحين داخل الحدود السورية، كما حذّر من الخطر الكامن إذا استمر وجود ميليشيات متطرفة أو جماعات إرهابية على مقربة من حدوده.

في هذا التوقيت تلقت قيادة الجبهة الجنوبية رسالة أميركية مفادها أن واشنطن تريد أن توضح «ضرورة ألاّ تبنوا قراراتكم على افتراض أو توقع قيام أميركا بتدخل عسكري».. وأن «الأمر يعود إليكم فقط في اتخاذ القرار السليم في شأن كيفية مواجهة الحملة العسكرية للنظام السوري». الموقف الأميركي لم يفاجئ أحداً، واللافت أن الكشف عنه تزامن مع الكشف عن القمة المرتقبة بين الرئيسين ترمب وبوتين التي ستنعقد قبل منتصف يوليو (تموز) في النمسا، وبالتأكيد ما كانت موسكو لتجازف بالسماح بهذه العملية لولا التوافق مع واشنطن التي وضعت على الطاولة موضوع سحب القوات الإيرانية والتابعة لها من المنطقة. هنا نفتح مزدوجين للإشارة إلى أن تثبيت الوضع الجديد للجبهة الجنوبية لم يبلور بعد صيغة كاملة للتعاطي مع النفوذ الإيراني، ومع أدوار مختلفة تقوم بها ميليشيا «فيلق القدس»، ومنها تسريع عمليات التوطين لأعداد كبيرة من عناصر الميليشيات التي تم منح أفرادها الجنسية السورية، أعداد تستفيد – كما يُشاع – من القانون رقم 10 المتعلق بأملاك الغائب لوضع يدها على بيوت وأملاك السوريين لمنعهم من العودة… في المقابل الأحاديث عن أن الحكم السوري يقترب أكثر من الروس وأن الوجود الإيراني لم يعد مريحاً له، ليست مثبتة ولا نهائية.

على نار هادئة تمت حياكة الترتيب الجديد للجبهة الجنوبية؛ ترتيب ميداني وترتيب سياسي، ما يعني من جملة ما يعنيه القبول الإسرائيلي والغربي باستمرار الأسد على رأس النظام السوري، وعلى الدوام كان هذا هو الموقف الإسرائيلي، وتجربة حراسة النظام السوري لحدود الاحتلال في الجولان أكبر دليل. لكن التنفيذ أشعل مواجهات دموية وبسالة كبيرة من جانب المقاومين كانت موسكو توحي عبر المناورات والضغوط بأنها تسعى لتجنبها، بينما هي تشارك فعلياً في أكبر عمليات قصف جوي لانتزاع نصر عسكري شخصي يسعى إليه رأس النظام السوري، باعتبار أن الجبهة الجنوبية ترتدي أهمية استثنائية بعد الغوطتين بالنسبة إلى أمن النظام، الذي يريد القول: إنه طوى كل تهديد عسكري مستقبلي له، مع أنه منذ زمن لم يعد التهديد العسكري وارداً، وفات الكثير من الجهات في الفصائل كما في المعارضة السياسية رؤية أبعاد التحول الكبير الذي غيّر المشهد السوري. رغم ذلك لدرعا رمزية ثورية كبيرة؛ ففي الذاكرة الطرية للسوريين، شكّلت درعا مهد الثورة السورية، ويريد رأس النظام السوري الآن الثأر منها عبر إعادة السيطرة عليها، لكن الصورة راسخة في الداخل والمنافي وبين السوريين وكل الرأي العام الخارجي، إنها صورة الطفل حمزة الخطيب الذي تم التنكيل به والتمثيل بجثته… وراسخة في الذهن كذلك، أنه في درعا وكل الجنوب السوري وحوران التي خرجت سلماً من تحت الديكتاتورية، لم يسجل يوماً على فصائل الجبهة الجنوبية أيّ تطرف أو نزوع إلى التحكم والاستبداد، ولم تحدث فيها تجاوزات على الناس بل استمدت هذه الجبهة كل قوتها من محيطها.

مع محطة درعا، وهي محورية، سيبقى في الذهن أن الثورة السورية بدأت كانتفاضة شعبية يوحِّدها هتاف شهير: واحد واحد واحد الشعب السوري واحد… وطي صفحة العسكرة التي جرى فرضها على السوريين من النظام وحلفائه لتشويه الانتفاضة ووسمها بالإرهاب، لن يُطوى جوع السوريين للخبز والكرامة والحرية.