أمير طاهري: الانتخابات العراقية والأفق الجديد/Amir Taheri: Iraqi Election Opens New Chapter

7

الانتخابات العراقية والأفق الجديد
أمير طاهري/الشرق الأوسط/18 أيار/18

في أثناء النقاش المحتدم في مجلس العموم البريطاني بتاريخ 29 أغسطس (آب) لعام 2013 حول جدوى التدخل – من عدمه – في سوريا لوقف المزيد من مذابح الأسلحة الكيماوية من جانب الرئيس بشار الأسد، تفاخر زعيم المعارضة آنذاك إد ميليباند بأنه يمكنه إثبات خطأ قرار التدخل بكلمة واحدة بسيطة، ألا وهي: العراق!
على مدى أكثر من عشرين عاماً وهذه الكلمة ذات الأحرف الستة تستخدم من قبل الساسة من مختلف الأطياف والتوجهات السياسية في توصيف العبث، ناهيكم عن ذكر الإجرام، المتعلق بالتدخل من جانب القوى الديمقراطية ضد أنظمة الحكم الاستبدادية ذات الصبغة الاستثنائية.
ومع ذهاب الناخبين العراقيين إلى صناديق الاقتراع قبل أيام لانتخاب أعضاء البرلمان الوطني الجديد، ومن ثم انتخاب الحكومة العراقية الجديدة، أدركت أن هذه الكلمة (العراق) التي كان يتلفظها باراك أوباما وإد ميليباند بكل استهانة وازدراء قد حلت مكانها على نحو عجيب كلمة أخرى خماسية الأحرف تسمى: سوريا!
فإن كان العراق قد صار رمزاً لما يمكن أن ينجم عن التدخلات العسكرية الخارجية، فإن سوريا تفسر ما يمكن أن ينتج عن الإحجام عن مساعدة الأمة المعرضة للأخطار الداهمة.
وفي الوقت الذي يحاول فيه العراق الخروج من مرحلة عاصفة من تاريخه الحديث، وبعد مواجهة آثار انهيار مؤسسات الدولة، واندلاع الحرب الطائفية في البلاد، والانقسام العرقي المقيت، والصلف والغطرسة التي يمارسها أدعياء الإصلاح من كافة المناحي في الغرب، تبقى سوريا المجزر الدولي الأكبر حجماً على مستوى العالم ليس فقط بالنسبة لآلة القتل التي يحركها بشار الأسد وأعوانه، وإنما بالنسبة لسلاح الجو الروسي.
وبعد مضي عام واحد على تخلص العراق من براثن الطغيان، كان على طريقه نحو حياة جديدة مع استراتيجية الدمقرطة غير المتماسكة إلى حد كبير. ومنذ عام 2003 شهد العراق الكثير من النجاحات والإخفاقات، وارتكب الكثير من الأخطاء، وغني عن القول، عانى الكثير من الآلام والصعاب الشديدة.
وبرغم ذلك، واصلت الغالبية الساحقة من المواطنين العراقيين التزامها لمبدأين؛ الحيلولة دون إعادة استحداث آليات القمع الجديدة، وتقاسم السلطة من خلال الانتخابات العامة. واعتقدت أنهم حققوا نجاحاً في الحالتين. ولقد فشلت، على نحو مقنع، محاولات خلق «رجل قوي» جديد تنشأ من تحت عباءته آلة قمعية جديدة، بعد أن بلغت مثل هذه المحاولات ذروتها في عهد نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق.
كما فشلت أيضاً محاولات الاستيلاء على السلطة من خلال الالتفاف على العملية السياسية عندما فشل لواء بدر التابع للحكيم وميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر من تعطيل العملية الديمقراطية بالقوة. وفشلت كذلك محاولة مسعود البارزاني في إجراء الاستفتاء غير القانوني في منطقة الحكم الذاتي الكردي. وكان التحدي الأكثر قوة وشراسة للعملية الديمقراطية التي بدأت حديثاً في العراق قد برز على أيدي تنظيم داعش الإرهابي. ولقد واجه العراق هذا التحدي أيضاً وتمكن من هزيمته، وإن كان بباهظ الأثمان من الدماء والأموال.
والعراق في الآونة الراهنة، والذي شهد التدخل العسكري فيما سبق، بات على طريقه صوب مستقبل أفضل، وإن كان لا يسير على خط مستقيم في هذا الاتجاه. أما سوريا، التي حيل بينها وبين التدخل العسكري بأمر من باراك أوباما والأوروبيين الذين ساروا على نهجه في ذلك، فما من وجهة تذهب إليها، سوى المزيد من المعاناة والمأساة.
والنبأ السار هو أن الانتخابات العراقية قد مرت في هدوء من دون أعمال عنف وبالحد الأدنى من الحماقات التي تصاحب أي انتخابات في أي مكان. وكنت أفضل أن تؤجل الانتخابات العراقية لبضعة أشهر أخرى من أجل السماح بوضع ما يقدر بنحو 2.3 مليون شخص على قائمة النزوح الداخلي حتى يتم إدراجهم على السجلات الانتخابية العراقية.
وكانت نسبة المشاركة، التي بلغت نحو 45 في المائة، أقل بنسبة 17 في المائة من الانتخابات العامة السابقة، ويرجع ذلك في جزء منه إلى عدم قدرة الكثير من النازحين على العودة إلى العملية القانونية.
ومن أسباب انخفاض المشاركة الأخرى كان قرار بعض الناخبين في بعض المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية لزوم منازلهم وعدم الإدلاء بأصواتهم.
والقائمتان المدعومتان من إيران، قائمة المالكي وقائمة هادي العامري القائد السابق للميليشيا، قد أنفقتا الأموال الطائلة، وأغلب هذه الأموال جاءت نقداً ورأساً من طهران، وانتهى بهما الأمر بالفوز بعدد 87 مقعداً فقط من مقاعد مجلس النواب المقبل من أصل 329 مقعداً. وهذا على الرغم من حقيقة مفادها أنهما تمثلان منصات طائفية علنية وواضحة.
كما فشلت قائمة رئيس الوزراء حيدر العبادي الفائزة في تحقيق الكثير من التأثير المتوقع، ويرجع ذلك جزئياً إلى محاولتها بناء الكاريزما الشخصية الكبيرة حول زعيم القائمة باعتباره «الفاتح» الذي هزم «داعش» هزيمة منكرة.
وسلطت هذه الانتخابات الضوء على حدود النفوذ الذي يمارسه ملالي النجف. والشخصية البارزة بينهم، آية الله العظمى علي محمد السيستاني، رفض تأييد أي قائمة من قوائم الانتخابات، ودعا الناخبين فقط إلى ملاحقة السياسيين الفاسدين والأنانيين. (وهو لا يملك حق الانتخاب بنفسه لأنه مواطن إيراني وليس عراقياً). والكثير من الملالي الآخرين التزموا الصمت والمراقبة، وهذا من قبيل دور التقية التي يبرع الكثير من الملالي في أدائه وتعبر عن النظام الذي ينظر إليه معظم الشعب العراقي من باب الحيطة والحذر وليس كنموذج يمكن الاحتذاء به.
وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الإقبال على التصويت، فلقد تغير المشهد السياسي في منطقة الحكم الذاتي الكردية أيضاً في ظل وجود الأحزاب ذات الدعم الإيراني، التي فقدت مثل هذا الدعم، في حين أنه من المفارقات أن تلك الأحزاب المقربة من تركيا قد حافظت على موقفها. وإجمالاً للقول، برغم كل شيء، لا يزال الأكراد العراقيون يمثلون مستودعاً من الدعم والتأييد للولايات المتحدة، شريطة أن ترغب واشنطن أولاً في القيام بدور قيادي في العراق.
وبرغم محاولات بعض وسائل الإعلام الغربية اختراع انتصار خيالي جديد للجمهورية الإسلامية في إيران، أثبتت الانتخابات العراقية أن السواد الأعظم من الشعب العراقي مستاؤون من محاولات طهران المستمرة للتدخل في شؤون بلادهم. وأكثر من ثلثي الأعضاء المنتخبين حديثاً في البرلمان العراقي القادم إما من المعارضين علناً للتدخلات الإيرانية في الشأن العراقي أو هم يصرون على ألا تتجاوز العلاقات العراقية الإيرانية حدود حسن الجوار.
وفي يوم الثلاثاء الماضي، طار الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني والمسؤول الأول عن تصدير الثورة الخمينية، إلى بغداد في محاولة يائسة لتشكيل تحالف جديد موالٍ لطهران. ومع ذلك، ربما أنه نجح فقط في إضافة حلقة جديدة إلى مسلسل الفشل الذي لحق به في لبنان وسوريا.
وهذا لا يعني انقطاع إيران التام عن السياسات العراقية. فهذا أبعد ما يكون الآن، على الرغم من أنه يمكن تسريع العملية من خلال أزمة خاصة بالنظام الخميني ذاته. وبالتالي، فإن رئيس الوزراء العراقي الجديد، ومجلس وزرائه كذلك، قد يكونون في حاجة إلى بعض إيماءات وموافقات إيران والولايات المتحدة لمتابعة المنوال الذي أرسته إدارات الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما من قبل.
قد يرغب الرئيس دونالد ترمب في تغيير هذا النمط، كما صنع تماماً مع بعض السياسات الأخرى الموروثة عن أسلافه. ويمكنه أن يهدف من وراء ذلك إلى إقصاء إيران بالكلية. غير أن ذلك يتطلب منه التزاماً أميركياً حقيقياً وقوياً من ذلك النوع الذي ساعد ألمانيا الاتحادية واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، من بين دول أخرى، على تحويل نفسها إلى دول ديمقراطية حديثة. والدرس الرئيسي في هذه الانتخابات هو أن الغالبية العظمى من الشعب العراقي ترغب فعلاً في التركيز على تأكيد الهوية الوطنية بدلاً من الانقسامات العرقية والطائفية. وقبل نهاية ولاية البرلمان المنتخب حديثاً، سوف يحتفل العراق بالذكرى المئوية لظهوره مرة أخرى كدولة قومية في أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية. وكل أملي أن يبدأ الشعب العراقي التحضير لهذه المناسبة العظيمة من أجل إثبات خطأ أولئك الذين عارضوا جهود تحرير البلاد.

Iraqi Election Opens New Chapter
Amir Taheri/Asharq Al-Awsat/May 18/2018
During the British House of Commons’ stormy debate on 29 August 2013 on whether or not to intervene in Syria to stop further chemical weapon massacres by President Bashar al-Assad, the then leader of the opposition Ed Miliband boasted that he could prove intervention wrong by just one word: Iraq!
For almost two decades that four-letter word has been used by people with many different shades of politics to describe the futility, not to mention “the criminality”, of intervention by democratic powers against even exceptionally tyrannical regimes.
As Iraqis went to the polls the other day to elect a new parliament, and thus their next government, I realized that the four-letter word mouthed with scorn by people like Barack Obama and Miliband, was now replaced by a five-letter word: Syria!
If “Iraq” is a symbol of what intervention could produce, the word “Syria” illustrates what non-assistance to a nation in danger could lead to.
As Iraq is emerging from a tempestuous phase of history, having coped with collapse of state structures, sectarian war, ethnic secessionism and pariah-hood imposed by do-gooders of all ilk in the West, Syria remains a giant-size slaughterhouse not only for Assad’s death-machine but also for Russian air forces, Iranian “shrine defenders” and their Lebanese, Afghan and Pakistani mercenaries, not to mention Turkey’s neo-Ottoman “ghazis”.
Just a year after Iraq shook off the yoke of tyranny it was on its way to a new life with a not always coherent strategy of democratization. Since 2003, Iraq has had many ups and downs, has made many mistakes, and, needless to say, has suffered a great deal.
However, the overwhelming majority of its people have remained committed to two principles: preventing the recreation of a new machinery of repression, and power-sharing through the mechanism of elections. I think they have been successful on both counts. Attempts at fabricating a new “strongman” and under him a new repressive machine, having reached their peak in Premier Nuri al-Maliki’s final phase in office, failed convincingly.
Attempts at grabbing power by circumventing the political process also failed when the Hakim family’s Badr brigade and Muqtada Sadr’s Mahdi Army militia failed to disrupt the democratic process by force. An attempt by Massoud Barzani to do “do his own thing” through an illegal independence referendum in the Kurdish Autonomous Region also failed. The most vicious challenge to the newly began democratic process in Iraq came from the so-called Islamic State. That challenge, too, was met and defeated, albeit at a heavy price in blood and treasure.
Right now Iraq, where intervention happened, is on its way to a better future, albeit not necessarily on a straight line. Syria, where non-intervention was imposed by Obama and Europeans who mimicked him, is going nowhere, unless deeper into tragedy.
The good news is that the Iraqi election did take place without violence and with a minimum of hanky-panky. I would have preferred the election to be postponed for a few more months to allow an estimated 2.3 million “internally displaced” people to be put on the electoral register. That the turnout, around 45 per cent, was at least 17 per cent lower than the previous general election is partly due to the inability of many “displaced persons” to be readmitted to the legal process.
Another reason for the low turnout was the decision by some voters in the predominantly Shiite provinces to stay home.
The two “lists” backed by Iran, that of al-Maliki and the former militia commander Hadi al-Ameri, spent vast sums of money, much of its brought from Tehran in cash, but end up with 92 seats, out of 329, in the next Council of Representatives (parliament). And this despite the fact they stood on openly sectarian platforms.
Prime Minister Haidar al-Abadi’s “Victory” list also failed to impress, partly because it tried to build a cult of personality around its leader as the “conqueror” who defeated ISIS.
This election also highlighted the limits of influence that the mullahs of Najaf could exert. The principal figure among them, Grand Ayatollah Ali-Muhammad Sistani, refused to endorse any “list” and only called on voters to chase away “corrupt and selfish politicians.” (He couldn’t vote because he is an Iranian citizen.) Most other mullahs also stayed in the side-lines, conscious hat most Iraqis look to mullah-dominates system in Iran as a warning not as a model.
Despite higher voter turnout, the political landscape in the Kurdish Autonomous region has also changed with parties backed by Iran losing support while, paradoxically, those with closer ties to Turkey maintaining their position. Overall, however, Iraqi Kurds still represent a reservoir of support for the United States, provided Washington wishes to play a leading role in Iraq.
Despite attempts by sections of Western media to invent a new imaginary victory for the Islamic Republic in Iran, the Iraqi election showed that a majority of Iraqis resent Tehran’s attempts at intervening in their affairs. More than two-thirds of the newly elected members of the next parliament are either openly hostile to Iranian “meddling” or insist that relations with Iran should not go beyond good-neighbourly behaviour.
Last Tuesday, General Qassem Soleimani, head of the “Jerusalem Corps” and in charge of “exporting revolution” flew to Baghdad in a forlorn attempt at stitching together a coalition subservient to Tehran. However, he may have just added to his string of his political failures in Lebanon and Syria. This does not mean that Iran is scripted out of Iraqi politics. That is some away off, although the process could be accelerated by the Khomeinist regime’s own crisis. Thus, the next prime minister, and hence Cabinet, may still need a wink and a nod from Iran and the United States following a pattern set by both the George W Bush and Barack Obama administrations.
President Donald Trump may want to change that pattern, as he has done with some other policies inherited from his predecessors. He could aim at excluding Iran. But that would require a genuine and strong American commitment of the kind that helped Federal Germany, Japan, South Korea and Taiwan, among others, transform themselves into modern democracies.
The chief lesson of this election is that a majority of Iraqis wish to focus on their national identity rather than ethnic and sectarian divisions. Before the end of term for the newly elected parliament, Iraq would mark the centenary of its re-emergence as a nation-state after the fall of the Ottoman Empire. My hope is that Iraqis will start preparing for that great occasion to prove wrong those who opposed their liberation.