حنا صالح: عن بلد بلا مرجعية

40

عن بلد بلا مرجعية
حنا صالح/الشرق الأوسط/08 شباط/18

فرمل الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه بري أخذ البلد إلى حافة الحرب الأهلية. اتفاق على طي صفحة الأحداث، وتوافق على لقاء الثلاثاء السادس من مايو (أيار)، لبحث الوضع الناجم عن تهديد وزير حرب العدو الإسرائيلي ليبرمان، بفرض السيطرة على جزء من الثروة النفطية الموعودة المعروفة بـ«البلوك 9»… مياه راكدة تحركت لكن الأزمة السياسية باقية ومقيمة، ومرتبطة بالتوازنات التي ستنجم عن انتخابات السادس من مايو، وتحديداً موقع الرئيس بري وحجم التيار البرتقالي! لذا كان حديث الرئيس بري بعد الاتصال الهاتفي: الأزمة السياسية مطولة.

واضح لكل المتابعين أن «حزب الله» راعي التسوية السياسية، وما تقوم عليه من محاصصة وتفريط في الثروة والسيادة، فاجأه في البداية المشهد السوريالي: وزير الخارجية جبران باسيل يصف رئيس مجلس النواب بأنه بلطجي ويهدد بتكسير رأسه… فيشتعل البلد: عنف كلامي غير مسبوق ولغة طائفية مقيتة، قطع طرق وإطارات مشتعلة، محاصرة الناس وتعنيفهم وتهديد حياتهم، وبيروت العاصمة التي أقفلت قسراً وأقفرت من روادها، كانت مرة أخرى ضحية «ميني 7 أيار»!! وربما لم ينزعج كثيراً السيد نصر الله مما آل إليه وضع أقرب حلفائه، حتى أطل موقف ليبرمان ليفتح باب تدخله ولجم الوضع على قاعدة الاتصال الهاتفي إيّاه.

هذه أصول اللعبة داخل هذه التركيبات و«التحالفات»!
يقولون إن لبنان بلد التسويات، والمعنى الحقيقي لذلك أن النظام اللبناني كما يُدار منتج للخلافات والأزمات، وتسوية كل أزمة تفجر صراع مصالح وحصص، ويطفو على السطح الصراع على الصلاحيات وحقوق الطوائف والتواقيع، وتعود إلى التداول لغة طائفية مذهبية منبوذة، ويستعيد البلد وناسه أبشع صور التطيّف والتطرف… هي بأسف صورة لبنان منذ مقتل الرئيس رينيه معوض رئيس الطائف. بفعل سلبطة النظام السوري المحتل، تمّ من البداية التلاعب بالدستور من خلال فرض زيادة عدد النواب من 108 إلى 128، كمقدمة لتعليق العمل به، فكان المواطن اللبناني شاهداً على البدع: «يُعدل الدستور لمرة واحدة» فيتم التمديد لرئيس الجمهورية 3 سنوات، وتتكرر مرة ثانية، ولا بأس من «مظاهرة» لحملة البلطات فتفرض المطالب والأعراف…

وبفعل الحروب التي فتحتها الدويلة إجمالاً على الطلب، فُرض تعايش قسري على اللبنانيين مع السلاح الميليشياوي، وارتهان الطبقة السياسية وتبعيتها للخارج، نجم عن ذلك إمساك الأتباع بكل مواقع القرار وكل مفاصل السلطة، فبات يحكم البلد بأعراف وتقاليد حلّت مكان الدستور، وإلاّ ما المبرر لإقفال المجلس النيابي لسنتين، والتمديد لبرلمان عام 2009 خمس سنوات، والامتناع 30 شهراً عن انتخاب رئيس للجمهورية. نعم في ظلِّ دستور معلق، بات البلد من دون مرجعية وتحول كل مسؤول إلى حاكم مطلق لا يتورع عن تسخير موقعه لفريقه وطائفته.

إنها الصورة الحقيقية للبلد – المزرعة، كما صنّعها كثيرون من أهل الحكم الذين لا يتوانون عن اللعب بالنار في سبيل مصالحهم الفئوية، فيتوسلون شد العصب الطائفي لحرف أنظار الناس عن الوجع الحقيقي: غلاء وبطالة وجوع وهجرة وأولويتهم تعبئة المقترعين طائفياً في موسم الانتخابات، دونما توقف عند النتائج المتأتية عن عودة العسكرة والتخندق الطائفي، الإيجابي إدراك الأكثرية أن هيمنة السلاح الفئوي على القرار السياسي لا تنتج إلاّ خضّات سياسية متتالية قد تؤدي لأزمات مفتوحة على المجهول إن لم تؤد مجدداً لحرب أهلية، وكل الرهان هو على مواطنين اكتووا بنار الرقص على حبال الفتنة، لمسوا هشاشة السلطة وعجز المهيمنين على الحكم، حيث ليس سراً أن جلهم أصبحوا في مواقعهم تسلقاً ووصولية، واليوم الأفق مغلق والبلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من المراوحة، والفرملة لا تعني أن لبنان ليس على حافة منزلق طائفي خطير، وأن هذا اللعب بالسلم الأهلي وصفة موت للبلد.

المواطن المحبط يعرف أنه كلما توهم طرف القوة متسلحاً بسلاح الدويلة، وكلما تمظهر استتباع البلد، تم إقفال النوافذ وحجب الضوء، وتفشت المحاصصة والفساد وتعذرت المحاسبة. ولأن المواطن يعرف، وهو الشاهد، على أن الذين في السلطة تغنوا بنظرية الاستقرار انعكاساً للتسوية التي أنهت الفراغ، ابتلعوا ألسنتهم واستقروا على الصمت أمام هول ما جرى، وأثبتوا مرة جديدة أنهم لا يقيمون حساباً للناس ومصالحهم وأمنهم ويمعنون في نهج يعتبر المواطنين تابعين لا يملكون غير الطاعة.

ومن تجربته، يدرك المواطن العادي البسيط، أن قرار الاستقرار هو الوجه الآخر لقرار الحرب والسلم وقد بات بيد الفريق المسلح… لكن الفرصة مؤاتية لبدء مسيرة جدية للخلاص من هذا الوضع المريض.

إنها بالذهاب بكثافة إلى صندوق الاقتراع للمحاسبة ولاختيار وجوه شابة جديدة، ستكون اللبنة الأساسية لقوى التغيير الفعلية التي تدرك أهمية العمل على استعادة السيادة والإصلاح الحقيقي للمؤسسات. الحالمون باستعادة الدولة الطبيعية هم أمام التحدي الصعب، لكن الممكن هو الانخراط بكثافة في العملية الانتخابية رفضاً لأهل نظام المحاصصة الطائفية، الذين أغرقوا البلد بالديون وحولوه رصيف هجرة للشابات والشباب، وأقفلوا على حلم التغيير بالسلاح والتحريض الطائفي.

6 مايو (أيار)، الفرصة متاحة لبدء مسيرة استعادة الجمهورية واستعادة حكم القانون وتكريس العدالة، في وطن تكون مرجعيته وثيقة الوفاق الوطني والدستور، والتزام الشرعية الدولية، وعودته لمكانه الطبيعي في المنطقة، وتكون أولوية النائب حماية البلد وحياة الناس وأمنهم بديلاً عن السائد وهو مراكمة الثروات وتغطية أوكار الفساد.