سامر فرنجية/عن أسئلة «حزب الله» التي لا بد من أجوبة عنها

98

عن أسئلة «حزب الله» التي لا بد من أجوبة عنها
سامر فرنجية/الحياة/26 أيار/18

لم تنتبه «قوى ١٤ آذار»، في لحظة ذروتها الجماهيرية، لحزب الله، هذا الكائن الغريب الذي كان آنذاك يحوم حول السياسة اللبنانية ولم يكن دخلها بعد من بابها «الداخلي». فلم تع هذه القوى معنى تجمع «٨ آذار»، وإن كانت تتظاهر ضده، وبقيت متمسكة بمقولة «لبننة» حزب الله، أي طمأنته من أجل إدخاله إلى الإجماع اللبناني. فالخصم وقتها كان خارجياً، أي النظام الأمني السوري، وطابعه «الخارجي» كان ضرورياً لتحويله إلى كبش فداء يمكن لاقتلاعه أن يؤسس لإعادة بناء إجماع جديد. أما حزب الله، فاعتُبر خصماً يمكن محاورته أو حتى التحالف الانتخابي معه، على حساب الشخصيات الشيعية القريبة من قوى ١٤ آذار. بيد أن الحزب لم يكن ينظر لنفسه كقوة تحتاج لمن يلبننها، أو حتى لمن يطمئنها. فاستمرت الاغتيالات، وتلتها الاعتصامات، ومن ثم الاجتياحات، وهذا كله بعد انسحاب العدو «الخارجي». إنهار النظام الأمني واستمر العنف، وأشهر الخصم الداخلي سلاح ابتزاز السلم الأهلي. وفي هذه اللحظة، فقدت أدبيات قوى ١٤ آذار صلاحيتها السياسية، وتحوّل الموقف من الحزب إلى رهاب وذعر متواصلين.

بعد هذه اللحظة، اختُصرت السياسة لدى ما تبقى من قوى ١٤ آذار بمسألة مواجهة حزب الله، ليصبح هو الجواب عن أي سؤال يطرح. وبعدما كان حزب الله يحوم حول السياسة اللبنانية، تحوّل في المخيلة السيادية إلى كائن كلي العلم والوجود والقدرة.

تحققت توقعات أو مخاوف قوى ١٤ آذار، فجرت الانتخابات النيابية، وسيطر حزب الله على النظام السياسي. بيد أنه مع هذه السيطرة، فقد «النقد السيادي» لحزب الله، أي النقد المرتبط بسلاحه ودوره في الحروب الإقليمية، كل فعالية سياسية، ليصبح جزءاً من الفولكلور اللبناني. فتحول الكلام عن سلاح حزب الله إلى إحدى المسائل التي يشكّل الإجماع حولها مدخلاً لإخراجها من السجال السياسي، مثلها مثل إلغاء الطائفية أو تحرير فلسطين. فيمكن للحريري أن يتكلم عن السلاح أو لـ «المجتمع المدني» أن يطرح مسألة سيادة الدولة ضمن برامجه الإصلاحية من دون أن يعني ذلك شيئاً. فكما أن هناك حياء حيال الطوائف، هناك حياء حيال السلاح، يجعل الكلام عنه فاقداً لأي قدرة على القبض على الواقع السياسي. فلسطين ستحرَّر، والطائفية ستُلغى، والسلاح سيُحصر… يوماً ما.

فهناك إجماع نشأ حول حزب الله، يضم داعميه ونقاده، يقوم على هويته المزدوجة. فللبعض، هناك حزب الله الداخلي، الشبيه بباقي الأحزاب، والذي يمكن معارضته. وهناك حزب الله الخارجي، المرفوض ولكن الذي يمكن التعايش معه، من بعيد. أما للبعض الآخر، فهناك حزب الله الخارجي، المقاوم والمقبول. أما الداخلي، فهو تخل عن طهارة الاستشهاد، لا بد من إصلاحه من خلال تطعيمه ببعض الوجوه اليسارية. وإذا سقطت تلك المحاولات، فهناك دائماً الازدواجية الأساسية: هناك حسن نصرالله الذي لا يخطئ، وهناك الباقون، من حزب وجمهور وعسكر. الخيار المطروح اليوم لمن يعيش في دولة حزب الله هو بين الازدواجيات العديدة التي يقدمها الحزب الواحد.

ربّما بات من الضروري التفكير بنقد مختلف لسيطرة حزب الله، ينطلق من الأسئلة التي تطرحها سيطرة كهذه على السياسة اللبنانية، والتي لا يمكن احتكارها بالموقف السيادي أو القانوني. فالسؤال الأول يخص طبيعة مشروع هيمنة حزب الله. فالحزب ليس معنياً بـ «أسلمة» لبنان، كما يردّد بعض المعترضين عليه، كما أنّه غير راض بأن يبقى هذا المقاوم المجاني الذي لا دور له في الداخل، كما يردّد أنصار المقاومة. هناك مشروع ممانعة ثقافية، يقوم على رفض الرواية اللبنانية التي ارتبطت بالمسيحيين، وتتغذى من بعض التراث اليساري. فمن ردة الفعل تجاه «الاحتفاء» بفوز نادين لبكي في مهرجان كان الأخير إلى الهجوم على زياد الدويري وفيلمه الأخير، مروراً بإعادة السجال حول اغتيال بشير الجميل، هناك رفض ضمني للإجماع الذي أنهى الحرب الأهلية، ومطالبة الثقافة بالتأقلم مع الواقع الجديد. قد لا يكون مشروع حزب الله متكامل المعالم وتسوده تناقضات عديدة. بيد أن معارضته باتت تتطلب التفكير برواية مختلفة للبنان، يمكن أن تتصدى لمشروع كهذا من دون الانزلاق إلى ترهات «حب الحياة».

السؤال الثاني الذي تفرضه سيطرة حزب الله مرتبط بطبيعة الدولة التي يطمح العديد للعبور إليها. فكما أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة، بات من الصعب للنظام اللبناني أن يتعايش مع حزب الله «الداخلي»، أي مع حزب مؤدلج ومنظم، ذي قاعدة شعبية. فحزب الله ليس دولة ضمن دولة، بل أصبح دولة قوية تسيطر على دولة مجاورة يسكنها أحزاب «السيلفي» وبعض الفعاليات المحلية. فهناك دولة تجرى فيها انتخابات وتوزع فيها المناصب وتدار فيها السجالات، ودولة تُحكم من خلال استفتاءات، المحاسبة فيها داخلية لا تتعدى حدود الحزب. فيبدو وكأن النظام اللبناني يتوجه إلى نوع من الانشطار بين منظومتين سياسيتين، الأولى تدير شؤون الثانية. قد لا تكون سيطرة حزب الله كاملة على الدولة الثانية وستبقى مرهونة بالتوازنات الطائفية. بيد أنه بات من الصعب مواجهة مشروع كهذا من خلال التمسك بمبدأ الدولة المركزية، أكانت مدنية أو علمانية، والبحث عن أطر مختلفة لصياغة الإجماع السياسي.

السؤال الأخير الذي يفرضه حزب الله هو مسألة العنف. فحزب الله أدخل العنف السياسي المنظم، أو أعاد إدخاله، إلى الساحة اللبنانية، ومن بعدها السورية، ما أمّن سيطرته السياسية. لم يستعمل الحزب العنف فحسب، بل برّره وتبناه كعمل مجيد، لكي يصبح العنف مقبولاً اجتماعياً. ربّما العنف كامن في مجتمع طائفي، ولكن عنف حزب الله مختلف، وذلك لكونه منظماً وموجهاً ومبرراً. فالحزب لم يطالب خصومه بالخضوع لمنطق العنف فقط، بل أيضاً فرض عليهم تطبيع هذا العنف من خلال الاحتفاء به.

عنف حزب الله مُعدٍ، وإن كانت له حدود تفرضها موازين القوة المحلية. ومقاومة هذا العنف باتت تتطلب حساسية اجتماعية تجاه العنف، لا يمكن اختصارها بمقولات سيادة الدولة أو حصرية السلاح.

حزب الله، على عكس ما اعتبرت قوى ١٤ آذار، ليس سبب آفات المجتمع اللبناني كلها. ولكنه نجح بأن يسخّر عدداً من التحولات الاجتماعية، التي بدأت مع مرحلة الوصاية السورية، لمصلحته، وهي تحولات مسؤولة عنها بعض القوى السيادية، لا سيما تيار المستقبل. هذا للقول إن سيطرة حزب الله التي تجلت اليوم هي نتيجة لثلاثة عقود من تهديم مستمر لمؤسسات المجتمع اللبناني. حزب الله قد لا يكون المسؤول الوحيد عن تلك السيرورة ولكنه أصبح المستفيد الوحيد منها. طي صفحة الحرب ومرحلة ما بعد الحرب باتت تتطلب الإجابة عن أسئلة «حزب الله».