علي الأمين/إيران وبداية الانكفاء من العواصم العربية الأربع

98

إيران وبداية الانكفاء من العواصم العربية الأربع
علي الأمين/العرب/05 حزيران/18

صاحب القرار الإيراني يدرك أنه بات اليوم بعد كل “إنجازاته” بين فكي كماشة موسكو وواشنطن، أي أن خيارات طهران في المنطقة العربية تقلصت حين قررت هاتان العاصمتان الحد من الدور الإيراني.

تحجيم النفوذ الإيراني
الرسائل التي تصل طهران من عدة اتجاهات لم تعد خافية على أحد، فصانع القرار الإيراني بات يدرك أنّ العواصم العربية الأربع التي احتفى قبل سنوات بالسيطرة عليها، لم تعد هي نفسها التي سيطر عليها وأمسك بقراراتها وسياسات حكوماتها إلى حدّ بعيد، بل لم يعد هلال الممانعة أو الهلال الشيعي كما يحب البعض أن يسميه، هلالا مضيئا بالأنوار السليمانية (نسبة لقاسم سليماني) فالمشهد على نتيجته الكارثية عربيا، يكشف كيف أن المدن العربية المثخنة أو المدمرة من صنعاء إلى بغداد إلى دمشق وبيروت، باتت، وبتفاوت في ما بينها، تحاول التفلت من الموت الذي يحاول أن يخنق ما تبقّى من الحياة فيها.

كما لا يخفى على صانع القرار في إيران أن ما حققه في تلك الحواضر العربية، ليس إلا سيطرة على مدن صارت هياكل مصدّعة تعيش في غربة عن تاريخها، وتعيش حالا من الانقطاع عن بنيان الدولة وتنزف أبناءها ورموز الحياة فيها، كل ذلك بسبب الجراح التي أثخنت جسد الاجتماع العربي الإسلامي، وبسبب الاستهانة بحرمة المجتمعات، والاستثمار في الدمار الذي بات الخروج منه يتجاوز القدرات المالية والاقتصادية المستنزفة، إلى بناء الإنسان الذي جرى تطويعه وجرّه مكرها نحو متاهات المذهبية والطائفية وكل ما ينتمي ويتناسل من مقولة “شعب الله المختار” و”الفرقة الناجية”.

لم يكن النفوذ الإيراني في مناطق سيطرته في الدول العربية، يختلف في جوهره عن أيّ مفهوم استعماري، بل تفوّق في ما يمتلكه من أدوات على سواه من الدول الاستعمارية، تجاوز نموذج الاستعمار القديم والحديث، في الاستثمار المدمر في بنية المجتمعات العربية، بحيث لم يكن الدخول الإيراني وتمدد نفوذه قائمين على أسس تعزيز مشروع نهضوي، ولم يقم بنيان نفوذه على قواعد سياسية تنتمي إلى منهج التحرر أو تعزيز مشروع الدولة، بل خاض في غمار العبث بوحدة المجتمع، وعزّز نفوذ العصبيات المذهبية، بدل الحدّ من سمومها.

لعل الأمثلة التي يكشفها واقعنا العربي ولا سيما في تلك العواصم العربية التي تباهت القيادة الإيرانية بالسيطرة عليها، لا تتحمل طهران وحدها المسؤولية عما آلت إليها أحوالها، وليس النظام الإقليمي العربي بريئا مما وصلت إليه، كما لا نبرئ المجتمع الدولي ولا سيما الإدارة الأميركية وروسيا من مسؤوليتهما على هذا الصعيد. لكن المسؤولية الإيرانية لها خصوصيتها، بسبب ما ارتكبته بعض أدواتها تجاه هذه الدول سواء في العراق أو سوريا وغيرهما، من أعمال في التدمير الذي أعفى العديد من الدول الاستعمارية من المسؤولية الكاملة عن الجريمة. فالسياسات الإيرانية لم تكن في جوهرها متعارضة مع غايات تدمير الدول، إذ ليست الشعارات كطريق القدس والمقاومة إلاّ عناوين براقة عمليا لمشاريع تدمير ممنهج لدول ومجتمعات عربية، فالحصيلة الاستراتيجية للمشروع الإيراني في المنطقة العربية، هي المزيد من تهشيم النظام الإقليمي العربي، وتصديع المجتمعات العربية، وتقديم المنطقة العربية على طبق من ذهب للدول الكبرى التي تأتي في مقدمها روسيا والولايات المتحدة.

يدرك صاحب القرار الإيراني أنه بات اليوم بعد كل “إنجازاته” بين فكّي كماشة موسكو وواشنطن، أي أنّ خيارات إيران في المنطقة العربية تقلصت حين قررت هاتان العاصمتان الحد من الدور الإيراني.

ففي اليمن وعلى الرغم من وجود قوة التحالف العربي والإسلامي الذي تقوده المملكة العربية السعودية دعما للشرعية اليمنية منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن تراجع أنصار الحوثيين وانكفاءهم بدآ منذ أن أعلنت واشنطن في رسالة قوية ضد طهران إلغاء الاتفاق النووي، الذي كان توقيعه في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، مؤشرا على المزيد من تمدد حلفاء إيران في اليمن وفي سوريا وقبلهما العراق ولبنان. الرسالة الأميركية هذه أطلقت مرحلة جديدة من تحجيم النفوذ الإيراني، وهو تحجيم لا يعكس رغبة الدول الكبرى في إنهائه، بل في تهذيبه وتحديده بما لا يخلُّ بمنظومة السيطرة الدولية على المنطقة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ما قالته رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي قبل يومين لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع بدء انهيار القوات الحوثية في أكثر من منطقة يمنية، بأنّ الحل في اليمن هو حل سياسي وليس عسكريا، ويأتي الموقف البريطاني، بعدما تناقلت وسائل الإعلام الغربية عن جهات رسمية في الاتحاد الأوروبي رسائل إيرانية تفيد باستعداد إيران لتقديم تنازلات في اليمن في سياق حماية الاتفاق النووي بينها وبين الأوروبيين.

وليس هذا فحسب، فقد استجابت إيران لشروط إسرائيلية بالابتعاد عن حدود سوريا الجنوبية بطلب روسي، وتراجعت عشرات الكيلومترات عن هذه الحدود، بعدما كانت شعارات الحرب الإيرانية في سوريا تتركز على مواجهة المشاريع الصهيونية، وعلى منطق شق الطريق نحو القدس، فيما الواقع يقول إن السلاسة الإيرانية لم تظهر في كل سوريا إلا في اتجاه المصالح الإسرائيلية التي صارت بمثابة المقدس الذي لا يمسه الأذى، لا من قريب ولا من بعيد.

الاتفاقات الروسية – الإسرائيلية في سوريا أثبتت أنّها تتفوق على الحسابات الإيرانية، ومهما قيل عن العلاقات الروسية – الإيرانية، فإنّ الوقائع العسكرية أظهرت ومنذ سنوات أن ما تقوم به إسرائيل في سوريا يحظى بقبول إن لم نقل بمباركة روسية تترجم حقيقة العلاقة بين إسرائيل وروسيا، والتي لا يمكن لإيران ولا لأي دولة أخرى أن تهزها. فيما روسيا التي استنجد بها قاسم سليماني قبل ثلاث سنوات عسكريا في سوريا، صارت هي اليوم من يطلب من إيران ويضغط من أجل المزيد من الانكفاء عن الجغرافيا السورية.

أمّا في العراق فإن الانتخابات النيابية بما حملته من نتائج، أظهرت أن البنية الشيعية في هذا البلد لم تعد رهن الحسابات الإيرانية، ولم يعد قائد فيلق القدس قاسم سليماني الرجل الذي يستطيع أن يلزم أطراف المكون الشيعي بما تقتضيه مصالح فيلق القدس، وها هو الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي نال أنصاره المرتبة الأولى في الانتخابات، يرفع من نبرته تجاه التدخل الإيراني، كما أن كتلة رئيس الحكومة حيدر العبادي ليست في وارد الانقلاب على الإدارة الإيرانية في العراق، لكنها وجدت في فوز الصدر فرصة لتشكيل تحالف نيابي عراقي يضع شروطا على انضمام القوى الموالية لإيران، بخلاف ما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة، أي أن إيران ومناصريها هم من يحددون المسار والآخرون يتبعون. الفرصة العراقية اليوم تكمن في أن ثمة إمكانية واقعية لتشكيل أكثرية نيابية بقيادة عراقية غير معادية لإيران، لكنها بالتأكيد ليست تابعة لها. المشهد السياسي العراقي يتجه بخطى ثابتة وواضحة المعالم نحو مسار جديد أبرز ملامحه تراجع النفوذ الإيراني الذي لا يزال فاعلا وقويا، لكنه يسير نحو المزيد من التراجع والضعف.

أما بيروت العاصمة التي يشكل فيها حزب الله درة التاج الإيراني في المنطقة العربية، فإنها تبدو خارج الاهتمام لجهة أي محاولة لتغيير موازين القوى الداخلية بما يخالف سيطرة حزب الله، هذا ما تؤكده الانتخابات النيابية الأخيرة حيث بدت هذه الانتخابات خارج أي اهتمام عربي أو دولي، إذ لم تُبذل أي جهود خارجية لإعاقة تمدد حزب الله في البرلمان وفي مفاصل السلطة، كما كان الحال في الانتخابات السابقة، وذلك لإدراك الدول الإقليمية المعادية لإيران أن ميزان القوى في لبنان لا يقوم على نتائج الانتخابات النيابية، فانتصار قوى 14 آذار في العام 2009 لم يكن له أيّ معنى في ميزان السلطة الذي يقرره السلاح قبل أيّ شيء آخر.

المتجدد هو أن لبنان يجب أن يبقى تحت مظلة الاستقرار وإن برعاية حزب الله، على أن الجديد هو أن مرحلة عودة حزب الله من سوريا نحو لبنان بدأت، وهي مرحلة تتطلب بحسب مصادر دبلوماسية غربية “المزيد من تأقلم حزب الله مع شروط الدولة” ومع الإدراك أن هذا التأقلم صعب وبعيد المنال، فثمة مراهنات على إصدار المزيد من القرارات العقابية ضد حزب الله لا سيما مع توسعة مرتقبة في الأشهر المقبلة لهذه العقوبات لتطال الدولة اللبنانية. هذه الدولة التي باتت في السنوات الأخيرة عرضة للمزيد من التدهور والانكفاء على مختلف الصعد السياسية والإدارية والاقتصادية، والمرشحة إلى المزيد من الهشاشة طالما بقيت أسيرة الدويلة وامتداداتها الإقليمية. النموذج الإيراني في السيطرة والنفوذ في لبنان، لا يبشر اليوم بغير التدهور العام والمزيد من العقوبات الدولية التي باتت السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان من التفتت والهشاشة والانهيار.

العواصم العربية الأربع لم تزل في حال لا تحسد عليه، حصيلة النفوذ الإيراني فيها لم تحمل ما يبرر الاطمئنان لدى أبنائها بمستقبل أفضل، بل كانت شاهدة على تقهقر هذه العواصم وتصدعها. القيادة الإيرانية اليوم باتت أمام المأزق الذي ساهمت في صناعته في هذه العواصم، وهو مأزق يبدو الخروج منه يقتضي التسليم بشروط الدول الكبرى التي قررت على ما يبدو تحجيم دور إيران.