حازم الامين: محاولة تفسير يائسة لمشهد حميميم/الياس حرفوش: الأمر الواقع … في سورية أيضاً

12

محاولة تفسير يائسة لمشهد حميميم
حازم الامين/الحياة/17 كانون الأول/17

يمكن المرء أن يُخمن أن وظيفة الإهانة الروسية لبشار الأسد في قاعدة حميميم العسكرية هي عكس ما اعتقده خصوم الأسد، ذاك أن «كرامة» الأخير لم تعد اعتباراً في المشهد السياسي السوري. وربما علينا، نحن الراغبين في رحيل رئيس سورية، أن نتشاءم: ذاك أن واقعة حميميم تنطوي على تمسك روسي بالرجل، وهو تمسك مشروط بالاستتباع، وما قبول الأسد بما حصل له هناك إلا نتيجة لمعرفته بأن ذلك ثمن لا بد من دفعه لقاء تمسك بوتين به رئيساً. وهذه ليست لعبة كرامات بقدر ما هي رسائل في أكثر من اتجاه. الصحافة الروسية تحفل هذه الأيام بتحقيقات ومقالات حول طبيعة النظام في سورية وحول تورطه بالدماء في بلده، وهذه كلها تساق نحو هدف واحد يتمثل في أن الأسد باقٍ في منصبه، ولكن ضمن الشروط الروسية التي ستحد من جموحه. الروس يريدون توظيف كل شيء في موقعهم الشرق أوسطي. يتحدثون عن علاقاتهم الاستثنائية مع تل أبيب، وعن تفاهمات مع إيران وعن اقتراب مغادرة «حزب الله» سورية. متعقب الموقع الروسي سيدهش بحجم الاستدارة الروسية، وبالرغبة في الانتقال من موقع القتال دفاعاً عن النظام إلى موقع راعي التسوية. وهم إذ يتحركون في الفراغ الذي خلفه الأميركيون، يملأون هذا الفراغ بنوع مختلف من المشاهد. فلا شيء يقف عند طموحهم في وراثة نفوذ واشنطن، ولا حساب يقيمونه لأحد في مساعيهم هذه.
البراغماتية الروسية «غير الأخلاقية» مستعدة للقول أنها تقف إلى جانب نظام كان له الدور الأبرز في صعود «داعش»، وتشير إلى المجازر التي ارتكبها، وهي إذ لم تعترف، حتى الآن، باستعماله أسلحة كيماوية، إلا أنها لا تستبعد قيام حليفها باستعمالها، وكل هذا في سياق القول أنها بصدد حماية السوريين من رئيسهم الذي سيبقى إلى 2021. هذه هي خلفية مشهد قاعدة حميميم الذي حرصت موسكو على تظهيره للعالم. ووفق هذا الوعي وهذه المهمة، ليست كرامة الرئيس اعتباراً يُعتد به لتفسير شريط الضابط الروسي، ممسكاً بيد الأسد لمنعه من توديع بوتين. الديبلوماسية وفق هذه المعطيات هي عملية تخريج لمشهد سياسي من عناصر قذرة، ودعوة إلى قبول الجريمة بصفتها مؤسِّسة مستقبل البلد. الروس المنتصرون في الحرب في سورية يقولون للعالم أنهم سيحمون سورية من رئيسها الذي اختاروه، والرئيس بدوره قبل بهذه المعادلة وجاء إلى القاعدة العسكرية ليؤدي مشهد القبول.
علينا أن نباشر تمارين ذهنية تساعدنا على توقع مشاهد «التسوية» في سورية واستشرافها. ثمة وقائع ثقيلة تحصل في موازاة الحرب الدائرة هناك. في سوتشي، جلس الأتراك مع ما يمثلون في سورية والإيرانيين مع ما يمثلون أيضاً في سورية، وحصل ذلك في رعاية قيصرية. من المفترض أن تكون «التسوية» موازية لهذه الواقعة. شريكان صغيران وشريك أكبر. البداهة تأخذنا إلى أن ذلك يعني أن بشار الأسد سيقبل بـ «مساعد» من «الإخوان المسلمين» السوريين لإدارة المرحلة الانتقالية. المشهد قاسٍ للمترقبين على طرفي الانقسام في سورية. هذا مجرد تمرين ذهني، إلا أن الواقعية الروسية الجلفة، يمكنها أن تفرضه. فمن كان يتخيل أن يبقى الأسد رئيساً لسورية، ومن كان يتخيل أن يقبل الأخير بما حصل له في حميميم؟!
لم يسبق أن لعبت دولة كبرى الدور الذي تلعبه روسيا في سورية. فهي لا تقاتل لحماية الأسد فقط. تقاتل مع الأسد ومع «حزب الله»، وتفسح المجال للطائرات الإسرائيلية لتقصف مواقع حلفائها، وتتواصل مع الأردن لإشراكه في هدنة الجنوب السوري، وتقيم صلات متينة مع أنقرة، راعية «فصائل جهادية» في إدلب، وتنتزع من واشنطن تفويضاً ضمنياً حول مستقبل سورية، ولا تعطي بالاً لرغبات الرئيس الأميركي في مواجهة إيران، لا بل تشعر الأخيرة في أن موسكو ملاذها الأخير في ظل هذا التهديد.
الديبلوماسية المتخففة من أي التزام أخلاقي، ومن أي بناء على سوابق الديبلوماسية، تقول علانية أن نظام بشار الأسد هو الذي سهّل المهمة لـ «داعش» وهو الذي أطلق قادته السوريين من السجون. وهذا لن يحد من رغبتها في القتال إلى جانبه. فلاديمير بوتين يتصرف من دون أي رقيب سواء في روسيا أو في العالم. بلده جديد على تقاليد المحاسبة، والعالم في ظل دونالد ترامب صار معجباً بـ «رشاقة» رجل الكرملين وبتخففه من الأخلاق التي تقيد السياسة في الغرب. ومن هذه حاله لا تمكن مقاومته. بوتين أقوى من ترامب، على رغم أن أميركا أقوى من روسيا، لا بل لأن أميركا أقوى من روسيا. الأول يثير بتخففه من أخلاق السياسة وشروطها إعجاب العالم، والثاني تكاد تطيحه فضائح التحرش. الشرق الأوسط مسرح نموذجي للأول، فيما هو بؤرة عجز كامل للثاني. وبما أن الرجلين متشابهان، فلا بأس من تفويض طالما أن تل أبيب لا تمانع في إعطائه إياه. وفق هذا السيناريو، يجب أن نفسر ما حصل في حميميم. ثقة القيصر المفرطة في النفس جعلته يشعر بأنه يستطيع أن يقول للعالم أن سورية هي مسرحه. إيران نفسها شريك أصغر في هذه المعادلة. وهي ستكون أكثر براغماتية وقبولاً ما إن تباشر واشنطن حملتها عليها. ستكون موسكو ملاذها. لقد انتصر الأشرار في كل مكان، وفي وقت جرى هزم شرير واحدٍ هو «داعش»، صار علينا أن نتعايش مع كل من انتصر عليه، وهؤلاء هم بقية أشرار العالم. وستتوالى علينا مشاهد المهانة، لكن علينا ألّا نسقط في فخ تفسيرها بغير ما هي. فلكي تكون رئيساً عليك أن تكون جزءاً من مشهد حميميم.

الأمر الواقع … في سورية أيضاً!
الياس حرفوش/الحياة/17 كانون الأول/17
كان يفترض بوفد المعارضة الذي شارك في مفاوضات جنيف الأخيرة أن يأتي إلى المفاوضات بورقة استسلام أمام شروط النظام، كي لا يغضب بشار الجعفري من المعارضين، ومن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، الذي هدّده الجعفري بأن بقاءه في هذه الوظيفة صار على المحك، بعدما أظهر مسايرة لوفد المعارضة، وفق اتهامات رئيس وفد النظام السوري. ولأن الزمن هو زمن ضرورة «الاعتراف بالواقع»، تمثلاً بدعوة دونالد ترامب إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، يقضي «الواقع السوري» كذلك افتراض حق بشار الأسد في البقاء حاكماً للسوريين. فكما نجحت القوة المجرّدة في فرض «واقعها» على الشعب الفلسطيني في الحالة الأولى بالقتل والاحتلال وتدمير البيوت، هكذا نجحت القوة المجرّدة للنظام السوري في فرض هيمنتها على الأرض وعلى الشعب في وجه المعارضين. وهو ما يطالب بشار الأسد السوريين والعالم بالاعتراف به والاستسلام أمامه: لقد انتصرنا في المعركة معكم فلماذا لا تقرون بذلك وتذهبون إلى بيوتكم؟
عدم الاعتراف بـ «انتصار» النظام هو ما سبّب غضب بشار الجعفري من دي ميستورا بعد مفاوضات جنيف الأخيرة، التي اعتبر المبعوث الدولي أنها كانت «فرصة ضائعة»، لأن النظام رفض البحث في الأمور السياسية مثل الدستور الجديد والانتخابات، وأصر على اعتبار محاربة الإرهاب بنداً وحيداً للنقاش. لكن «الجريمة» التي ارتكبها دي ميستورا أنه أكد على ضرورة تطبيق البيانات والقرارات الدولية التي أقرّت الشروط الضرورية لأي حل مقبول للأزمة السورية، وفي مقدمة هذه الشروط قيام هيئة حكم تشرف على المرحلة الانتقالية، التي يتم خلالها إقرار دستور جديد وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية بإشراف دولي. إنها «الجريمة» ذاتها التي أدّت سابقاً إلى اعتزال كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، بعدما اكتشفا أن رئيس النظام السوري لن يوافق على أي تسوية تُفضي إلى تنازله عن الحكم.
الاستسلام المطلوب من معارضي النظام السوري يعود في نظر النظام إلى تفوقه العسكري في المعارك التي يخوضها، والتي حسمت مصير معظم المدن والمناطق السورية. أما ما لم يُحسم بعد، كما هو وضع الغوطة الشرقية لدمشق، فيتم تدميره وقتل سكانه بهدف إخضاعه بالقوة. وليس مهماً في نظر النظام أن انتصاره على السوريين يتم بفضل الاستعانة بالقوات الروسية والميليشيات الإيرانية. فبالنتيجة هذا هو الواقع الذي يريد بشار الأسد من السوريين ومن دول المنطقة ومن العالم الاعتراف به. الواقع أن نظامه استطاع بعد أكثر من ست سنوات على الحرب التي يخوضها على شعبه، وأمام عجز دولي أدّى إلى ترك الشعب السوري لمصيره البائس، أن يفرض شروط الاستسلام التي يريدها، أو هكذا يعتقد. بالتالي، لم يعد بشار الأسد ونظامه ومؤيدوه من «ممانعي» المنطقة يرون أي مبرر لتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بحل النزاع، ومن بينها بيان «جنيف1» والقراران الدوليان الرقم 2118 و 2254. إنه يعتبرها إضاعة لوقته الثمين. من هنا، كان غضب بشار الجعفري من تبنّي وفد المعارضة البيان الذي صدر عن المؤتمر الأخير الذي عقدته فصائلها في الرياض، والذي نص على «مغادرة رئيس النظام السوري بشار الأسد وزمرته ومنظومة القمع والاستبداد مع بدء المرحلة الانتقالية»، وهو نص لا يختلف مضمونه عن البيانات والقرارات التي تحدثت عن «قيام هيئة حكم انتقالية»، والتي انطلقت من أن أي حلّ قابل للعيش في سورية لم يعد ممكناً من دون أخذ المعطيات الجديدة في الاعتبار، ومن أهمها ضرورة القطع مع النظام القائم، المسؤول عن مقتل ما يقارب نصف مليون سوري وتدمير ثلاثة أرباع البلد.