من موقع صوت المدى والفايسبوك مقالات وكلمات في ذكرى غياب سمير فرنجية الأولى لكل من ايلي الحاج وسناء الجاك وسمير عبد الملك وباديا هاني فحص ورضوان السيّد ونوفل ضو والياس الزغبي

33

ذكرى وفاة سمير فرنجية الأولى

في أسفل من موقع صوت المدى والفايسبوك مقالات وكلمات في ذكرى غياب سمير فرنجية الأولى لكل من ايلي الحاج وسناء الجاك وسمير عبد الملك وباديا هاني فحص ورضوان السيّد ونوفل ضو والياس الزغبي

من موقع صوت المدي/اضغط هنا لدخول الموقع

رحلة في عالم سمير فرنجية في ذكراه الأولى
موقع مدى الصوت الذي يديره ويحرره ايلي الحاج/11 نيسان/18
سنةٌ مرّت على رحيل سمير فرنجية كأنّها يوم أمس الذي عَبَر. لا يزال حاضراً في قلب القضية اللبنانية وقضايا المنطقة العربية لأنّه كان يرى إلى أبعد بكثير من اللحظة الحاضرة. ربّما لتأثيرٍ فيه من دراساته الفلسفية وفهمٍ لحركة التاريخ ومعادلاته كان يشدُّه على الدوام إلى ما بعد. كل ما يعيش لبنان اليوم من ارتكابات سياسية وخيبات من قادة خذلوا أنفسهم وشعبهم، أخبر عنه سمير فرنجية قبل سنتين وثلاث وأكثر.
كان يرى ما لا نراه ربّما لأنه كان أيضاً مستعجلاً الزمن البطيء في هذه البقعة من العالم، ولكن السائر في اتجاه استطاع “البيك الأحمر” تحديده بسهولة، مستنداً إلى ثقافة واسعة وفكر ثاقب رؤيوي وجرأة وقدرة على التحليل قلّ نظيرها عند اللبنانيين، فلم يعرفوا حق المعرفة الرجل الذي كان بينهم. لو عرفوا لَرَجوه أن يشرّف الرعية والبلاد بحكمته وأخلاقياته العالية، ولما قبلوا بخيانة قيم إنسانية ووطنية ومنجزات حققوها بوحدتهم وكان يدعوهم إلى التشبث بها، ليلتحقوا بقبائلهم الأولى، بعدما كانوا غادروها ذات 14 آذار .
تكريماً لذكراه الأولى، اليوم 11 نيسان، مجموعة مقالات لبعض من أصدقائه وعارفيه.
ومن مقدّمة كتاب “سيرة سمير فرنجية” قيد الإعداد، (يحرّره رفيقه الباحث محمد حسين شمس الدين، بإشراف لجنة تضمّ المطران يوسف بشارة والسيدة آن موراني فرنجية وآخرين)، كتب شمس الدين لـ الصوت” تحت عنوان “مدخل إلى قراءة السيرة”، ما يأتي:
لا يساورنا شكٌّ في أن سمير فرنجية، الذي ما تخلّفَ أحدٌ يوماً عن مناداته “يا بيك!”، هو نموذجٌ للشخصية السياسية العصامية، التي صنعت نفسها بنفسها، من دون أن تكون عالةً على أي رصيدٍ آخر، مهما كان هذا الرصيدُ وفيراً ومُغرياً، كما هو رصيد حميد فرنجية في تاريخ دولة الاستقلال اللبناني. لكنَّ هذه الشخصية، وفي الوقت ذاته، لم تكن منقطعةً عن منظومةِ قيمٍ وأفكار ومفاهيم، ساهمت هي في جلاء بعضها وإعادة الاعتبار إليه، كما ساهمت في إضافات إبداعية إلى تلك المنظومة، لا سيما بخصوص ىمعنى لبنان ورسالته، أو “اللبنانية المتجدّدة”، في عالم عربي يبحث جاهداً عن طريقةٍ للعيش معاً متساوين ومختلفين:” متساوين في كرامتنا الإنسانية، ومختلفين- أي متنوّعين- في انتماءاتنا الدينية والعرقية والثقافية، ومتضامنين في سعينا المشترك نحو مستقبلٍ أفضل لجميعنا”. كلّ مَن قَرأ سمير فرنجية كاتباً، أو عايشه إنساناً، يلاحظ وجودَ هذه المعادلة بقوة في وعيه وسلوكه، كما يُلاحظ تكرار التذكير بها في نداءاته، وما أكثرها! “ما حملني على أن أكون هنا أو هناك هو السبب ذاتُه:
رفضُ الغُبن في الشراكة اللبنانية. وفي الحالين أنا فخورٌ بما فعلت”
مع إدراك هذه الشخصية أهمية مساهماتها الفكرية والسياسية، إلا أنها ما ابتُليت يوماً بانتفاخ الميغالومانيا ( العُظام)، ولا وقعت في حماقة القول: التاريخ يبدأ من عندي! لطالما سخر سميرٌ علناً من أمثال هؤلاء العُظاميين الحمقى الذين تكاثروا في العقود الأخيرة من تاريخ لبنان، وما زالت سبَّابات بعضهم المرفوعة تخدش حياءَ أهل الحياء.
بيدَ أنَّ شخصية سمير فرنجية السياسي والإنسان، في مسيرته الطويلة المتعرّجة- ورغم تمتُّع هذه الشخصية بوافر المودّة والاحترام والمهابة في نفوس مُحبّذيه ومخالفيه على السواء- كانت موضوع انطباعات وأحكامٍ متباينة:
فهو في نظر البعض متمرِّدٌ على بيئته الاجتماعية إلى حدّ الفِصال، بما في ذلك البيئة العائلية المباشرة، بينما هو في نظر آخرين لم يقطع مع تلك البيئة، وظلّ على الدوام سميراً الزغرتاوي و”ابن البيت”، على طريقته.
وبحسب انطباعٍ قديم ظلَّ مقيماً لدى البعض، هو ذلك اليساريُّ المسكونُ برغبةٍ جامحة في التغيير الثوري، والذي لم يُمانع ذات يوم في اعتبار العنف “قابٍلةَ التاريخ”. إلّا أنه أصبح في نظر الأكثرين تلك الشخصية التي سرعان ما استوت على وسطيةٍ واعتدال، وعلى اقتناع صلب بمفاهيم النسبيَّة والتسوية و”الثورة الهادئة”، وعلى كراهية مطلقة للعنف.
هو الذي بدا “مُسلِماً” قُبيل الحرب وأثناءَها ( في صفوف “الحركة الوطنية” و”المقاومة الفلسطينية”)، ثم بدا كأنه عاد “مسيحياً” بعد الحرب (خصوصاً في صفوف “قرنة شهوان” ومقاومة الوصاية السورية). وفي الحالين لم يكن موقفه مقبولاً لدى المتطرّفين في الجانبين. أما هو فيقول بكل بساطة: “ما حملني على أن أكون هنا أو هناك هو السبب ذاتُه: رفضُ الغُبن في الشراكة اللبنانية. وفي الحالين أنا فخورٌ بما فعلت”.
هو، من جهة، ذاك السياسيُّ المحترف الذي لم يتردّد في تغيير المواقف والمواقع عند المتغيّرات والضرورات. ولكنه من جهة ثانية ذاك المبدئيُّ العنيد الذي لا يتردّد في إدارة الظّهر لكل الحسابات السياسية، لا سيما حسابات “البازارات”، عند محكّ المفاضلة بين استقامةٍ أخلاقية ومنفعةٍ شخصيَّة.
هو المشدودُ بقوّةٍ وشَغَفٍ إلى عوالم الثقافة والفكر، حتى ليراه البعضُ غيرَ مخلوقٍ للسياسة. ولكنه في الوقت نفسه حاضرٌ بقوة عند المفاصل الأساسية لحركة الواقع على الأرض. وقد تجده في تفاصيل التفاصيل!
قد يراه البعض متباطئاً أو متردداً في الذهاب إلى نهاياتِ بعض المشاريع، ولكنًّ الجميع يُقرّون بأنه ولّادةَ أفكارٍ ومبادرات لا تهدأ ولا تستكين.
هو “بائع أحلام”، على ما يراه كثيرون. ولكنه في الوقت نفسه صانعُ سياسات ومهندسً مشروعات، على ما يُقرُّ العارفون.
هو مُنّبّه قومه إلى عُمقِ التردّي في واقع الحال، كما إلى كارثية المآل برؤيةٍ استباقية. ولكنه في الوقت ذاته الصوتُ الأقوى الذي يرى إمكانية الخلاص ويدلُّ على نوافذ الأمل. ولا يَثنيه عن ذلك، أو يُحبٍطُه، إن كان صوتاً صارخاً في بَرّيَّة.
هو لا يستخدم لغةَ الدين ولا يبيع خبز الطائفية، حتى لَيَضعه الأكثرون خارجَ هذا الفضاء كلّه، وحتى خارجَ الإيمان الديني، بينما تراه قِلّةٌ – ربما قليلةٌ جداً- في صميم الإيمان غير القابلِ للاختزال في مِلّةٍ بعينها، وفي صميم الاقتناع بأنّ “السبت إنما خُلِق من أجل الإنسان”.
هو مدافعُ بحميَّةٍ وشجاعة عمَّا يراه حقاً وصواباً، حتى ليبدو كأنه من جماعة المُطلَقات واليقينيات في الفكر والسياسة. غير أنّه، وخلافاً لكل الإطلاقيين التّماميين، يٌسائل اقتناعاته ويراجعها باستمرار، ويهزاُ من أولئك الذين يزعمون أنهم امتلكوا الحقيقة مرةً واحدةً وإلى الأبد.
هو الشيء وخٍلافُه، وكنّه ما كان يوماً الشيءَ ونقيضه!
توحي شخصية سمير فرنجية كلّ هذه المفارقات، وغيرها مما قد يبدو للبعض “تناقضات” – وما هو بذلك – ولفهم هذه الصورة المتعدّدة اللون والخط والمساحة، على تداخُلٍ وتشابُكٍ في ما بينها، لا بدّ من النظر إليها باعتبارها كُلّاً محتماً ومتكاملاً Un tout، ومن زوايا مختلفة، وعَبَر مساراتٍ هي بنتُ أزمنتُها والأمكنة.
وبعبارة أخرى، لا بدّ من قراءة مُجمل الصورة وسَيرورتها وصيرورتها، مع محاولة استبيانِ خطٍّ واصلٍ وجامعٍ في ما بين أجزائها. نقول بـ”استبيان” هذا الخطّ، أي استكشافه وليس اختراعه، لأننا نعتقد بوجوده ونراه. كذلك نعتقد أن المفتاح المركزي لمثل هذه القراءة هو التعاملُ مع شخصية سمير فرنجية بوصفها “شخصيّة مركّبة” غيرَ بسيطةٍ ولا مختزلةٍ في بُعدٍ واحد. ولعلّنا، بهذه المعايير وعلى هذه القاعدة نكونُ الأقرب إلى ما انحاز إليه سميرٌ على الدوام، وهو قولُه بـ”الهوية المركَّبة، والمجتمع التعدّدي الموحَّد، حيث الآخرُ جزءٌ من تعريف الذات: يُكوِّننا مثلما نًكوِّنه”.

عفواً يا بيك… للضرورةِ أحكام
سناء الجاك/مدى الصوت/11 نيسان/18
في كتابه “رحلة إلى أقاصي العنف” يتحدّث سمير فرنجية عن ثورة هادئة يحتاج إليها لبنان ليخرج من الهيمنة السورية التي لم تحترم اتفاق الطائف، وذلك للتمييز بين ثورات الأمس التي أدت كلها إلى العنف وتلك التي ستأتي، ويفترض أن تبنى على احترام القانون.
هنا بيت القصيد “سمير بيك”: احترام القانون. لكن عندما جاءت الثورة الهادئة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وحسبنا أن الفرصة الذهبية آن أوانها، جاءت ناقصة، وبقي القانون ينتهك ويُهدر دمه جراء فائض القوة والسلاح وفائض الفساد وغياب المساءلة.
وعندما فقدت الأمل، سمير بيك، في محاولة إصلاح هذه الثورة لتثمر عبوراً إلى الدولة ومصالحة ومسامحة بين اللبنانيين وتنقية ذاكرة، رحت إلى حلم تشكيل شبكة أمان تؤدي الى حماية البلاد من غابة العنف، ومن مصادرة أي قرار وطني لمصلحة جبهة بشعة تتباهى بممانعة أهم إنجازاتها أنها تقتل وتهجر أينما استطاعت، سعيا الى تغيير ديموغرافي يعيد أمجاد الإمبراطورية الفارسية. مؤسف أنّك رحلت وتركت لنا الحلم المبني على نبذ العنف. مؤسف أنّك رحلت وتركتنا نسأل: هل ينفع الهدوء سمير بيك في جحيم كل هذا الموت حولنا؟ هل ينفع الحلم ولبنان صودرت سيادته مقابل الاستقرار، ورضي من استثمر في روحية “14 آذار” ليعود الى الساحة السياسية أن يتحوّل حجر شطرنج يتحرك على رقعة ضيقة تتيح له تحصيل مصالح خاصة على حساب لبنان الدولة والمؤسسات؟ مؤسف أن تتكرّس “ثقافة الموت” حولنا في سعي لنسف أي أمل في “العيش معاً”. يموت المئات في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها وغيرها. ويتحوّل موتهم في مجازر وجرائم ضد الإنسانية وجهة نظر. المهم أن يبقى محور الممانعة وإن على جثث الأطفال. المهم أن يصل النفوذ الإيراني الى البحر المتوسط. لو لم ترحل، سمير بيك، هل كان سيتغيّر أي مشهد من المشاهد اللبنانية والإقليمية التي تعكس عنفاً استثنائياً، لا شيء يحول دون وصولها الى عقر دارنا عندما يسقط القرار الدولي بتحييد استقرار لبنان حتى تاريخه؟ لكنّك رحلت ولم تيأس، لذا نحن أيضاً لن نيأس حتى لا نخونك. لا تستحقّ هذا منّا. سنتفاءل كرمى لحضورك الطاغي على الغياب، ونسخر كما سخرت من كلّ هؤلاء الذين لا يجيدون “ثقافة الحياة” التي تعتمد احترام القانون، وسنقاوم سياسة التخويف التي يستخدمها تجار السياسة وفُجَّارُها ليخرج لبنان من اسطبلات الغرائزية المذهبية التي يريدون اعتقالنا فيها من خلال أساليبهم ومؤامراتهم. سنقاوم زمن الاحتلال الإيراني الذي يسعى سماسرته ليشرّعنوه من خلال قانون الانتخابات الحالي.
عفواً يا بيك قد يرتفع صوتنا أكثر ممّا تريد ثورتك الهادئة والراقية، لكنَّ للضرورة أحكاماً.

وفي الليلة الظلماء يُفتقد “البَيك”
سمير عبد الملك/مدى الصوت/11 نيسان/18
صديقي “البيك”، كتير اشتقتلك.
بالرغم من مرور سنة على غيابك، صورتك لا تفارقني، وضحكتك لا تزال تتردّد أمامي.
كم نحن بحاجة إلى وجودك بيننا لتُتابع زرع الأمل في نفوسنا التي أرهقتها الشدائد والهزائم والتحديات.
ورفاق الدرب الطويل تفرّقوا، ولم يعد هناك من يعمل على “توسيع مساحات التلاقي ” ورأب الصدع.
لم يعد هناك من “ضابط إيقاع” يُرشد مَن يضّل الطريق، ويُقدّم النصح لمن خانته الذاكرة، ويضيء عقل من أعمته المصالح الصغيرة.
ومجتمعنا يتحوّل تدريجيّاً مجتمعاً مادياً، تأكل فيه السمكة الكبيرة السمكة الصغيرة الضعيفة والمهمشة والفقيرة، وبات أكثر من 30 في المئة من أهلنا يعيشون تحت خط الفقر، وضُرب سُلّم القِيم، وباتت الدولة مسخّرة لخدمة طبقة سياسية مع زبانيتها.
ولم يعد أحد يعمل على “بناء ذاكرتنا الوطنية” بوجه من يريد تشويه تاريخنا وبناء ذاكرة انتقائية تمهيدا لقتل معنوياتنا وزرع اليأس في نفوسنا من إمكانية التغيير، مما ينعكس سلبا بخاصة على أجيالنا الشابة التي أصبحت، بعدما سُدت بوجهها سبل المستقبل، فريسة للهجرة المدمِّرة.
وزاد الطين بّلة، اعتماد قانون انتخابات هجين، يُفّرق ولا يُوَحّد، ويجعل أعضاء اللائحة الواحدة أعداءً، فاختلط الحابل بالنابل، واختلف الأخ مع أخيه، والابن مع والده، ناهيك بأولاد العم مع العم والأصهرة والاقارب… كلّ ذلك لمصلحة عقل شرير يُدير هذه “اللعبة” بجدارة وحنكة وكفاءة، بينما يكتفي “الآخرون” بمحاولة تكبير أحجامهم لترجمتها لاحقا بما “سيوزّع” عليهم من حصص وزارية.
بالرغم من هذه الصورة القاتمة، تبقى مجموعة من الأصحاب الأوفياء، تُتابع ما زرعناه معاً، كما تابعَ تلامذة المسيح رسالته ونشروها في أرجاء المعمورة. وهي لا تزال تلتقي في المكان والزمان نفسيهما، بضيافة الأب ريشار وبمباركة المطران يوسف، حيث تستعيد أهمّ المحطات التي عشناها معاً والتي طَبعت حياتنا الوطنية، تمهيداً لإصدارها قريباً في كتاب. هذه اللقاءات من أجمل اللحظات التي نُمضيها وأنت الغائب الحاضر دائماً بيننا… نُعاهدك يا صديقي البيك، أن نبقى أمينين على ثوابتنا الوطنية والأخلاقية، عاملين على نشرها وزرع الأمل في النفوس الضعيفة، متابعين رسالة وطننا الإنسانية بين دول العالم، عملاً بقول قداسة البابا مار يوحنا بولس الثاني”إن لبنان هو أكثر من وطن، إنّه رسالة… في الحرية والمحبة والعيش المشترك”.

كان بَيكاً أحمر وكان أبي شيخاً أحمر
باديا هاني فحص/مدى الصوت//11 نيسان/18
أذكر أن رجلاً ضئيل الجسم، يتكلّم همساً، كان يأتي كثيراً لزيارتنا، وكان أبي كلّما ودّعه وأقفل الباب خلفه، يقول: “أشكر الله كلّ ساعة أنّه وضع سمير في طريقي”.
سلك أبي في حياته طرقاً كثيرة، قاده بعضها إلى زواريب مزدحمة، رغم ظلمتها، ثم عاد منها وحيداً، مستوحشاً، باحثاً عن الضوء. وكان سمير فرنجية، قد سلك بدوره طرقاً مشابهة، فالتقيا وهما عائدان من رحلتيهما، وأقاما على تقاطعات وجسور وساحات رحبة، على شرط الانفتاح والتجاوز والقبول المتبادل.
كان سمير فرنجية بَيكاً أحمر وكان أبي شيخاً أحمر، لم يكن اللون الذي يحمل صبغة الثورة، يناسب خلفيتيهما كثيراً، أبداً. لم تعتد أبواب الثورات الحمراء أن تدقّها يد الإقطاع، سواء كان سياسياً أم دينياً. لكن الصديقين قلبا الموازين، كانا استثنائين، وظلا كذلك، حتى عندما استبدلا الأحمر بالأبيض، الذي يشبه قلبيهما وتاريخاً من الدعوة إلى السلام ونبذ العنف، صنعاه معاً، وتركاه لنا قنديلاً لا يجفّ زيته، يقتبس نوره من شجرة مباركة، زيتونة، لا شرقية ولا غربية.
سمير فرنجية في ذاكرتي هو النعمة، التي كان أبي المؤمن جدّاً يشكر الله على وجودها “وبالشكرِ تدومُ النِعَم”. وهو المتفرّدُ والمختلفُ والآخر، الذي يُشبهنا كلَّنا ولا يُشبه سوى نفسه. وهو السفينة التي اجتمع على متنها كل الفرادى، إذ لم يكن التشابه غايتها، ورست على بَرّ المشتركات والتعددية والاعتدال والوسطية في كلّ شيء، حتّى في الدِّين.
سنةٌ مرّت على رحيلِ سمير فرنجية، آية الشكر التي طالما قرأناها، علَّها تدومُ علينا نعمةُ وجودِه، خانتنا، كما خانتنا “آيات” أخرى كنّا نظنّها تعاويذ، فإذا هي خيباتٌ وخيانات.
سنةٌ مرّت على رحيل سمير فرنجية، شجرة الخسارة وصلت إلى عند ربها، والأرض تحتها تمتدّ، بوراً، قاحلة، عطشى، لا ماء يرويها، ولا سواعد تقلب ترابها، فتُخرج منه التبرَ والحبرَ والحَب والحُب.
سنةٌ مرّت على رحيل سمير فرنجية، والزواريب تزداد زحمتها كلّما ازدادت عتمتها، ساحات اللقاء تتقلّص مساحاتها، والطرق تتقطّع بنا بدل أن تتقاطع، والجسور صارت لعبة شدّ بين طرفين، أطراف.
على هذه الأرض مَرَّ يوماً سمير فرنجية، منذ سنة يسكن سمير فرنجية في مكان ما في السماء، يُطلّ علينا كما الشهب، يضيء لمحاً ثم يختفي.

سمير فرنجية في الذاكرة
رضوان السيّد/مدى الصوت//11 نيسان/18
قال لي سمير فرنجية على أثر مغادرة الدكتور سمير جعجع صفوف “14 آذار” في اتّجاه الجنرال ميشال عون: منذ العام 2010 على أبعد تقدير ثبت لدى كل المسيحيين العاملين في السياسات المحلية إحساس بالخطر من الجنرال عون فصاروا رهائنه. فقد استطاع جذب العامة المسيحية إليه، وبعض رجال الأعمال. وهو عميق الاقتناع بتحالف الأقليات، ولذلك تحالف مع “حزب الله” وتصالح مع النظام السوري. ولذلك يشعر مسيحيون كثيرون بالأمن وحفظ المصالح وبقاء شيء لهم في المستقبل. هذا وعيٌ انتشر وسيطر، ولذلك اندفع الوجهاء والسياسيون في اتجاهه ومنهم الدكتور جعجع.
وقلت له: ولكن ماذا سعد الحريري ؟ فقال: حتى الآن خدم عون الحريري بحملته الشعواء على السُنّة وعليه، ولذلك ما تناقصت شعبية الحريري لدى السُنَّة بل ازدادت، إنما لا نعرف متى تتسلل إلى عقله الباطن فكرة أنه لن يكون رئيساً للحكومة إذا ظلَّ عون وظلَّ السيد حسن نصرالله مصرّين على حرمانه إيّاها، إن لم يتنازل لهم في رئاسة الجمهورية، ثم في أعمال الحكومة التي سيتولى رئاستها إذا وافق على عون رئيساً للجمهورية!
صَدَقَت توقعات “البيك” في هذا المفصل كما صدقت في عشرات المفاصل المحلية والدولية خلال أكثر من أربعين عاماً. وأنا أتحدّث عنه هنا كمحلّل سياسي، لكنّه كان في الحقيقة سياسياً حتى العظم. وكان كل الوقت صاحب مبادرات. وكنت أظنه في البداية وحتى “قرنة شهوان” مُبدعاً في المعارضة والمصادمة السياسية وحسب. لكنّه في “لجنة الحوار الدائم” وفي “قرنة شهوان” وفي “14 آذار” برز صاحبَ مبادراتٍ ومشروعات، ويملكُ خطاباً يستطيع تكييفه بحسب محدِّثه، وقدرته على الفهم والاستيعاب. ما كان خطيب جمهور، لكنه كان ذا شخصية ساحرة عند المثقفين وعند الجمهور. والذين يحبّون من الشباب السُنَّة علاقتي الحالية بالدكتور فارس سعَيد صديق سمير، كانوا يقولون لي ذلك عن علاقتي بسمير فرنجية وطارق متري.
الشخصية الساحرة لـ”سمير بَيك” كان قوامها الثقافة الرفيعة، والأخلاق الرفيعة، والمسالمة التي لا حدود لها، والإيمان الذي لا حدود له بأنَّ الحوار المفتوح سبيل فريد للتوصل إلى توافق أو إضراب ودي وغير مؤذٍ للطرفين أو الأطراف التي تدخل في المحاورة.
سمير بيك وطني لبناني، لكن وطنيته غير شكل. وهو عربي عروبي، لكن عروبته غير شكل.ومنذ بداية الحرب الأهلية يسكن “عندنا” أو في ما صار يُعرف ببيروت الغربية، لكنَّ علاقته بالمسلمين سُنّةً وشيعةً ودروزاً غير شكل. فبقدر ما كان سمير فرنجية أليفاً كان متميّزاً. وما شعرتُ منذ التقيته للمرّة الأولى عام 1977 في جريدة “السفير” أنه يُشبه أياً من القومجيين الذين كانت تعج بهم ساحاتنا، أما هو فكان يشعر أنّه يستطيع العيش معهم أكثر مما يستطيع ذلك لدى أهل “اليمين”، وكان يستعمل ذلك المصطلح ضاحكاً!
ولا مرّة شعرت أن سمير بيك يخاف المسلمين، جمهوراً كانوا أم أفراداً، ومسلّحين أو غير مسلّحين. وفي الوقت نفسه ما ضعُفَ أبداً إيمانه ببكركي، وبخاصة ذلك الودّ العميق الذي ساد بينه وبين البطريرك نصرالله صفير والمطران يوسف بشارة. وفي سنوات التسعينات أُغرم مثلنا جميعاً بشخصية الشيخ محمد مهدي شمس الدين الساحرة. يمضي عامٌ على وفاة سمير بيك بعد مرضٍ عُضالٍ وطويل، لكنّنا لا نلتقي إلا على ذكره. وقد قرأت كتبه أكثر من مرة، وأشعر بالحنين إليه كلّما رأيت زوجته أو ابنه… أو فارس سعَيد. رحمه الله، ورحم أمواتنا الأحياء، ولا غَفَر لأحيائنا الأموات.

نقلا عن الفايسبوك

في ذكرى رحيل سمير فرنجية
نوفل ضو/ الفايسبوك/11 نيسان/18
في ذكرى رحيل سمير فرنجية أستعيد فصلا من فصول واقع لبنان المرير: لا مكان للفكر في الحياة السياسية اللبنانية. مفكرون وفلاسفة سياسيون يعيشون على هامش القرار ، وأميون، متهورون، مجانين، فاسدون يتربعون على كراسي تحديد مصير لبنان!
إنه عصر الإنحطاط السياسي!
رحم الله سمير فرنجيه ورحمنا!

في ذكراه
الياس الزغبي/فايسبوك/11 نيسان/18
التقينا قبل ١٤ شهراً
وكان اللقاء الأخير
هو إلى مقعد نقّال وأنا إلى آخر،
يدفعنا ممرّضون من طبقة التصوير إلى المصعد الرحب
في مستشفى الجامعة الأميركية، نحو غرف الاستشفاء.
فوجئنا نحن الإثنين باللقاء الصدفة، وكان حوارٌ بالإيماء ودهشة العيون والوجه الشاحب والصوت الخافت.
سألني بإشارة من يده الحرة من قيد الأمصال عمّا أشكو، فأشرت بيدي الحرة إلى ظهري.
سألته عن الجديد في وضعه الصحي، فأشار إلى صدره، وهو يعلم، كما أعلم، أن المشكلة في الرأس، وربّما خانه وهن يده في الإشارة إلى أعلى… أو ربّما اختزل من حيث لا يدري تلك العلاقة الخلّاقة بين قلبه وعقله.
حوار إيميائي لم يستغرق أكثر من دقيقة، افترقنا بعده: أنا في اليوم التالي إلى تلك العملية الجراحية في العمود الفقري، وهو إلى عزلته العليلة قبل الرحيل…
سمير فرنجيه، قلب وعقل استثنائيان… لن يتكرّرا.