مقابلة مطولة وشاملة مع اتيان صقر، أبو أرز، رئيس حزب حراس الأرز تتناول كل الملفات اللبنانية حاضراً وماضياً ومقاومة ونضال/

378

ابو أرز للصوت الحر:الطبقة الحاكمة فاسدة ومعدومة الرؤية لكني متفائل بالمستقبل
الصوت الحر/الخميس 21 كانون الثاني 2017

وجود لبنان يسبق وجود فينيقيا بثلاثة آلاف سنة
ما زالت آثار احداث العام 1990 مستمرة حتى اليوم
الأحكام القضائية الغيابية بحقي سببها مواقفي المعارضة للهيمنة الايرانية
خلايانا منتشرة على كافة الأراضي اللبنانية وتنتظر الوقت المناسب لتتحرك
ارفض تصنيفي كقائد مسيحي فأنا اعتبر حالي لبناني وطائفتي الوحيدة هي لبنان
وضع حزينا القانوني سليم 100% ولا أحكام قضائية عليه


لم ينته زمن النفي والإستهداف القضائي للقيادات المسيحية اللبنانية بعودة العماد عون من منفاه الفرنسي، فهو عاد وخرج سمير جعجع من سجنه. وتصالحا في ما بينهما ومع باقي القيادات الإسلامية. لكننا لا زلنا ونحن قد دخلنا القرن ال ٢١، نقف على عتبة تحدّي تحقيق الديموقراطية الحقة وإحقاق الحق. ولا يزال هناك قائد سياسي وعسكري رئيس حزب لبناني كانت له طروحات إستثنائية في زمن إستثنائي. وخاض غمار الحرب الدفاعية وكانت له المجالات الكبرى في ميادينها في الكثير من الأحيان، كما كان جندياً مجهولاً أحياناً أخرى. نعم لا يزال هناك شخص بهذا الحجم يقبع منفيّاً خارج وطنه تحوطه الملاحقات الكيدية السياسية والقضائية حتى اليوم، ولم يعد لديه من الأحلام الشخصيّة سوى حلم رؤية وطنه قبل أن يرحل عن هذه الدنيا.

إذا ما أردنا قياس الإنجازات النضالية في مرحلة الحرب، فإن حزب “حرَّاس الأرز” لم يكن مقصّراً على الإطلاق، لا بل كثيراً ما كان طليعياً. وإذا أردنا محاكمته على أخطائه وحجم أضرارها لبدا كالملاك أمام الآخرين، إن لم يكن هو الملاك بعينه، لكنه دفع الثمن عن من هم موجودون اليوم في نعيم السلطة ويحكمون البلاد.

إبتدأت مسيرة الرجُل مع بدايات ما عُرف بحرب السنتين (١٩٧٥ ـ ١٩٧٦)، من خلال تأسيس حزب سياسي عقائدي ذو ذراع عسكرية، كانت الأكثر فرادة وعلى كافة المستويات، من بين الميليشيات “المسيحية” في ذلك الوقت. وفي زمن استعار الخطاب الطائفي، المقرون بطروحات جدّية ونهائية لتغيير خارطة الكيان ضمن مشاريع التقسيم وبناء الدويلات الطائفية، أو الضم لسوريا، وفيما كل الظروف الإقليمية والدولية كانت مؤاتية لتنفيذ مثل تلك المشاريع، إخترق أبو أرز (إتيان صقر) ورفاقه، ومرجعيته الفلسفية المعلّم سعيد عقل، السّرب بعقيدة قومية لبنانية تقوم على اعتبار الكيان الحالي بمكوناته البشرية أمّة خالصة ونهائية ذات هوية تاريخية واحدة هي الهوية اللبنانية. وبات حزب “حرَّاس الأرز” حركة القومية اللبنانية في الساحة السياسية.

بدأ الحزب نشاطه مع بداية الحرب اللبنانية عام ١٩٧٥، ولم يتسنّى له أن يخوض مرحلة النضال السياسيالمدني بعد الحرب، لأنه تحوّل إلى كبش فداء عن كل مسيحيي الحرب، فحوكم غيابياً ولوحق محازبوه. وصموه بالتعامل مع إسرائيل فيما كبار المتعاونين معها حينذاك أصبحوا اليوم في الحكم. وطبّق عليه منطق الحالة المحرجة التي من المناسب للجميع عدم التطرّق إليها وإثارة التساؤلات بشأنها، فلا أحد منهم يملك جواباً جريئاً وصريحاً عن واقع لا يستقيم في عُرف أي منطق لدى البشر. وتتجسّد فيه قمّة الظلم والتجنّي التي تصل حدّ الخيانة الموصوفة بكل المعايير، وعندما يؤرّخ لحقبة الحرب، لن يرحم قلم التاريخ المواقف التي أقل ما يقال فيها إنها متخاذلة بحق حالة لبنانية آمنت بلبنان وناضلت لأجله وقدّمت الشهداء والتضحيات التي شملت قائد الحزب المتماهي بسلوكه ونفسيّته مع سيرة وقدسيّة شهداء حزبه. وهو قبل كل مناضليه دفع الأثمان الغالية لأجل مواقفه.

في العام ١٩٩٠ وقعت الحرب بين الجيش والقوّات، فماذا فعلت القوّات مع أبو أزر وحزبه. ولماذا أخرج من “الشرقية” وإلى أين. وماذا جرى له ولحزبه بعد ذلك، وما هو وضعه اليوم وما هي مواقفه من الأوضاع الحالية وإلى أين يسير البلد، كلها أسئلة يطرحها “الصوت الحر” على القيادي اللبناني المسيحي المنفي الذي لم يتجرّأ الإعلام اللبناني وحتى الخارجي على محاورته يوماً، حيث يمكث في الظلام منذ ٢٧سنة.

هذا الحوار مع أبو أرز (إتيان صقر) رئيس حزب حرَّاس الأرز، المنفي إلى قبرص. نستعرض فيه مسيرة مرحلة هي مسيرته ومسيرة حزبه الذي لا يشبه أي حزب لبناني آخر، منذ بروز العقيدة وحتى أيامنا الحاضرة. حوار طال كثيراً وبات التقصير عنه خطيئة.

ـ متى بدأت تهتمّ بالعقيدة القومية اللبنانية، ولماذا، ووسط أي ظروف؟
ـ قبل البدء بالإجابة على الأسئلة، أودّ أن أشكرك على هذه المقدّمة النبيلة التي تشير إلى أن الخميرة الطيّبة ما زالت موجودة لدى النخبة من شبابنا اللبناني رغم أجواء الفساد السياسي والأخلاقي الطاغية على البلاد، وإن هذه النخبة إذا عرفت كيف تنظم صفوفها وترسم أهدافها، قادرة على إحداث التغيير المطلوب لإعادة بناء دولة جديدة على أسسٍ عصرية تحاكي أحلام وطموحات الأجيال الطالعة.

كما وأودّ أن أشير إلى انني لا أحبّذ تصنيفي كقائد مسيحي بل كقائد لبناني، وذلك لسببين: الأول، لأن عمري كلبناني هو أقله خمسة آلاف سنة قبل نشؤ المسيحية والإسلام. والثاني، لأن حزبي علماني المبدأ قولاً وعملاً، حيث ان خلايانا الحزبية منتشرة على كامل الجغرافية اللبنانية، وعناصرنا من كل الطوائف والمذاهب، وباختصارفإن الطائفة التي ينتمي إليها حرَّاس الأرز هي الطائفة اللبنانية.

لقد بدأت عقيدة القومية اللبنانية تترسّخ في أذهاننا عندما شاء القدر في أوائل السبعينات من القرن الماضي أن ألتقي بالأستاذ سعيد عقل، وأن تتوطّد سريعاً علاقة الصداقة في ما بيننا، فشرعنا في تأليف حزب جديد لمواجهة تحدّيات المرحلة الخطيرة آنذاك المتمثلة في الأنشطة العسكرية الفلسطينية التي كانت تعمل على إقامة دولة فلسطينية على أرضنا بدعم إقليمي ودولي كامل؛ وقد ارتأى سعيد عقل يومها أن يطلق على هذا الحزب إسم “حزب التبادعية اللبنانية”، وجوهر عقيدته القومية اللبنانية وهوية لبنان اللبنانية، وكانت إجتماعاتنا تعقد أسبوعياً في بيت ألفرد ومي المُرّ وحضور مجموعة من الشعراء والمثقفين.

ـ ما هي مرتكزات القومية اللبنانية؟
ـ لبنان أول أرض حملت إسماً في التاريخ يقول أرنولد توينبي المؤرّخ البريطاني، وبقي متمسّكا بهذا الإسم من دون تغيير أو تبديل أو تعديل على مدى تاريخه الطويل حتى في عزّ الإحتلال العثماني الذي دام ٤٠٠ سنة لم يتخلَّ يوماً عن إسمه، لا بل أقام دولة واسعة امتدّت من حلب إلى عكّا على يد الأمير فخر الدّين المعني الكبير وأجبر الدولة العثمانية على الإعتراف بها، وأطلق عليها إسم إمارة لبنان الكبير.

وفي العهد الفينيقي العظيم عندما سيطرت الممالك اللبنانية على كافة بلدان البحر الأبيض المتوسط طوال نحو ٥٠٠ سنة، أي ممالك صيدا وصور وجبيل، بقي لبنان محافظاً على إسمه، وما الفينيقية سوى لقب للبنان (تعدّدت الأراء في أُصولها)، ما يعني ان فينيقيا لبنانية وليس العكس كما يتصوّر البعض، عِلماً ان لبنان موجود قبل فينيقيا بحوالي ثلاثة آلاف سنة.

ذكرنا هذه اللمحة التاريخية لنؤكد على هوية لبنان اللبنانية التي هي أول مرتكزات القومية اللبنانية، في وقت يحاول البعض اليوم تزويرها بإضافة نعوت خارجية عليها كالعروبة على سبيل المثال.

إن مرتكزات القومية اللبنانية أربعة هي: الإسم، اللغة، التاريخ والحضارة، والجغرافيا،

أ ـ الإسم، سبق وقلنا ان إسم لبنان هو الأقدم في التاريخ، وثابت في الزمان والمكان، وعليه فإن هذه الهوية كانت وستبقى لبنانية مهما حاولوا تلوينها أو طلاءَها أو نعتها بنعوت غريبة عن أصالتها.

ب ـ اللغة، هي اللغة اللبنانية، وجذورها اللغة الآرامية ـ السريانية التي تكلم بها السيّد المسيح، وقد تطوّرت مع الأيام لتصبح اللغة الحيّة التي نتكلّم بها اليوم في لبنان، إذاً هي ليست عربية أو لهجة عربية كما يسميها الكثيرون، بل لغة كاملة الأوصاف نستعملها في حياتنا اليومية على مدار الساعة، ولا نستعمل العربية إلا كتابة، لذلك لا بُدّ من السّعي لإقرار لغتنا القومية هذه كلغة رسمية نستعملها في دوائرنا الحكومية كتابةً وقراءَةً.

ولمزيد من الإيضاح نقول بأن اللغات السامية ثلاث، الآرامية، والعربية، والعبرية، وهي متقاربة الجذور ومتشابهة الكلمات أحياباً، ولكنها مختلفة في الشكل واللفظ والتركيب (Syntax)، ومن يتعمّق في دراسة اللغة الآرامية ـ السريانية يدرك ان اللغة اللبنانية هي إبنتها، بينما العربية خالتها والعبرية كذلك.

ج ـ التاريخ والحضارة، يتفق المؤرخون على ان الحضارة اللبنانية عمرها حوالي سبعة آلاف سنة، بلغت ذروتها في الحقبة الفينيقية الممتدّة من العام ١٢٠٠إلى العام ٧٠٠ ق. م.على وجه التقريب، حيث برز خلالها عدد من الفلاسفة والشعراء والعلماء في مجالات الهندسة والفلك والذرّة وغيرها، ساهمت كثيراً في تقدّم الحضارة الإنسانية، وما زالت إلى اليوم تشكل ركائز الحضارة العالمية. وقد اشتهر اللبنانيون في فنون الملاحة والتجارة فنقلوا حضارتهم ومنتوجاتهم، مع الأبجدية التي اخترعوها، إلى العالم القريب والبعيد فوصلوا إلى أوروبا وأفريقيا والأميركيتين قبل كريستوف كولومبوس بمئات السنين.

المؤسف ان التاريخ لا ينصف اللبنانيين، ويحصر تلك الحضارة باليونانيين الذين نقلوها إلى روما ومنها إلى بلاد الغرب وأميركا، بينما الحقيقة هي ان الحضارة اليونانية تأسست بمعظمها على الحضارة الفينيقية، ولدينا على ذلك العديد من البراهين والشواهد لا مجال لذكرها جميعاً، ونكتفي الآن بشهادة المؤرخ الفرنسي فكتور بيرار الذي يقول ما حرفيته “لقد وضعتُ ١٣ مجلداً عن هوميروس، واليوم انتهيت بدراسة تؤكد انه ليس إغريقياً” بل هوميروس مؤسس أوروبا وشاعر الشعراء هو عظيم من عظماء لبنان.

هذا عن التاريخ القديم، أما الحديث فقد تجلّى في عهد الأمير فخر الدين الثاني الكبير الذي يُعتبر مؤسس لبنان الحديث.

د ـ الجغرافيا. مساحة لبنان الحالية هي مساحته التاريخية، كانت تتقلّص أحياناً أو تتمدّد على الساحل الشمالي أو الجنوبي بحسب الظروف السياسية والعسكرية التي كانت تعيشها المنطقة المحيطة بلبنان، غير ان جبل لبنان الممتد من جزّين إلى ما بعد الأرز شمالاً كان دائم النضال من أجل الحرية والضامن لاستقلال لبنان، والساعي أبداً إلى توحيده واستعادة الأقضية التي كانت تسلخ منه وضمّها إلى الوطن الأمّ.

قبل المسيحية وبعدها لعب لبنان الدور المحوري في الحفاظ على الكيان اللبناني ووحدته القومية، وعند قيام ظاهرة مار مارون في جبال قوروش في بداية القرن الخامس وكان الجبل لا يزال يعبد الأصنام ويكرم الآلهة ايل وبعل وعشتروت وأدونيس، جاء إلى لبنان راهبان قديسان من تلامذة مار مارون، الأول يدعى ابراهيم القورشي وسكن في أفقا في جبال العاقورة، والثاني يدعى تلالاوس وسكن في بلدة جبلة ـ كفرحي في الشمال، وراحا يبشران بالديانة المسيحية التي كانت منتشرة في المدن الساحلية فقط، فاعتنق على يديهما أهل الجبل الديانة الجديدة وأطلقوا على أنفسهم إسم الموارنة تيمناً بالقديس مارون، ومع مجيىء البطريرك مار يوحنا مارون شهد الجبل حركة تنظيم على الصعيد الكنسي والوطني والعسكري والإجتماعي عرف بنظام المقدّمين، وفي زمن الحرب كان البطريرك يستدعي المقدّمين ومعهم حوالي ١٥ ألف خيالاً، وأحياناً كان يسير أمامهم حاملاً عصاه الخشبية، لذلك قيل عن البطاركة آنذاك عُصيّهم من خشب وقلوبهم من ذهب، ومجد لبنان أعطي له، أما اليوم فأصبحت عُصيّهم من ذهب وقلوبهم من خشب، وقد يكون هذا أحد أسباب الإنحطاط الذي ضَرَبَ المسيحيين خاصة واللبنانيين عامةً منذ حوالي نصف قرن وحتى الآن.

إذاً حدود لبنان الحالية هي الحد الأدنى للبنان التاريخ، مع الإشارة إلى ان سلسلة الجبال الشرقية وكل القرى والبلدات الواقعة عليها هي ملك لبنان وتابعة له تاريخياً، وأهلها ما زالوا يتكلمون الآرامية حتى الساعة ويدينون بالولاء للبنان ولو ضمناً، ولا بٌدّ من استعادتها من سوريا إلى الحضن اللبناني.

ـ من اميل الخوري حرب إلى سعيد عقل ومي مُرّ والأب كميل مبارك، هل هم منظرو العقيدة وأعلامها؟
ـ قبل الإجابة على هذا السؤال أعود إلى السلسلتين الجبليّتين الغربية والشرقية المتوازيتين والممتدتين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وبدون انقطاع، لأقول مع جواد بولس ان هاتين السلسلتين فصلتا لبنان عن الصحراء، وشكلتا حاجزاً طبيعياً بين لبنان وسوريا وسدّاً منيعاً في وجه الغزوات الصحراوية التي كانت تتوالى علينا وكانت قوّات المقدّمين في الجبل ومن ثم المردة تتصدى لهم، وبفضلهما استطاع لبنان ان يحافظ على كيانه ووجوده على مَرّ السنين.

ان فكرة القومية اللبنانية قائمة منذ أقدم العصور، بمعنى ان الشعب الذي عاش في هذه الرقعة من الأرض المحددة أعلاه كان يتوق دائماً إلى الوحدة، وحتى في عهد الممالك الفينيقية أي صيدا وصور وجبيل التي كانت الأنهر تفصل في ما بينها، كانت هذه الممالك تنسّق مع بعضها على طريقة النظام الفدرالي وكانت العاصمة “الفيديرالية” لفينيقيا آنذاك مدينة طرابلس حيث كانت تعقد إجتماعاتها الدورية، لذلك أطلق عليها إسم TRI – POLIS. القومية اللبنانية الحديثة برزت مع فخر الدين الثاني الكبيرفي القرن السابع عشر وترسّخت في عهده حتى جاء القرن المعاصر فحمل رايتها شارل قرم وميشال شيحا ويوسف السودا والبطريرك الحويّك، ثم تابع حمل الراية سعيد عقل ومي مُرّ واميل الخوري حرب وإبنه أنطوان وغيرهم، ثم أتينا نحن وجسّدنا هذه العقيدة على أرض الواقع في إطار حركة سياسية ـ عسكرية، فكان مقاتلو حرَّاس الأرز والعناصر والمسؤولون من كل الطوائف يقاتلون ويناضلون ويستشهدون سوياً في بوتقة لبنانية صافية بعيداً عن أي اعتبار طائفي، أعود وأكرّر كانت طائفتنا واحدة هي الطائفة اللبنانية التي نفتخر بها ونؤمن بأن لا خلاص للبنان من دونها، وبأنها المدخل الأساس لتسوية مشاكل لبنان التي تبدو مستعصية.

ـ متى تأسس الحزب، وهل صحيح ان سعيد عقل كان مرشد الحزب؟
ـ تأخر الأستاذ سعيد عقل في إطلاق حزب التبادعية اللبنانية، وفي العام ١٩٧٣ ـ ١٩٧٤ تمادى الفلسطينيون في تعدياتهم على اللبنانيين، وتصاعدت مناوشاتهم مع الجيش، ولكن القرار السياسي كعادته لم يكن على مستوى خطورة الأحداث، فأحجم السياسيون عن إعطاء الأوامر للجيش لحسم المعركة، فتأكدنا ان الحرب قادمة حتماً بين الشعب اللبناني والفلسطينيين من دون الجيش الذي حيّدته السياسة، عندها باشرت بتأسيس حزب حرَّاس الأرز، ورحت أشتري السلاح من منطقة بعلبك ثم من المخيمات الفلسطينية نفسها عبر وسيط لبناني، وبدأنا بتدريب الشباب في مخيم التنظيم أولاً الذي أقيم بدعم من الجنرال جول البستاني رئيس المكتب الثاني يومذاك، وبعدها أقمنا مخيّماتنا الخاصة في منطقة العاقورة ثم في حراجل، وعندما اندلعت الحرب العام ١٩٧٥ في ١٣ نيسان كنا على جبهة الأشرفية بعدد لا يتجاوز العشرات، وصار الحزب ينمو والعناصر تتدفق عليه، سيما بعد أن أصدرنا مع سعيد عقل ومي مُرّ جريدة “لبنان” ولاقت رواجاً كبيراً، حتى أصبحنا بالمئات، وانتشرنا على كل جبهات الحرب المشتعلة في الأشرفية والأسواق، وسن الفيل ـ النبعة ـ ضهر الجمل، إلى بسابا وعيون السيمان وشكا، وتوّجنا قتالنا في معركة تحرير مخيّم تل الزعتر أو بالأحرى معسكر تل الزعتر الذي شاركنا في الهجوم عليه مع الرئيس كميل شمعون والتنظيم والباش مارون خوري من جهة الدكوانة، و”جيش لبنان” الذي كان بقيادة المقدّم فؤاد مالك من جهة جسر الباشا، وهذه المعركة بنظرنا، التي دامت ٥٢ يوماً وكلفتنا العديد من الشهداء، هي تمثل قمة إنجازات المقاومة اللبنانية إذ بفضلها سقطت بقية المخيمات في المناطق الشرقية من ضبية إلى جسر الباشا إلى النبعة، وقلبت موازين القوى لمصلحتنا بعد أن كانت لمصلحة المنظمات الفلسطينية بمعدّل٦ على ١ بحسب تقديرات الإدارة الأميركية في حينه، وبفضلها أيضاً انكسرت شوكة تلك المنظمات ومعها المنظمات الإرهابية العالمية التي جاءَت من جميع الأقطار لمؤازرتها، إلى أن جاء الإجتياح الإسرائيلي العام ١٩٨٢ وقضى على ما تبقى منها في المنطقة الغربية وطرّد ياسر عرفات وكوادره إلى تونس.

ـ كل الميليشيات المسيحية كانت تدفع رواتب المتفرغين عسكرياً، أما ميليشياتكم فكان عناصرها يدفعون إشتراكاً شهرياً من جيوبهم، فكيف كان يموّل الحرب؟
ـ خلال حرب السنتين كنا نعتمد على الإشتراكات داخل الحزب، وعلى التبرعات التي كانت تأتينا من الناس المتعاطفين معنا وكانوا يومها كُثُر، بالإضافة إلى المداخيل التي كانت تؤمّنها جريدة “لبنان” بعد أن توصلنا إلى بيع ٢٠ ألف نسخة أسبوعياً أي أكثر من جريدة النهار يومذاك. وبعد حرب السنتين تم إنشاء صندوق مشترك لجميع أحزاب الجبهة اللبنانية وتخصيص نسبةٍ محدودة لنا كانت كافية لتمويل أنشطة الحزب العسكرية والإجتماعية مع شدّ الأحزمة.

ـ كيف تقيّم المراحل العسكرية التي اشتركتم فيها في الأشرفية إلى عين الرمانة إلى القنطاري إلى الزعرور وتل الزعتر وزحلة والجبل؟
ـ باعتقادي ان حرب السنتين كانت الأفضل والأنقى لأنها كانت معركة وجود وبقاء وكانت بندقية المقاومة اللبنانية مصوّبة باتجاه واحد هو العدو الفلسطيني المشترك، وبعد انتهائها دخلت على خط المقاومة المصالح الشخصية والسياسية، وبدأت المناوشات بين الميليشيات على أرض الواقع وهذا ما دفعنا إلى تأسيس القوَّات اللبنانية، ولكن الغلطة الكبيرة التي ارتكبت مباشرة بعد انتهاء حرب السنتين كانت في موافقة الجبهة اللبنانية على دخول القوات السورية إلى المناطق الشرقية التي حرّرناها للتو من الإحتلال الفلسطيني.

عندها وبالإتفاق مع الشيخ بشير دعوت لعقد إجتماع طارىء بين الجبهة اللبنانية والقوَّات اللبنانية، وفي اليوم التالي تم هذا الإجتماع في مقر حرَّاس الأرز وبحضور كميل شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميّل وادوار حنين مع حفظ الألقاب إضافة إلى مؤسسي القوَّات بشير الجميّل وداني شمعون وممثل عن التنظيم وأنا، ولم يدم الإجتماع وقتاً طويلاً لأن الجميع كانوا موافقين سلفاً على هذه المبادرة العربية ـ السورية المفخخة كما سبق وأخبرنا الرئيس الياس سركيس من قبل، وقد حاولت جاهداً أن أقنع الجبهة بالعدول عن قرارها ولكن من دون نتيجة، وفور انتهاء الإجتماع، عقدنا في الحزب إجتماعاً للقيادة المركزية وقرّرنا رفض المبادرة السورية، فانتقلت إلى مركز الحرَّاس في السبتية وأعلنت في مؤتمر صحفي رفضنا دخول القوَّات السورية من منطلق أطماع سوريا التاريخية في لبنان، وقررت الإعتصام في جبال العاقورا إحتجاجاً على هذه الخدعة التي أطلقوا عليها زوراً إسم قوات الردع العربية، والتي ما لبثت أن تحوّلت إلى قوات إحتلال سوري للبنان دام ثلاثين سنة، مع الإشارة إلى ان هذا الإحتلال لم يغادر الأراضي اللبنانية العام ٢٠٠٥ إلّا بعد ان سلّم البلد إلى حليفته إيران عبر وكيلها الحصري في لبنان المسمى بحزب الله، وهكذا انتقل لبنان من قبضة الهيمنة السورية إلى قبضة الهيمنة الإيرانية.

سألتني عن تقييمي لمرحلة الحرب، فأجيبك بأنها كانت إيجابية في قليل من الأحيان، وسلبية في أكثرها؛ ومن إيجابيّاتها إننا كسرنا قرار الإرادة الدولية في إقامة دولة فلسطينية في لبنان وفي حَلّ مشكلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي على حسابنا، وبذلك أنقذنا الكيان اللبناني من خطر الزوال، ثم عدنا في العام ١٩٧٨ وطردنا القوات السورية من المناطق الشرقية بقوة السلاح في فترة ما يسمّى بحرب المئة يوم… وآخر إنجاز كان في إيصال أحد رموز المقاومة اللبنانية إلى رئاسة الجمهورية.

غير ان السلبيات فاقت على الإيجابيات، وأقول بكل صراحة وجزم بأن المقاومة اللبنانية لم تكن على مستوى قدسية القضية وطهارتها، فارتكبت الكثير من الأخطاء السياسية والعسكرية والمسلكية والتي أدّت إلى انهيارها إلى القعر بعد أن وصلت إلى القمّة، فبالإضافة إلى التجاوزات العديدة التي شابت عمل المقاومة من تعدّيات على المواطنين، وسرقات، وقتل على الهوية، وتصفيات فردية وثأرية، واشتباكات مسلحة بين الأحزاب، هناك أربع محطات تعتبر الأخطر والأسوأ في تاريخ هذه المقاومة وهي:

١ـ مجزرة إهدن عام ١٩٧٨ التي كانت ذروةً في الوحشية عندما سمحت لمرتكبيها بقتل عائلة بدم بارد وطفلة رضيعة مع أمها، والتي أفضت إلى خسارة نصف أرض المقاومة ونصف شعبها أي من المدفون إلى الأرز، وقد وصفتها في حينه بأنها شرخٌ في الرأس.

٢ـ مجزرة الصفرا التي أطلقوا عليها إسم ٧ ـ ٧ لأنها وقعت في السابع من تموزعام ١٩٨٠ وقضت على مراكز حزب الوطنيين الأحرار في منطقة الصفرا وطبرجا وجبيل وغيرها، وذهب ضحيتها عشرات المدنيين في المجمعات السياحية، فكانت الشرخ الثاني في الرأس.

٣ـ حرب الجبل ١٩٨٣ كانت هي الأخرى خطأً سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً كبيراً، كلفتنا غالياً جداً، وآثارها السلبية ما زالت تتفاعل إلى اليوم نظراً لأهمية وحدة الجبل التاريخية، فكانت الشرخ الثالث في الرأس.

٤ـ حرب الإلغاء ١٩٩٠ التي فاقت بضراوتها وخطورتها ورعونة الذين قرّروها كل الحروب السابقة، فكانت الشرخ الرابع والأخير في الرأس حيث ان لبنان أصبح جسماً بلا رأس، وهذا ما يفسر حالة انعدام الوزن التي يعيشها هذا البلد منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا.

وفي هذا السياق لا يجوز أن نُغفل خطيئة إلغاء إتفاق ١٧ أيار الذي كان مُعِدّاً لإنهاء الحروب على أرض لبنان، والذي وافق عليه يومذاك البرلمان اللبناني بالإجماع ومن دون أي ضغط أو إكراه.

ـ لماذا دعمتم موقف الحكومة العسكرية العام ١٩٨٩ وانسحبتم من القوات والجبهة اللبنانية؟
ـ أبدأ بالقول بأنني أعتبر نفسي عرَّاب القوَات اللبنانية، حيث تأسست في مكتبي في العام ١٩٧٦مباشرة بعد سقوط تل الزعتر، وظلّت تعقد إجتماعاتها في الأشهر الستة الأولى في هذه القيادة، غير ان هذه المؤسسة تصدّعت بعد غياب بشير وانتفضت على نفسها مرّتين، الأولى في العام ١٩٨٥ وقد وافقتُ عليها بشرط أن لا تهرق نقطة دم واحدة وهكذا صار، ولكن في العام ١٩٨٦ قرّر سمير جعجع الإستيلاء عليها بحجة إلغاء الإتفاق الثلاثي، فاحتل مبنى القيادة في الكرنتينا على حساب عشرات الضحايا من القوَّات، ونصّب نفسه قائداً للقوّات من دون أن يتم انتخابه من قِبَل الهيئة التأسيسية كما جرت العادة مع أسلافه من بشير إلى فادي افرام إلى فؤاد أبو ناضر وايلي حبيقة؛ وأثناء قيادته تراجعت شعبية القوّات كثيراً في المناطق الشرقية بينما تصاعدت بالمقابل شعبية الجيش وقائده ميشال عون، خصوصاً عندما اعتمد هذا الأخيرخطاباً سياسياً مطابقاً لخطابنا وراح يطالب بتحرير لبنان من الإحتلال السوري الأمر الذي منحه دفعاً شعبياً غير مسبوق تمثل في المهرجانات المليونية التي أقيمت في قصر بعبدا يومذاك.

وعندما بدأت المناوشات بين الجيش والقوّات حاولنا أنا وشاكر أبو سليمان والأباتي نعمان وغيرهم التوسط في محاولة لإيجاد حل يمنع الصدام بينهما ولكن من دون نتيجة، وعندها انقسمت الجبهة اللبنانية وأصبحت بحكم المنتهية، فكان خيار قيادة حرَّاس الأرزالوقوف إلى جانب الجيش ودعمه سياسياً، وذلك لسببين رئيسيين، الأول، لأن خيار الشعب هو دائماً الأسلم والأصح فاخترناه، والثاني، لأن الجيش هو دائماً الأبقى على قاعدة ان الميليشيات حاجة مؤقتة بينما الجيش حاجة دائمة. مع الإشارة إلى ان دعمنا للجيش كان سياسياً وليس عسكرياً إنطلاقاً من قرار إتخذناه منذ بداية الحرب وحافظنا عليه والتزمنا به حتى آخر يوم وهو يقضي بمنع تصويب بندقية حارس الأرز على اللبنانيين عامة ورفاق السلاح خاصة ومهما كان السبب.

في هذه الأثناء بادرنا إلى تأليف جبهة سياسية جديدة أطلقنا عليها إسم “الجبهة العريضة للتحرير والتغيير”، ضمّت عدداً كبيراً من الفعاليات والشخصيات السياسية والأدبية، وكان الهدف منها تأمين التغطية السياسية للجيش بديلاً عن الجبهة اللبنانية.

ـ ماذا حدث لك ولعائلتك عند نشوب الحرب بين الجيش والقوّات وماذا جرى للحزب ومؤسساته؟
ـ أرسل جعجع قواته لإحتلال القيادة والمنزل، وعملاً بمبدأنا القاضي بعدم تصويب سلاحنا نحو الداخل، أصدرتُ الأوامر إلى المرافقين وعناصر الحرس بعدم إطلاق النار والنزول من سطوح البنايات وتسليم سلاحهم إلى المهاجمين، وهكذا أصبحنا أنا وعائلتي تحت الإقامة الجبرية لمدة شهرين تقريباً، وبعدها حضر الأباتي نعمان موفداً من قِبَل جعجع وتم الإتفاق على السماح لي بالمغادرة إلى خارج البلاد بعد تعيين لجنة ثلاثية من أعضاء القيادة لإدارة شؤون الحزب، فسافرت بالباخرة إلى قبرص ومنها إلى منطقة جزين عِبرَ إسرائيل حيث مركز قيادتنا في الجنوب، ورحت من هناك أتابع نشاطي السياسي حتى العام ٢٠٠٠ تاريخ انسحاب جيش لبنان الجنوبي، فانسحبت باتجاه إسرائيل ومنها إلى قبرص وما زلت فيها حتى الساعة.

أما عن القيادة المركزية في بيروت فقد تم نهب محتوياتها بما فيها من ملفات وأرشيف وغير ذلك، وإحراق المكتبة بما فيها من كتب ومجلدات قيّمة…عندها قرّر عدد من أعضاء مجلس القيادة الإنتقال إلى مركز قيادتنا الصيفي في بيت مري، وتابعوا من هناك تنسيق نشاطهم مع العماد عون، وأعادوا مع داني شمعون وجبران التويني ووليد فارس وغيرهم إحياء الجبهة اللبنانية، ولم تمضِ أشهر قليلة حتى جاءّت عملية إجتياح الجيش السوري في ١٣ تشرين١٩٩٠لمنطقتي بعبدا والمتن، فهرب بعضهم إلى جزين والبعض الآخر إلى الشمال، واغتيل داني شمعون، وسقطت كل المناطق الشرقية في يد الإحتلال السوري بعد أن هرب عون إلى السفارة الفرنسية ثم إلى مرسيليا.

ـ ماذا كان دوركم كحزب بين العامين ١٩٩٠ و ٢٠٠٥؟
ـ عندما اتخذت من بلدة صبّاح في منطقة جزين مقرّاً لقيادتي الجديدة، طلبت من جميع المحازبين الإنضمام إلى جيش لبنان الجنوبي ما عدا عناصر الحرس والمرافقة، وتفرّغت للعمل السياسي معتبراً منطقتي جزين والشريط الحدودي بديلاً عن المناطق الشرقية التي سقطت تحت قبضة السوريين، واتفقت مع الجنرال عون بعد أن زرته في فرنسا على وجوب التركيز في بياناتنا وتصريحاتنا على تنفيذ القرار الأممي رقم ٥٢٠ بينما جوقة الحكم في بيروت التابعة للإحتلال السوري راحت تنادي بتنفيذ القرار ٤٢٥، وأثناء وجودي في فرنسا العام ١٩٩١ قمت بزيارة كل من العميد ريمون إده ودوري شمعون في باريس قبل اللقاء بالجنرال عون، وذلك في محاولةٍ لإعادة إحياء الجبهة اللبنانية ولو بالمنفى لمواجهة الوضع الإحتلالي الجديد في بيروت، غير ان محاولتي باءَت بالفشل لأن أحداً منهم رفض الإلتقاء بالآخر وحتى التحدث معه عِبرَ الهاتف.

وبعدها قمت بعدة زيارات إلى الولايات المتحدة، وعقدت اجتماعات مع عدد من المسؤولين في الإدارة والكونغرس طالباً دعمهم في تنفيذ القرار ٥٢٠ القاضي بجلاء كل القوّات الغريبة عن لبنان أي السورية والإسرائيلية، بينما القرار ٤٢٥ يقول بجلاء القوات الإسرائيلية فقط . كما ونظمت مع الجاليات اللبنانية هناك أكثر من لقاء وعقدنا أكثر من مؤتمر تمحورت كلها حول تحرير لبنان من الإحتلال السوري.

وفي جزين قرّرت تكثيف إصدار البيانات السياسية والمؤتمرات الصحفية ضد السوريين نيابة عن رفاقنا في بيروت المقموعي الرأي والكلمة والحرية، الأمر الذي أزعج دمشق التي راحت توعز للقضاء العسكري بإصدار الأحكام الغيابية ضدّي بتهم التعامل مع إسرائيل، الواحد تلو الآخر حتى وصل عددهم إلى ١٢ حكماً ووصلت المحكومية إلى حد الإعدام، وذلك تمشياً مع أسلوب الأنظمة الديكتاتورية التي تتعامل مع خصومها بطريقتين، اما التصفية الجسدية وإلّا فالتصفية السياسية بواسطة القضاء… وبقيت على هذا المنوال حتى العام ٢٠٠٠ حيث غادرت الجنوب مع انسحاب الجيش الجنوبي إلى إسرائيل، ومن هناك جئت إلى قبرص وأقمت فيها حتى اليوم.

في قبرص إقتصر نشاطي على المطالعة والكتابة، فأكثرت من قراءَة الكتب وبخاصة كتب التاريخ، وتفرّغت لكتابة مذكراتي التي لم أنشرها بعد بانتظار الظرف المناسب، وتابعت أيضاً إصدار بيانات الحزب الأسبوعية المعتادة، وعندما تطورت وسائل الإعلام بدأت أنشر البيانات على مواقع التواصل الإجتماعي.

ـ ما هو وضعك القانوني ووضع الحزب؟
ـ كما سبق وذكرت هناك عدة أحكام قضائية بحقي تعود إلى حقبة ١٩٩٠ ـ ٢٠٠٠ أي أثناء وجودي في الجنوب، وبحسب المحامين الذين كلفتهم الإهتمام بهذه القضية أفادوني بأنها أحكام سياسية، وإسقاطها مرتبط بالوضع السياسي العام، وبما ان هذا الوضع لم يتغيّر إلّا بالشكل، أي ان لبنان انتقل من الوصاية السورية إلى الوصاية الإيرانية، فان ملفي القضائي ما زال عالقاً حتى اليوم وينتظر حلاً سياسياً في أجواء ملائمة. أما الحزب فوضعه القانوني سليم، ولم يأتِ أحد على المَسّ بترخيصه الرسمي.

 ـ ما هو وضع الحزب التنظيمي والسياسي حالياً؟
ـ “أضرب الراعي فيتشتّت القطيع”، هذا ما حصل معنا، ولكن في العام ٢٠٠٥ شكلت هيئة ثلاثية لإدارة نشاط الحزب في بيروت مؤلفة من جوزف طوق وحبيب يونس وناجي عودة، وما لبثت أن تعرّضت للملاحقة القانونية على أثر مؤتمر صحفي رفضت فيه الإقرار بعروبة لبنان، وطالبت بترحيل الفلسطينيين، الأمر الذي لم يرق للسيّد فؤاد السنيورة رئيس الحكومة يومذاك حيث طلب من النيابة العامة ملاحقتهم، فاعتقلوا حوالي شهرين أو أكثر ثم أطلقوابعد إعلان براءَتهم. ما عدا بعض النشاطات الإجتماعية، فأن الحزب بالإجمال في حالة جمود سياسي في لبنان مع ان خلايانا ما زالت موجودة في عدد من المناطق وهي تنتظر الوقت المناسب للتحرّك.

ـ هل أنت ممتنع عن الظهور الإعلامي، أم ان الإعلام يقاطعك، لماذا؟
ـ أنا ما سعيت وراء الإعلام ولا هو سعى إليّ، فباستثناء بعض المقابلات التي أجريتها مع عدد من الجرائد الإلكترونية، والنشاط الإعلامي الذي نقوم به على مواقع التواصل الإجتماعي، نعم هناك تعتيم إعلامي قد يكون أحد أسبابه عائد إلى جمود نشاطنا في بيروت تحسّباً للملاحقة كما في زمن الإحتلال السوري.

س ـ كيف ترى وضع لبنان اليوم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولماذا لم يتحقق منذ انتهاء الحرب الإزدهار الإقتصادي والوحدة الوطنية؟
 ـ أولاً، الحرب لم تنتهِ كما يتوهّم البعض، فقط الحرب العسكرية توقفت في العام ١٩٩٠ بفعل سقوط المناطق الشرقية من الداخل على يد الثنائي عون ـ جعجع، ولم تتوقف بفعل إتفاق الطائف كما يروّجون كل يوم وساعة.

ثانياً، الحرب السياسية ما زالت مفتوحة ومستعرة ولأسباب عديدة منها، إتفاق الطائف الذي خلق دولة من ثلاثة رؤوس راحت تتناطح في ما بينها ما أدّى إلى تعطيل القرار السياسي وشلّ عمل الحكم على أعلى المستويات، وأدّى بالتالي إلى توسيع الشرخ الطائفي بين اللبنانيين بدلاً من تضييقه، ثم ان رجال السياسة الذين تولوا الحكم في زمن الإحتلال السوري وما بعده كانوا أقزاماً إذ استجدوا المحتل للوصول إلى الحكم من أجل شهوة السلطة والمال، فباعوا البلاد وأهلهاوعافيتها إلى هذا المحتل، وحولوها إلى “مسرق خانة” أي بيت للسرقة، استشرى فيها الفساد بشكل غير مسبوق حتى أصبح لبنان بين الدول الأشد فساداً في العالم بحسب الإحصاءات الدولية… وبما أن الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية تتبع الأوضاع السياسية، فقد انحدرت بدورها إلى أدنى درجاتها وخلقت أزمة معيشية خانقة اختفت معها الطبقة الوسطى التي هي ركيزة المجتمع.

أما زعماء الطوائف فقد استغلّوا هذه الفوضى السياسية العارمة، وراحوا ينفخون في نار الطائفية والمذهبية لتعزيز شعبيتهم، الأمر الذي انعكس سلباً على وحدة البلاد الوطنية والقومية.

ـ كيف تتأمل بتحقيق الوحدة الوطنية في ظل الإنتماء الطائفي والمذهبي الذي يفوق أي انتماء آخر؟
ـ إن الوحدة الوطنية أو الأصح الوحدة القومية هي ثابتة تاريخية وجغرافية عمرها مئات السنين (لاحظ مثلاً إنتشار القرى المتعددة الطوائف في الجبل منذ حوالي ١١٠٠سنة)، بينما تفكك الوحدة الوطنية هو حالة مَرَضيّة مؤقتة ناجمة عن رداءَة الطبقة الحاكمة وضحالة سياستها منذ نيّف ونصف قرن.

خلاصة القول، الطائفية ليست متأصلة في أعماق الشعب اللبناني كما يبدو للبعض، وإذا ما قارنّا بين الخلافات الطائفية وبين الخلافات المارونية ـ المارونية وضراوة الحروب التي خاضوها ضد بعضهم البعض، نجد ان هذه الأخيرة فاقت بكثير الخلافات الطائفية وساهمت أكثر في خراب هذا البلد عامةً و”مسيحييه” خاصةً.

 ـ هل ما زلت تؤمن بالكيان اللبناني الحالي كإطار لعقيدتك؟
 ـ أؤمن بهذا الكيان أكثر من أي وقتٍ مضى، سيّما وانه كما سبق وقلنا عمره من عمر التاريخ، وقد حماه أجدادنا بأرواحهم ودافعوا عنه بدمائهم كما فعلنا نحن اليوم وكما سيفعل أولادنا من بعدنا لكي يبقى هذا الإرث المقدّس سالماً ومصاناً إلى الأبد.

ـ كيف تنظر إلى مستقبل لبنان، وماذا تقول للشباب اللبناني ومحازبيك؟
ـ لست متفائلاً على المدى القريب بمستقبل لبنان طالما ان هذه الطبقة السياسية الشديدة الفساد والمعدومة الرؤية لا تزال منذ سنين قابضة على خناق الدولة والشعب، ولكني متفائل على المدى البعيد لأن لبنان سبق ومَرّ في تاريخه الطويل بمراحل سياسية قاحلة وماحلة ثم عاد وتجاوزها بقدرة قادر على طريقة طير الفينيق، وعلى سبيل العدّ لا الحصر نذكر المجاعة التي ضربت الجبل أثناء الحصار العثماني عليه والتي حصدت أكثر من ثلث سكانه، وما لبث أن عاد وانتصب واقفا على رجليه ليتابع مسيرته التاريخية.

وأكثر ما يؤلمني هو هذا النزيف البشري المتمثل يهجرة الشباب اللبناني إلى بلاد الإغتراب، خصوصاً البعيدة منها كالولايات المتحدة واستراليا وكندا وغيرها أي هجرة دائمة، وكلما سمعت ان أحداً من شبابنا هاجر إلى تلك البلدان أصبت بحزن شديد، وأنا أعتير ان هذه الهجرة ـ النزيف هي أخطر جريمة ارتكبتها الطغمة السياسية الحاكمة، خصوصاً وان هجرة مضادة من السوريين والفلسطينيين تحصل من الخارج إلى الداخل بأعداد مرعبة تنذر بعواقب ديموغرافية قاتلة.

لذلك أتمنى على شباب لبنان أن يبقوا فيه مهما قست عليهم الظروف، وأن يبدأوا بتنظيم أنفسهم وصفوفهم ضمن مجموعات محدّدة الرؤية والأهداف، ومن ثم الإنتقال إلى حراك شعبي فاعل ومثابر يُفضي إلى التغيير الشامل وإبدال الدولة المهترئة بأخرى حديثة تتلاقى مع آمالهم وطموحاتهم،وتضحيات آبائهم وأجدادهم.

ابو أرز للصوت الحر: الطبقة الحاكمة فاسدة ومعدومة الرؤية لكني متفائل بالمستقبل