د. أحمد خواجة: إيران …ثراء المرشد الفاحش…وثورة الجياع/علي الأمين/مظاهرات إيران: ماذا تبقى من قوة النظام وأيديولوجيته

119

مظاهرات إيران: ماذا تبقى من قوة النظام وأيديولوجيته
علي الأمين/العرب/03 كانون الثاني/18

مشكلة النظام الإيراني اليوم تكمن في مصدر قوته الوحيدة إزاء المشكلات التي تواجهه في الداخل، الدكتاتورية والقبضة الأمنية وبراعته في القمع، هذه هي مصادر قوة النظام الإسلامي وهي مقتله في آن.

التطورات التي تشهدها إيران اليوم، هي أكثر من مجرد احتجاجات على أوضاع مالية واقتصادية متردية في هذا البلد الغني بالثروات الطبيعية والنفطية. الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ليست أمرا جديدا في إيران، فلقد عانى الشعب الإيراني في العقود الأربعة الماضية أزمات شبيهة، إما بسبب الحرب التي استنزفت إيران مع العراق بين العامين 1980 و1988، وإما بسبب العقوبات التي نتجت عن الحصار الأميركي والغربي خلال السنوات الماضية، وكان ذلك يجري في ظل صراع بين تياريْن واحد إصلاحي وآخر محافظ، والأخير هو المسيطر على السلطة والمتحكم بمفاصل الثروة والاقتصاد، إما عبر الحرس الثوري وإما من خلال المرشد علي خامنئي، الذي يشكل عمليا صاحب السلطة المطلقة الذي لا يمكن أن يرد له قرار فيما هو قادر على إلغاء أي قرار لا يرى فيه مصلحة لإيران.

الإصلاحيون تلقوا ضربة قوية بعد قمع الثورة الخضراء عام 2009 ووضع قادة هذا التيار وهذه الثورة في الإقامة الجبرية أو في السجون. وبعد رحيل هاشمي رفسنجاني المشوب بتساؤلات حول وفاته الغامضة، تلقى التيار الإصلاحي، والنظام ذاته، ضربة قوية انطلاقا من أنّ رفسنجاني كان حكيم الدولة والنظام وعنصر التوازن الذي يحتاجه النظام كما يستند إليه الإصلاحيون.

مظاهرات اليوم التي انطلقت من مدينة مشهد وعمّت معظم المدن الإيرانية، هي تحركات تفتقد لقيادة كما كان الحال في الثورة الخضراء، إذ خرج المحتجون هذه المرة بشعارات طالت كل أركان النظام، حتى الرئيس حسن روحاني الذي كان يُنظر إليه بأنه يحظى بتأييد التيار الإصلاحي الذي جيّر أصوات مناصريه له في الانتخابات الرئاسية في ولايته الأولى والحالية، كما أنّ الاحتجاجات طالت المرشد الذي أُحرقت صوره ورفعت شعارات غير مسبوقة بهذه العلنية التي دعت إلى إسقاطه.

ما يمكن الإشارة إليه في سياق البحث عن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الإيراني، هو أنّ الثورة الإيرانية الإسلامية أو النظام الإسلامي الذي يحكم إيران منذ أربعة عقود، فقد ثقة فئات واسعة من الشعب الإيراني، فالتظاهرات والاحتجاجات هذه المرة انطلقت من كل الجغرافيا الإيرانية وديموغرافيتها، أي أن لا بعد إثنيا أو قوميا لها، ولا بعد مذهبيا أو إيديولوجيا، وكما أشرنا إلى أن الأزمة الاقتصادية وحتى البطالة وتراجع فرص العمل وانخفاض سعر العملة الإيرانية ليس هو الجديد رغم أنه شكل السبب المباشر في خروج المحتجين إلى الشارع، لكن الجانب المتصل بفقدان الثقة بالسلطة الحاكمة وبالنظام بدا بارزا، فهذه الاحتجاجات لا تذكر السلطة الحاكمة بشعارات قادة الثورة الأوائل كقائدها الخميني، ولا تستعيد أيا من شعاراتها في مواجهة السلطة الحاكمة، بما يوحي أن المنتفضين يعلنون القطيعة مع الثورة وقادتها وشعاراتها، وهذا أخطر ما يواجه النظام الإيراني، فالشعب لم يعد يطالب باستبدال زعيم بآخر أو مسؤول بآخر، بل يحمّل النظام مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد.

بعد أربعة عقود نجحت القيادة الإيرانية في إنجاز الاتفاق النووي، وحققت اختراقات استراتيجية في المنطقة العربية وعلى حسابها من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، لكن هذه الإنجازات للحكومة الإيرانية، لم تنعكس إيجابا في الداخل الإيراني، بل كشف واقع الشعب الإيراني اليوم، أن التمدد الخارجي تضمن محاولة تغطية على الفشل الداخلي، مثل فشل التنمية وتمدد الفساد في الدولة وانتشار ظاهرة الولاء والاستزلام على حساب الكفاءة، وهروب الكفاءات الإيرانية نحو الخارج، وعدم قدرة النظام على إقناع الشعب الإيراني بضرورة استمرار القطيعة مع الغرب، ولا سيما بعدما فشل النظام الإيراني في إيجاد موارد اقتصادية ومالية من خارج الثروة النفطية، فيما القمع الأيديولوجي والدكتاتورية، باتا العنصر الوحيد المميز للسلطة التي سقطت كل شعاراتها تجاه تقديم النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي البديل عن العولمة أو النظم الاشتراكية التي سادت خلال عقود سابقة.

من هنا لم يكن مفاجئا إطلاق شعارات تدعو الحكومة الإيرانية إلى العودة إلى الداخل، وعدم الغرق أو استنزاف طاقات الدولة في وحول سوريا والعراق ولبنان وغزة، ذلك أن ثمة اعتقادا في داخل إيران بأن الثروات الإيرانية استنزفت في حروب خارجية، وهذا إن كان يتضمن شيئا من الصحة، إلا أن عملية نهب العراق التي تمت في مرحلة حكم نوري المالكي، تمت بإشراف إيراني، إذ يؤكد أكثر من مصدر عراقي رسمي، أن عملية دعم نظام الأسد وحزب الله في لبنان في السنوات الماضية تمت من خلال العراق، الذي أفرغت خزينته بالنهب المنظم، وبالفساد في السلطة الحاكمة الذي شكل غطاء لعملية نقل عشرات المليارات من الخزينة العراقية ومن آبار نفط البصرة إلى المجهود الحربي الإيراني سواء في سوريا أو لبنان أو غزة واليمن.

التجربة الإيرانية بنموذجها الإسلامي الحاكم، هي التي تهوي اليوم في الشارع الإيراني، بسبب عجز النظام عن تقديم إجابات على أسئلة الداخل. الشعب الإيراني تحمل الكثير اقتصاديا وماليا في سبيل إنجاز الاتفاق النووي، والشعب الإيراني بخلاف الشعوب العربية ليس متحسساً من العلاقة مع الغرب، بل يتطلع إلى بناء علاقة وثيقة مع الغرب ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، لذا كان إنجاز الاتفاق النووي الإيراني مصدر فرح للإيرانيين باعتباره عنوان الانفتاح على الغرب وتحديدا أميركا، وليس باعتباره عنصر تحد ومواجهة معها، لكن النظام الإيراني خيب آمال الشعب على هذا الصعيد، فتفاقمت الأزمات الداخلية مع المزيد من التشدد الأيديولوجي الذي ترافق مع هدر للثروات الوطنية، وذلك يجري من دون وعود بتغيير لصالح الشعب، وفي ظل غياب أي أفق للتغيير من داخل السلطة وضمن سيطرة آليات النظام التي تستخدم الديمقراطية ونتائجها كرسالة للخارج، فيما لا تعني في الداخل إلا انتخاب الشيء نفسه بوجوه جديدة لكن المضمون واحد مفاده أن لا تغيير إلا ما يشاؤه المرشد وذراعه الحرس الثوري.

مشكلة النظام الإيراني اليوم تكمن في مصدر قوته الوحيدة إزاء المشكلات التي تواجهه في الداخل، الدكتاتورية والقبضة الأمنية وبراعته في القمع، هذه هي مصادر قوة النظام الإسلامي وهي مقتله في آن. فهذا النظام اعتمد على الأيديولوجيا المتمثلة بولاية الفقيه، التي فقدت بريقها لدى الشعب وهي عاجزة عن تقديم أي حلول جدية لأزمات الدولة والشعب، والشعب الإيراني الذي أعطى النظام فرصا عديدة من أجل إنجاز مشروعه الإنمائي في الداخل، وصل إلى قناعة على ما تظهر الوقائع الميدانية أنّه أمام دولة فاشلة اقتصاديا وإنمائيا، ينهش شعبها الفقر والبطالة فيما تتوفر على الثروات الدفينة والظاهرة ما لا يعد ولا يحصى، وهذا ربما ما يفسر نزعة أيديولوجية السلطة الحاكمة التي ترفض توسعة دائرة المشاركة الفعلية في السلطة التي تشكل عنصرا أساسيا لإحداث التنمية وبالتالي الانفتاح الاقتصادي على الشركات الكبرى ورأس المال الوطني والخارجي، لذلك هي تدرك أن الدخول في هذا المضمار سيعني بالضرورة تغييرا سياسيا لا تريده.

إزاء فشل أيديولوجيا السلطة أو ولاية الفقيه في تقديم نموذج تنموي يلبّي حاجات الشعب ويحد من الفساد والبطالة، وإزاء رفضها اعتماد البديل بالانفتاح على الدول الخارجية بما يخرجها من عزلة نسبية تعيشها، يبدو أننا أمام انتفاضة شعبية ليس لدى النظام أي إجابة موضوعية تبدأ من التسليم بضرورة الإصلاح الجذري للنظام، قوة النظام شبه الوحيدة هي القمع وهذا يمكن أن يكبت صرخات الشعب لكن بكلفة عالية ستجعل من تغيير النظام الإسلامي جذريا قرارا شعبيا لا عودة عنه وإن بعد حين.

إيران …ثراء المرشد الفاحش…وثورة الجياع
د. أحمد خواجة/لبنان الجديد/3 كانون الثّاني 2018

يا شيعة إيران … أشدّ عذاباً يوم القيامة ؛ عاقر ناقة ثمود، وخاضبُ لحية أحدكم بدم رأسه
أولاً: الإنتفاضة الإيرانية
خرج الإيرانيون هذه الأيام باحتجاجات صاخبة على البطالة والفقر والعوز وحتى الجوع، بطالة وصلت إلى حدود الثلاثين في المائة في فئة الشباب، وأربعين بالمائة عند خطّ الفقر، بالمقابل جاءت موازنة الدولة للعام القادم لتحرم فئاتٍ عديدة من مساعدات سدّ العوز، مترافقة مع غلاء الأسعار وفرض ضرائب جديدة.
خرج الإيرانيون بصدورٍ عارية للتعبير عن غضبهم وسُخطهم، علّ المرشد يسمع شكواهم، إلاّ أنّه لم ير من مقامه العالي سوى بضعة خونة وعملاء ومتآمرين على الثورة الإسلامية، رعاعٌ وشُذّاذُ آفاق يحاولون تلطيخ ثوب الثورة الأبيض بسواد حقدهم وأضاليلهم.
ثانياً: ثراء المرشد الفاحش
لم يعُد خافياً ولا سرّاً ، ولا افتراءً ولا تجنّياً، اتّهامُ مرشد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي بالثراء الفاحش، أرقام فلكية تتداولها منظمات اقتصادية وجهات محلّية ودولية، خمسة وتسعون مليار دولار في حوزة المرشد وعائلته ومؤسساته وما يدور في فلكهم، ومهما بلغت قيمة التضخيم والمبالغة، فإنّ الأمر مستهجن ومستنكر من قبل من كان يُفترض أن يكون مثالاً للشفافية والطهارة والتّقشُف، فهو المرشد الأعلى، ونائب الإمام المعصوم، والحاكمُ بأمر الله، ومن بيده الدماء والأموال والأعراض، وقبل هذا وذاك، في رقبته حياة الإيرانيّين وكرامتهم ومستوى عيشهم واستقرارهم وتقدّمهم وحتى ازدهارهم، كان أبو بكر الصديق (الخليفة الأول) لا يأخذ من بيت المال شيئاً، ولا يُجري عليه من الفيء درهماً، إلاّ أنّه استلف منه مالاً فلمّا حضرته الوفاة أمر عائشة بردّه، أمّا عمر بن الخطاب (الخليفة الثاني) فكان يُجري على نفسه درهمين كل يوم، فلمّا ولي عمر بن عبدالعزيز قيل له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب! قال: كان عمر لا مال له، وأنا مالي يُغنيني، فلم يأخذ منه شيئاً، أمّا الإمام علي بن أبي طالب (الخليفة الرابع) فكان يقسمُ بيت المال في كلّ جمعة، حتى لا يُبقي منه شيئاً، ثم يُفرشُ له ويقيلُ فيه،ويتمثّل بهذا البيت:
هذا جناي وخيارُه فيه
إذ كلُّ جانٍ يدُه إلى فيه.
وعندما قُتل شهيداً، قال ابنه الحسن يرثيه: أيها الناس، إنّه قُتل فيكم الليلة رجلٌ كان رسول الله (ص) يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا ينثني حتى يفتح الله له، ما ترك إلاّ ثلاثمائة درهم.
ثالثاً: ثورة الجياع
الإيرانيون الفقراء الجياع، المقهورون المظلومون نزلوا شوارع المدن والدساكر، لا يملكون نقيراً ولا نصيرا، لا جاهاً ولا سلطانا، يملكون عزيمة الثورة على الذّلّ والمهانة، وإرادة الحرية والتغيير، مع الضراعة للّه بأن يرفع عنهم سيف النقمة الذي بدأ جلاوزة النظام في سلّه من غمده وشحذه.
في الحديث أنّ النبي (ص) قال لعلي: ألا أُخبرك بأشدّ الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول الله، قال: فإنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة؛ عاقرُ ناقة ثمود، وخاضبُ لحيتك بدم رأسك.
يا شيعة إيران … أشدّ عذاباً يوم القيامة ؛ عاقر ناقة ثمود، وخاضبُ لحية أحدكم بدم رأسه.