المحامي عبد الحميد الأحدب: لماذا ابتعد غابي لحود عن لبنان ثم أوصى بأن يدفن في مدريد؟

484

لماذا ابتعد غابي لحود عن لبنان ثم أوصى بأن يدفن في مدريد؟
المحامي عبد الحميد الأحدب

16 آذار/18

العميد الركن غبريـال مارون لحود دُفن في مدريد بعد أن نقل محل اقامته اليها منذ ان قرر لبنان ان يجعل أبو عمار يحكمه. ومات لحود في اسبانيا ودفن.
وانسحاب العماد غبريـال لحود من لبنان من زمان الى مدريد ووصيّته بأن يُدفن هناك له معانٍ كثيرة.
لقد كان غابي لحود وهو المؤتمن على الأمن في لبنان ونجح نجاحاً باهراً قبل ان يبدأ تحرير فلسطين من لبنان! فقد شَهِدَ غابي لحود لبنان يُهدم فوق رؤوسنا لنصبح شعباً يسكن وطناً بالإيجار.
ونحن نقدم التعازي بالعماد غبريـال لحود كنا نغرق في ليل مُطَعَّم بضوء وبضوء مُطَعَّم بليل حتى أننا كنا نَحار أين يبتدئ الليل وأين ينتهي النهار؟
يوم مات غابي لحود بعيداً عن وطنه وأوصى بأن يُدفن في الوطن المستعار في مدريد يومها نهض التاريخ كله بناره ورماده في صورة وشاح مهجور او رسالة نائمة الى اللبنانيين ذات معنى كبير رسالة كالجرح المغلف!!!
لماذا انسحب غابي لحود وأوصى أن يُدفن خارج لبنان؟ لأن المعركة بين لبنان جبران خليل جبران ولبنان الزبالة لم تكن متكافئة، فقرر الرحيل.
غابي لحود كان آخر الأشياء الجميلة في حياتنا، آخر قصيدة قبل أن ندخل في الأمية، آخر حبة قمح قبل أن ندخل في زمن اليباس وآخر قمر قبل أن تهاجمنا العتمة.
بحث غابي لحود عن فرسان للبنان الذين اعطوا الإنسانية تراثاً شربت منه الأرض وسكرت، فلم يجد احداً منهم، كلهم رحلوا.
ورأى غابي لحود المبادئ في لبنانهم مطروحة “بالرطل” على عربات الخضار والدستور الذي يكفل الحرية في ممارسة السياسة معروض كالفجل في عربات الخضار.
ورحل عن لبنانهم وأوصى بأن لا يُدفن فيه، هذا الوطن الذي أصبح مصنوعاً من عشرين دكان وعشرين صراف وعشرين حلاق وألوف أجهزة المخابرات وألوف القراصنة وألوف المجرمين، وطَبّال وراقصة وزبالة في كل مكان فليس هذا هو لبناننا الأخضر الذي حلم به وحماه غابي لحود عشر سنوات من أيام الشهابية، فرحل عنه وأوصى بأن لا يُدفن فيه.
فهذا الوطن- لبنانهم- المُنَكَّس الأعلام والغارق في مستنقع الكلام والدَّجل، هذا الوطن المنقول في سيارة إسعاف والمحفوظ في ثلاجة الأموات، ليس هذا وطن غابي لحود ولا وطننا، ليس هذا لبنان الأخضر الحلو.
لبنانهم فوضوي، قَبَلي، سُلْطَوي، دَمَوي، كله زبالة وزبّالين، لبنانهم لا مثيل لقبحه، اصبح صحنه اليومي الزبالة.
امام هذا الثوب المرقّع الذي هو لبنانهم لا يمكن لرجل الأمن الشريف الذي لا يقبض راتباً من الثروة ولا من الإستبداد، ولا من “العنطزة” المذهبية، لا يمكنه ان يسكت على هذا الترقيع الذي يشاهده في الشوارع المملوءة بنفاياتهم، لهذا قرر أن يرحل وأن لا يُدفن على هذه الأرض التي كانت طاهرة فنجّسوها، وإذ كانت طاهرة فأيام الشهابية.
لقد وصفوا لنا “صبر أيوب” دواءً فشربناه ولم نُشفَ، فرحلنا، غابي لحود لن يكون لا اول ولا آخر الراحلين الذين سيوصون بأن لا يُدفنوا في هذه الأرض التي نجّسها أعداء لبناننا! سبقه الى ذلك النقيب مرسال سيوفي.
فعن لبنانهم رحل الفرسان وصاروا في اجازة، وصار لبنانهم زمن ملوك الطوائف وسماسرة الكلام الذين يبيعون ويشترون في السوق السوداء.
رحل غابي لحود وأوصى بأن لا يُدفن في ارض مستقبلها وثقافتها وحضارتها الى تَرَهُّل من كثرة الشّحمة.
الناس يلبسون طاقية وعباءة ثم يركضون خلف الولائم والجنائز.
لبنانهم مُضرَّج بالبشاعة والفضائح والخيانة والذنوب، الرجولة فيه الى غروب!
صار لبنانهم يتفرج على المسلسلات التلفزيونية ويتعاطى حبوب النوم ونشرات الأخبار التلفزيونية، القرف يطغى على اجتماعات الحوار والمجالس الوزارية، وانتقلت الينا بالعدوى امراض النفايات المنتشرة في عقول السياسيين قبل أن تنتشر في الطرق.
سياسيون احرق المال كبرياءهم ورِيَشَهم وحناجرهم وصاروا يُستعملوا كربطة حذاء، الرابط الوحيد بينهم وبين اتجاهاتهم وافكارهم ومشاريعهم هو في طريقة الركوع والسجود.
آه يا جبل الخيانات وجبل العمولات يا جبل النفايات يا جبل الدعارة الذي جعل غابي لحود يرحل عنه ويوصي بأن لا يُدفن فيه.
فحروب أحزابهم اشاعة وسيفهم خشب صُنع في ايران ووعودهم كذب، حربهم تمر باللاذقية وحمص وحماة، من اجل “تحرير لبنان”!
نحن نسير فوق الشوك والزجاج والإخوة السياسيون الكرام نائمون فوق البيض والمال.
رحم الله غابي لحود، وهو في رحيله ثم في وصيته ان لا يدفن في ارض الكراهية والحقد والسرقات، انت السابق ونحن اللاحقون.