أنطوان مراد، رئيس تحرير إذاعة لبنان الحرّ/ربع قرن عونيّ

397

 ربع قرن عونيّ

أنطوان مراد/رئيس تحرير إذاعة “لبنان الحرّ

يحلو للبعض أن ينظّر ويحلّل ويحلّق في موضوع تراجع النفوذ المسيحي في لبنان ، وأن يسدي في الوقت عينه النصح والإرشاد والتوجيه في كيفية استعادة هذا النفوذ.

وأين يحلو له كل ذلك ومتى وكيف؟ بعد جلسة عشاء تزدوج فيها الذقون وتنتفخ البطون ، حين يلعب السيكار دوره في جلاء الأفكار.

وقد تكون الجلسة صبحيّة بين فنجان قهوة وجريدة يتيمة مسكينة يتناتشها الشباب الناضجون ، وبعد نقاش وصراخ يعكس عمق الخلاف على الحلول الاستراتيجية ، وتهشيل الزبائن الآخرين، يَنفكُّ اللقاء بطقش الأكفّ والوعد بجولة جديدة .

وقد تكون الجلسة في ندوة أو محاضرة أو حفل توقيع كتاب ، حيث ينتظر بعض الباحثين عن أدوار  مثل هذه الفرصة، ليدلوا بأفكارهم النيّرة ويردّوا على صديقهم أوباما أو يصحّحوا للرفيق بوتين أو يصوّبوا لأختنا ميركل .

كل ذلك في إطار قراءة تراجع المسيحيين وكيفية عودتهم إلى الواجهة . إن المشاهد البائسة الثلاثة التي أسلفنا في تصويرها ، تعكس مرضاً متملّكاً بشرائح من المسيحيين الذين يعتقدون أنهم ما زالوا في ستينات القرن الماضي، وأن بكركي تحافظ على هيبتها ، وأن رئاسة الجمهورية تتمتع بالصلاحيات التي كانت لها قبل الطائف . لن أقول إن المطلوب مجمع مسيحي موسّع أو خليّة أزمة بعيداً من الأضواء ، لأن هذين الخيارين يصعب تحقيقهما في ظل منسوب الغباء المستحكم بجزء من الطبقة السياسية، والعشوائية التي تحكم بعض القيمين الروحيين، بل المطلوب جهود مضنية، وقد لا تنجح، في إعادة إنتاج ثقافة العقل، ونسف سطوة اللغة الديماغوجية التي بلغت حدّ اعتبار الشتيمة انتصاراً والجعيرَ قوة ، فيما هما يمثلان أفضل غطاء للهزيمة والضياع .

أيها الأصدقاء دعوني أصارحكم القول ، ولا يعتقدنّ أحد أنني أطرح المسألة من موقع سياسي معيّن ومن زاوية الخصومة لموقع سياسي آخر ، بل أدعوكم إلى تخطي الإصطفاف السياسي والنكايات السخيفة .

إن خسارة المسيحيين لم تبدأ حتى مع اغتيال الرئيس بشير الجميل ، وهو اغتيال شكل نكسة قاسية ومؤلمة أمكن تخطيها مع تقدم الوقت بنسبة كبيرة . لقد بدأت خسارة المسيحيين في لبنان مع حرب التحرير العام 1989، وتفاقمت مع حرب الإلغاء ، وتكرّست في 13 تشرين 1990،  وترسخت في عهد الوصاية مع اعتقال سمير جعجع وتعميم التهميش والإحباط . قبل حرب التحرير ، كانت المناطق المسماة شرقية تنعم بالأمن والأمان ليلا نهاراً ، وبدت أشبه بمونتي كارلو للبعض ، وكان أبناء المناطق الأخرى يشتهون الإنتقال إليها بحثاً عن متنفس.

بعد حرب التحرير ، وقبل معركة 13 تشرين ، كان الأمل ما زال ممكنا لو مشى الجنرال بأكثر من عَرضٍ مشرّف ، لكنه أصرّ على دفع المجتمع الدولي إلى كسر الخطوط الحمر حول الشرقية، واستدراج جيش النظام السوري إلى احتلالها، بعدما أخرجه أبطال المقاومة اللبنانية من الأشرفية وتصدوا له في زحله وأوقفوا تمدّده في كور وقنات . يومها كان شعار الجنرال أيضاً “أنا أو لا أحد” لرئاسة الجمهورية .

لقد أضحكني الوزير السابق والصديق وئام وهاب بعد زيارته الأخيرة للرابية بقوله: إنه مع الجنرال رئيسا للجمهورية لأنه يملك رؤية وبرنامجاً! وخلته قد أخطأ وكان يقصد سمير جعجع ، أم أنه كان يشير إلى الوثيقة التأسيسية للتيار الوطني الحر التي نصّت على أن لا شرعية لأي مقاومة بعد تحرير الجنوب في ال 2000 ! والسلام.