حنا صالح: ويحدثونك عن مصلحة لبنان والتضامن العربي

86

ويحدثونك عن مصلحة لبنان والتضامن العربي
حنا صالح/الشرق الأوسط/28 تشرين الثاني/17

غني مِعجم السياسيين اللبنانيين: التريث! بدعة جديدة، يستفيضون في شرح وظيفتها، فهي «ليست لتعويم الاستقالة، بل مرتبطة بالآلية العميقة لتطبيق المبدأ المركزي، أي (النأي بالنفس) عن الصراع الإقليمي». ويتسع الشرح ومحاولات الإقناع، لأن «المرحلة تفترض توسيع التشاور للتعامل مع عناوين أنتجتها الأزمة» لا يمكن تجاهلها، و«كل التأويلات بأن الاستقالة عُلِّقت ليست صحيحة».

«النأي بالنفس» كان الشعار الذي رفعته الحكومة الميقاتية في العام 2011، وهي التي قيل فيها حكومة القمصان السود، أو حكومة النفوذ الخالص لـ«حزب الله»، الذي التف على ذاك الشعار واستباح الحدود، بداية للدفاع عما ادعاه وجود مواطنين لبنانيين في بلدات لبنانية متداخلة مع الأراضي السورية، ثم دفاعاً عن المقامات الدينية الموجودة منذ قرون وهي لم تُمس يوماً، وبعدها لدرء الهجمات التكفيرية عن لبنان، ودوماً كان هذا التدخل تلبية لقرار طهران، والهدف الدفاع عن نظامٍ ديكتاتوري، استسهل استدراج التدخل الخارجي واستباح سوريا قتلاً وتدميراً، عوض أن يجدَ مع أهل البلد حلولاً سوريةً لمشاكل حقيقية، اجتماعية وسياسية.

تراجع الرئيس الحريري عن استقالته، وتأكد تعويم الحكومة، وربما تكون بعض الصلات الدولية قد ساهمت بذلك، لأن الخارج عموماً أبدى تخوفاً من دخول لبنان أزمة مفتوحة، تعيد إلى الأذهان أزمة الفراغ الرئاسي، فيما البلد بحاجة إلى حكومة فعلية، لأن حكومة تصريف الأعمال ستعجز عن ضبط الاستقرار. لكن خلو بيان التراجع من أي إشارة للقضايا التي تضمنها كتاب الاستقالة، يوحي بأن ما جرى أشبه بانقلاب تام، على الفترة التي امتدت من الرابع من تشرين الثاني موعد الاستقالة المدوية وحتى 22 منه موعد التراجع المفاجئ. وهنا نفتح مزدوجين للإشارة إلى أن الاستقالة كانت قد طرحت على بساطٍ أحمدي، قضية هيمنة حزب الله بالسلاح على القرار اللبناني، وطرحت استتباع لبنان لإيران، وتمسكت بالتضامن العربي، رافضة أن يتحول لبنان منصة ضد العرب.

بحساب الربح والخسارة، حقق «حزب الله» الكثير لأنه أثبت قدرة على الإمساك بمفاصل القرار اللبناني والتحكم باتجاهات السياسة الداخلية، رغم ما يتعرض له خارجياً من ضغوطات، فيما انصب اهتمام الشركاء الآخرين في التسوية على تعزيز حيّزهم من المحاصصة، وترى الأوساط القريبة من القصر أن الحملة الرئاسية نجحت في استعادة رئيس الحكومة إلى كنف التسوية، وتذهب أوساط «حزب الله» حد التأكيد أن الحكومة باقية، والتسوية مستمرة دون أي تعديل جوهري، لكن مع تكتيك مختلف جزئياً لا أكثر… وتبعاً لما تقدم، يجب ألا يتفاجأ أي طرف من أطراف التسوية، لو استند «حزب الله» إلى تراجع الحريري للتبجح بأن كل حروبه خارج لبنان كانت لحماية اللبنانيين والبلد(….)

يقولون في بيروت، إن «التريث» انتصار للبنان، وكانوا قد قالوا إن ترشيح النائب فرنجية كان أيضاً انتصاراً للبنان، ومثله كان ترشيح الجنرال عون وانتخابه انتصارا آخر للبنان. هي لغة معروفة فيها الكثير من التأثيرات البعثية التي تغطي السموات بالقبوات، والتي تحيل الناس إلى ترقب الخطوات الآتية، مع الحثِّ على توجيه الاهتمام ناحية التحرك الذي سيطلقه رئيس الجمهورية لترجمة الالتزامات بـ«النأي بالنفس» عن الحرائق في الإقليم!! وهذا الأمر، التحرك السياسي، إذا عرفت بدايته لن تُعرف نهايته، ويتبرع كثيرون بإطلاق الوعود، نيابة عن «حزب الله» المعتصم بالصمت، ويروجون لإمكانية وقف التهجم على السعودية، وأن هناك جهوزية للارتداد عن الساحة العراقية والتخلي عن دور استشاري مع جماعات الحوثي!

ولكن على أرض الواقع لن يكون بوسع الآخرين لا القدرة ولا الوسيلة للتحقق من ذلك. وفي اليوميات اللبنانية ما يشي أن «حزب الله» سحب بعض قواته من سوريا، وربما كان هذا التدبير قد تم فرضه، لأن سوريا دخلت في طور جديد، إنه طور التسوية الصعبة وتحديد الأحجام والنفوذ، ومؤشرات التوافق بين واشنطن وموسكو التي تأكدت في لقاء ترمب – بوتين في فيتنام، فوّضت روسيا المنتصرة تسويق هذه التسوية على أرض الواقع، وشهد العالم كيف استدعى المنتصر الآخرين إلى سوتشي.

شهد التراجع عن الاستقالة تراجعاً إضافياً عن إثارة دور «حزب الله» في الداخل، وكأن من الأمور الطبيعية أن يستقبل نصر الله نحو الألف من قيادات تنظيم «سرايا المقاومة»، وهم إلى حدٍ كبير نوع من «الباسيج» اللبناني المنتشر في كل المناطق، أو من الأمور الطبيعية هذه المساكنة المفروضة على الدولة من الدويلة، فيما أكدت كل التطورات أن لبنان، وبعيداً عن الجانب المصلحي في التسوية، يمر بأزمة عميقة، أزمة خيارات، كان الشغور الرئاسي الطويل من نتائجها، فيما أبرز أسبابها تكمن في إمساك «حزب الله» بقرار الحرب والسلم من خارج السلطات الشرعية…

وهكذا وجد «حزب الله» في أركان التسوية إيّاها، من يدعم مشروعه في الحفاظ على دوره المحوري في القرار اللبناني، ويبدو هنا أن الجانب المصلحي عاد يتقدم على كل ما عداه، والحديث عن تلزيم قريب للنفط والغاز هو الطاغي، رغم أن الخبراء الاقتصاديين وعلماء النفط حذّروا من أن السير بما تقرر دون تعديل لجهة حقوق لبنان في ثروته، سيفوت على البلد عشرات المليارات من الدولارات! تسليم في الوضع الداخلي، وسمك بالبحر في الوضع الإقليمي، لأن الكل مدرك أن المعضلة الأساسية أمام التطبيق الجدي لـ«النأي بالنفس» هو الدور الوظيفي الإيراني لـ«حزب الله» خارج لبنان…

ولم يتأخر قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال جعفري عن الإعلان أن «سلاح حزب الله غير قابل للتفاوض»، وواعداً بأن طهران ستجعل الحزب يمتلك أفضل الأسلحة، وفيما لم تطرح أي جهة لبنانية مسألة نزع السلاح بل حق الإمرة، أو البحث بصيغة استيعابية للسلاح، ويكون القرار بيد الجيش والسلطة السياسية، كان نصر الله قد أكد مسبقاً أن الانسحاب من العراق يكون للتمركز في ساحات أخرى! طبعاً بعد تحويل لبنان ساحة لا تخضع لأي سيطرة حكومية رسمية.