الدكتورة رندا ماروني: سياسة الإنصهار في آخر إصدار

333

سياسة الإنصهار في آخر إصدار
الدكتورة رندا ماروني/28 نيسان/18

التاريخ يعلم الدروس إلا في العقول الشمولية التي ترفض الآخر أن يكون إلا على صورتها ومثالها وتطلعاتها وأهدافها، فسياسات الإنصهار المبرمج ما زالت مستمرة بالقوة تارة وباللين والخداع تارة أخرى، نموذج متبع لتحقيق الأهداف المرجوة بإصرار.

ففي آخر إصدار تهمة جاهزة ل28 شخصية شيعية معارضة لسياسة حزب الله مبنية حسب إدعائها على برقيات سرية مسربة صادرة عن السفارة الإماراتية في بيروت يطلب فيها القنصل حمدان سيد الهاشمي بلاده بمساعدة لائحة من الأسماء المرشحة للإنتخابات النيابية في لبنان لتمويل حملاتها الإنتخابية، إتهام أتى مبرزا الميزة الأساسية لسياسة الإنصهار المتبعة، فالتهم جاهزة غب الطلب وحسب الحاجة إليها، فهل هناك حاجة ألح من الحاجة الإنتخابية اليوم؟

فإذا كان حزب الله ومن خلفه إيران تسعى إلى صهر المجتمع اللبناني في بوتقة سياساتها وتطلعاتها في لبنان فكيف لها أن تتقبل النقد والانتقاد من داخل النسيج الشيعي نفسه؟

فها هي صورة هاشم السلمان ما زالت شاخصة في الأذهان كعنوان رافض لتحول الطائفة الشيعية إلى مجرد فصيل داخل الحرس الثوري الإيراني، وعنوان رافض أن يتحول جنوب لبنان إلى الحدود الجنوبية لإيران، وكعنوان رافض أن يتحول شباب لبنان إلى مقاتلين في خدمة المشروع الإيراني، فدماءه هدرت لتسطر صراعا مستمرا بين شيعة إيران وشيعة لبنان وبين شيعة إيران وكل لبناني حر لا يدين بالإنتماء إلا للبنان السيد الحر المستقل.

وكان قد سبق آخر إصدار لسياسة الإنصهار إعتداء بالضرب على الصحافي علي الأمين الذي تجرأ ومارس حقه في منازلة السلطة إنتخابيا بطريقة حضارية فكان الرد بالشتم والضرب والتهديد وممارسة البلطجة.

أما لقب شيعة السفارة القديم الجديد والذي بدأ إستخدامه من قبل السيد حسن نصرالله منذ العام 2015 لترهيب أي شيعي معارض شمل اليوم 28 شخصية شيعية محددة بالصور والأسماء، ما هو إلا تهديد علني وتهمة جاهزة تستوجب الملاحقة والتصفية بكل أشكالها.

إن سياسة الإنصهار الممارسة داخل الطائفة الشيعية تصدرت أيضا لتطويع المجتمع اللبناني وحصر تطلعاته وأهدافه في بوتقة تطلعات وأهداف إيران في لبنان، فتهم العمالة لاسرائيل التي كانت تطلق للتعريف عن أي لبناني مخالف لسياسة حزب الله توسعت لتشمل مفهوم التعامل مع الإرهاب والإرهابيين وها هم اليوم الذين يخوضون المعركة الإنتخابية في دائرة بعلبك الهرمل متهمون بأنهم حلفاء للإرهاب ومساندين لهم.

لقد كان للمحتل على مر تاريخه عملا منظما في سياسة الصهر والإنصهار والتلقين الأيديولوجي وعمل فيها جاهدا مقتنعا بنتائجها البناءة، فجعل لها إعدادا خاصا متقن الدراسة، محترف الصياغة، ملون العناوين، أعمى البصيرة، فاق غروره وتناسى المعطيات الواقعية، رسم الهدف وسار طريقه بعجلات الترغيب والترهيب، والقتل والإنكار، حتى بعد خروجه لم يتوان يوما عن سياسة وضع اليد عند كل مفترق أو حدث أو إستحقاق من خلال أدواته، فبصمته لا تزال حاضرة بكل شاردة وواردة، ولم تهمد يوما همته في محاولة إستعادة عصره الذهبي، بالرغم من جميع المشاكل التي يعيشها داخل حدوده، فنظرته التوسعية المتوارثة من المؤسس ما زالت تشكل هدفا من أهدافه.

هذه السياسة الإنصهارية التلقينية التي أثبتت فشلها في الداخل السوري وخارجه، والتي إستمرت في لبنان طيلة فترة الإحتلال، ما زال هناك من يتمسك بإعتمادها وتمريرها على حساب حق الشعب اللبناني بدولة يحكمها الدستور وسيدها القانون، فمنذ العام 1970 ومع وصول حافظ الأسد إلى سدة الرئاسة جعل من أولوياته الإعداد المحكم للخطاب الأيديولوجي وتزينيه بعبارات طنانة ورنانة يخفي في ظلها ما يحيكه من أهداف ومخططات ومنافع معتقدا أنه بهذه الطريقة سيلغي تاريخ شعب وسيفتك بالذاكرة الجماعية وسينتج مواطن خاضع مبرمج لا يستجيب إلا لصوت مرهبه، مستخدما كل الأساليب التوتاليتارية التي إستوحاها من النظام الهتلري، ولم يكن ولي العهد بأفضل حالا بل مكملا لما رسمه جهابظة الفكر الإنصهاري التلقيني المبرمج للعقول والمخون للمعارض والقامع للفكر والعبد لأسلوبه الواثق والمصاغ بالغباء المتعالي، إلى أن إنقلب السحر على الساحر وأثبتت التجربة أنها سياسة فاشلة لا يتبعها سوى فاشلون، حيث لم ينفع هذا التاريخ الطويل من التلقين الأيديولوجي والتدجين وغسل الادمغة، فإنهار العمل الشاق الذي إستمر لسنوات طويلة عند أول فرصة أتاحت للشعب برفع صوته والمطالبة بإسترجاع حقه في تقرير مصيره وتصويب خياراته وتحديد أهدافه، وما حصل في الحرب داخل سوريا كما في لبنان أثبت وبالدليل القاطع بأن الشعوب وتاريخها لا تلغيها أهواء مهووسي سلطة ولا مشاريع منزلة طارئة على أهدافها ومبتغاها الكامن في موروثاتها.
فهل سيتعظ هولاء من تجارب الماضي، أم أن التاريخ لا مفعول له في العقول الشمولية المستمرة في إتباع سياسات الإنصهار إصدار بعد إصدار

سياسات إنصهار
إصدار بعد إصدار
أخماس أسداس
أسباع وأعشار
لا تكل لا تمل
تواظب بإفتخار
ترسم المسرحيات
توزع الأدوار
سوداوية العقول
فاقدة الإبصار
سياساتها مبرمجة
إستعلائها إستكبار
بالقوة تارة
وباللين أخرى
وغرابة الأطوار
بروجها خيال
رمالها إندثار
أفكارها أسفار
خراب ودمار
أخماس أسداس
أسباع وأعشار
لا تكل ولا تمل
تواظب بإفتخار
برسم سياسات
ملئها إنصهار
إصدار يصدر
يليه إصدار