منى فياض/انتخابات مغشوشة تمهّد لحرب أهلية

166

انتخابات مغشوشة تمهّد لحرب أهلية
منى فياض/النهار/07 نيسان/18

انها المرة الأولى التي أعودُ فيها الى لبنان من دون ان أشعر بالفرح لأني أعود الى بيتي والى وطني. والمسألة هنا لا تتعلق فقط بمعرفتك أنك ستجد حال الوطن على ما تركتها، أو أسوأ، من فوضى وابتذال وتفكك تفاقمها خطابات غرائزية مذهبية تثير العصبيات من هنا، ومنفلتة من عقال المنطق والمسؤولية من هناك. تدخل في مزايدات إنتخابية وتريد البقاء في الحكم تحت شعار محاربة الفساد الذي تغرق فيه الى أذنيها.

سبب الانقباض أعمق، لمعرفتك ان هذا الوضع المزري لا يطال لبنان وحده بل تتخبط فيه جميع البلدان العربية بأشكال متفاوتة ومختلفة وأن بعضها يمتاز عن بعضها الآخر فقط بنجاتها من عنف الحروب المباشرة دون ان تكون بمعزل عن عنف الارهاب اوالعنف الاجتماعي. والأنكى من كل ذلك ان لا أمل لديك بتغير الاوضاع في المدى المنظور.

في لبنان الذي تمتع بنظام ديموقراطي تعددي وكان شوكة في عيون الأنظمة المستبدة وملجأ للمضطهدين، لم يعرفْ ولم يستطع أن يحفظ العدالة الاجتماعية المأمولة ولم يقم بالإصلاح المطلوب للتوصل الى تقاسم متوازن للسلطة. ما أفقده قدرته في الحفاظ على سيادته واستقلاله في موقعه الجيوسياسي المحاط بدول معادية – ولو على درجات متفاوتة – إما لاختلاف أنظمتها (سوريا) وإما لأنها عدوة محتلة (اسرائيل).

كان يمكن لهذه الانتخابات ان تشكل فرصة، ليس للحل المثالي المأمول، لكن على الأقل لكي يتسنى للشعب اللبناني ان يحدث تغييراً في الطبقة السياسية، التي أوصلت البلد الى التفكك والانهيار خلال الثلاثين سنة الماضية. ما قد يساعده على حفظ سيادته ومقومات وجوده في الحد الأدنى على الأقل.

لكن كيف يمكن ذلك في ظل قانون لقيط هبط فجأة بقدرة قادر بعد سنوات من التخبط وعدم التوافق بين اركان السلطة المستقرة على توازنات مصلحية سياسية ومالية!

قانون هجين ابتدع النسبية المذهبية، بعدما قطّع أوصال الدوائر وأعاد لصقها دون منطق أو معيار سوى مصلحة البعض للوصول الى المجلس وحفظ البعض الآخر لحصصهم ومقاعدهم. اما الصوت التفضيلي فلقد قسم اللائحة نفسها وجعل الكتلة توزع اصواتها على لوائح متعارضة مختلفة! وأجبر الناخب على اختيار مرشحه المفضل وخصمه في الوقت نفسه؟

كما ألغى وظيفة النائب المشرع وفضّل “النائب المشتري لمقعده” بفضل القانون الذي قونن شراء الأصوات. ناهيك عن المعارضة التي تحوّلت معارضات لا تعد ولا تحصى. فمن جهة المعارضة التي سميت “مدنية” (نقيض العسكرية ليس أكثر) تفككت ذاتياً بسبب ضيق افق اصحابها وغياب التقاليد السياسية الديموقراطية التي تسمح بعمل سياسي جدّي ومؤطر. فلا أحزاب سياسية ولا نقابات فعلية ومجتمع مدني لا يعرف أهدافه ولا ما يجمعه أو يفرقه.

من جهة اخرى، طبقة سياسية لغّمت المعارضة بمعارضات وهمية تزايد على المطالب المحقة وتميّعها. والهدف تقسيم المقسم وقطع الطريق على إنجاح أي معارض حقيقي. والجميع يحارب الفساد وندرة بينهم تربط بين الفساد وفقدان السيادة.

كنت من أكثر المشجعين للائحة معارضة موحدة تحت شعار بسيط جامع تعتمد ممثلين مختارين عنها على مستوى لبنان. لكن تبين انه مجرد حلم استباقي؛ أجهض من قبل الايغو المتضخم والمصالح المتضاربة وعدم نضح الرؤية السياسية ولا المستوى الفكري او الممارسة الديموقراطية.

ثم كيف يمكن الوثوق بنزاهة انتخابات تجري بإشراف المرشحين انفسهم الموجودين في السلطة، سواء التنفيذية او التشريعية؟ في أي بلد يكون فيه اعضاء الحكومة والمسؤولين عن نزاهة الانتخابات مرشحين ايضا؟ في أي بلد تستخدم المقار الرسمية للدعاية والتحفيز الانتخابي؟ في أي بلد (مفلس على حد خطاب المسؤولين) يسمح بصرف الملايين من الدولارات كدعاية انتخابية؟

سبق أن تمنّى عليّ بعض الأصدقاء والأحبّة أن أترشح في هذه الانتخابات، وعدا عن انها مسؤولية مضاعفة تحتاج الى فرق عمل جدية غير متوفرة فعلاً، فهي محفوفة بمخاطر الفشل في مواجهة حيتان السلطة من دون استعداد كافٍ للصمود في وجههم في غياب جمهور حقيقي وازن من المواطنين المستعدين للدعم (غير الكلامي) لهكذا اشخاص، اضافة الى تمويلهم؟

الظروف لا تسمح لمثلي بأن يأمل بالنجاح مع الحفاظ على الاستقلالية والحرية المطلوبتين. ظروف الناخبين لم تنضج بعد. فما الذي يمكن ان ننتظره ممن قبلَ أن يقبض ثمن صوته الانتخابي؟ وماذا ينتظر هو في المقابل ممن اشتراه سوى أن يبيعَه ليسترجع أمواله التي بذلها!

وبعد ان استمعت بالصدفة الى حديث الدكتور جورج يزبك على اذاعة “صوت لبنان” واشارته الى البلد الذي لا يحتاج الى نواب على شاكلة الموجود بل الى نائب: “زبال يكنس اوساخهم و سنكري يصلح ما افسدوه و كندرجي وعتال و… و… و…”.

قلتُ في نفسي حتى ولو نجح أمثال هؤلاء ودخلوا الندوة البرلمانية، فلن يستطيعوا شيئاً في هذا المسلخ النيابي.

انها بلاد لم تتمرس بعد على العمل السياسي “السياسي” حقاً. ولم تتشكّل بعد كتلة وازنة من اللبنانيين الافراد المستقلين والاحرار فكرياً وسياسياً مؤهلين للممارسة الديموقراطية الحقة.

وسنظلُ في قاعة الانتظار، حتى يتبلورَ رأي عام حقيقي وأكثري وحتى يشعر الناخب بأنه هو المسؤول عن تغيير الطبقة السياسية واختيار مرشحيه. والا فعلى لبنان السلام.

وفي مثل هذه الاوضاع، من الافضل مقاطعة الانتخابات كي لا نعطي شرعية لانتخابات مغشوشة وغير نزيهة. انها انتخابات مزورة تمهد الطريق لتفسخ البلد ولبيعه لمتمولين ومرتزقة ما يمهد لحرب أهلية جديدة. لأنها سبق ان فجّرت الصراع بين مختلف مكونات المجتمع، سواء السياسية او الاجتماعية او المدنية، وادخلت الى جانب قوة السلاح قوة الرأسمال. فأي خير سننتظره منها؟