فداء عيتاني/درعا: نموذج داريا وليس الغوطة

32

درعا: نموذج داريا وليس الغوطة
فداء عيتاني/25 حزيران/18

ابلغت الولايات المتحدة الفصائل المقاتلة في الجبهة الجنوبية بعدم انتظار دعم اميركي مباشر خلال معركة درعا. البلاغ الاميركي الرسمي، والذي اريد له ان يتسرب اعلاميا، لم يحمل اي جديد، فالولايات المتحدة اوقفت اغلب اشكال الدعم عن الفصائل والجنوب السوري منذ تشرين الثاني العام ٢٠١٧، اما ما تتناقله وسائل اعلام الممانعة وروسيا فلا قيمة له، وليس اكثر من متابعة لنهج الدعاية السياسية المعتمد من قبلها.

الولايات المتحدة لا تملك خريطة طريق واضحة، لا في الجنوب ولا في اي من جوانب الملف السوري، ومن كان يعتقد بان الضربات الاميركية على مطارات النظام، ردا على استخدام النظام للغازات في قصفه المدنين، ستكون مدخلا لتغيير في موقع واشنطن من الحرب والثورة والنظام والاحتلال الروسي كان (وكالعادة) يعيش في احلامه الوردية. فالضربات لم تكن اكثر من هروب اميركي من مآزق الرئيس دونالد ترامب الكثيرة، ولرسم خطوط واضحة للعبة الدولية، وتحجيم قدرات ودائرة عمل الرئيس الروسي فلايدمير بوتين في سوريا والشرق الاوسط. اما مسار جنيف فقد تم دفنه ولن يكون له قيامة الا لتكريس شرعية النظام الهشة على ما سيتبقى من سوريا بعد التقاسم الدولي المقبل.

درعا اليوم تواجه المد الروسي الايراني بمفردها، يعتقد اهل الجنوب بان اسرائيل لم تنطق كلمتها بعد، الا ان الواقع خلاف هذا الرأي، فقد اكتفى الاسرائيليون بتصريح وزير الدفاع افيغدور ليبرمان يوم ١٥ حزيران الحالي، حين قال بان لا قوات ايرانية او موالية لايران في جنوب سوريا. علما ان كل التقارير العسكرية الواردة من جنوب سوريا، وخاصة من اللجاة تفيد بان القوات الايرانية تقاتل الى جانب، واحيانا قبل، قوات النظام السوري، وعمليات الرصد والاختراق للجيش الحر افادت ومنذ نهاية ايار عن حشود ايرانية او موالية لايران على جبهات الجنوب.

بغض النظر عن الواقع الميداني، فان تصريح ليبرمان من ناحية واعلان القوات الروسية عن مشاركة طائراتها بتقديم الغطاء الجوي لقوات النمر في الجنوب السوري يشيران الى بداية المعركة بعد حصول توافق روسي اسرائيلي لا يزال مجهول التفاصيل، وان الحديث الاسرائيلي عن بقاء القوات الايرانية على مسافة ٤٠ كيلومترا عن حدودها مجرد حبر على ورق.

في ظل هذا الواقع، والانسحاب السعودي من الملف السوري عامة، ورفض تركيا البحث بمصير اللاجئين من درعا، او عمليات النزوح المنظمة اللاحقة لمعركة ما، وفي ظل اعلان الاردن من ناحية على عدم قدرته على استقبال المزيد من اللاجئين، ووصل عشرات الاف منهم (الرقم الواقعي يلامس الاربعين الفا اليوم) الى الحدود، وفي ظل فتح اسرائيل حدودها لتقديم ”خدمات انسانية للاجئين السوريين“، اضافة الى الضغط والتهديد الروسي للدروز في السويداء بالانضمام الى المعركة او استخدام ”الحل الامني مع العصاة“، اصبحت رقعة خيارات مقاتلي السويداء شديدة الضيق.

لا شك بان قادة الفصائل المقاتلة في الجنوب السوري قد ارتكبوا من المعاصي ما لا طاقة لاحد على تبريره، ولا قبول للسكان بمغفرته، الا ان الفصائل نفسها، واغلب مقاتليها لا يزالون يحافظون على محلية (واهلية ما) تخولهم القتال، سيما ان هذا هو خيارهم هم، فهم من رفض التسويات مع الروس، وهم من نفذ عمليات تصفية لكل من حاول اختراق الجسم الجنوبي، سواء تحت اسم المصالح المشترك والاعمال التجارية، او باسم المصالحة والعمل ضمن قوات النظام، وليس سرا ان من صفى رموز المصالحات هم عناصر وضباط من الجيش الحر، رفضا لاي محاولة تسوية مطروحة لا تأخذ بعين الاعتبار وجود الجيش الحر والحق بحرية المناطق الجنوبية.

لم يبق امام الفصائل في الجنوب الا القتال، ومع القتال يطرح خيارين، اولا التحول الى غوطة اخرى، وترك السكان عرضة لقصف روسي ومدفعية النظام لاسابيع قبل اعلان الانسحاب، ولكن المشكلة هذه المرة ان احدا لا يطرح على الجنوب طريقا للانسحاب. الا ان نموذج جيش الاسلام وفيلق الرحمن، وحرق الغوطة قبل سحب ثروات قادة الفصائل وسرقاتهم الى الشمال لا يزال مطروحا امام قادة الفصائل، الذين ربما يرغبون باعادة تجربة التسليم بعد مجازر بحق اهلهم المدنيين، ويلي ذلك خرق للتعهدات الروسية، واعتقال المئات من السكان وجر الالاف الى الخدمة العسكرية ضمن قوات النظام.

الخيار الاخر هو القتال من اجل التاريخ، ربما من السذاجة اليوم التحدث عن قتال لن يجلب اي نتائج سياسية تذكر، الا انها اللحظات الاخيرة في عمر الثورة اذا ما سقطت درعا دون قتال، وثورة انهزمت وهي تقاتل ستعطي امالا لفئات اخرى بالمتابعة اكثر بما لا يقاس من ثورة اخترقها اللصوص والمستسلمون.

وربما من الاجرام الطلب من المدنيين التضحية، الا ان الدم سيسفك ايضا بحال دخول النظام بلا قتال، والمنازل ستنهب، والاعراض ستنتهك، ليس انتقاما، ولكن لان النظام يعتمد هذه السياسة مع كل المناطق التي سلمت او قاتلت، ولم تستثن اي منطقة من هذه الممارسة، من القصير التي اخليت بموجب اتفاق، وتم نقضه خلال عملية الانسحاب، وصولا الى الغوطة التي حصلت ايضا على ضمانات روسية لم تعش اكثر من اسبوع، مرورا بوادي بردى وحلب ويبرود وحمص وغيرها من المناطق.

لا شيء يحقن الدماء مع وحش النظام السوري الكاسر، ولا شيء يمكنه منع عمليات التشفي التي لحقت بكل التسويات.

نموذج داريا كان ساطعا في الحصار، كما في القتال الاخير، وحين قررت داريا التسوية بعد انتهاء القتال خرجت عن بكرة ابيها الى الشمال، كانت قد قاتلت حتى الرمق الاخير، واستخدمت كل ذخائرها الثقيلة، ولم يعد لدى المدافعين عبوة ناسفة واحدة يصدوا بها الدبابات الغازية، وحين خرجوا كانوا يحملون على وجوههم بسمة الانتصار.

لم يعد امام الجنوب الكثير من الخيارات، وحده القتال العاري يمكن ان يكون الرد المسبق على القتل العاري الذي سيمارسه الروس والايرانيون والنظام.
https://godottoldus.wordpress.com/2018/06/24/%D8%AF%D8%B1%D8%B9%D8%A7-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%88%D8%B7%D8%A9/