علي الحسيني: أنطوان غانم.. شهيد العبور إلى الدولة

37

أنطوان غانم.. شهيد العبور إلى الدولة
 علي الحسيني/المستقبل/19 أيلول/17

تاريخ التاسع عشر من أيلول عام 2007، كان النائب أنطوان غانم على موعد مع الشهادة وذلك ضمن قافلة من الشهداء سارت على الدرب نفسه، كانت قد امتدت من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وصولاً إلى الوزير الشهيد محمد شطح. يومها لم يكن فعل الانفجار الذي أودى بحياة غانم قد سلك طريقه إلى عقول وقلوب مُحبيه، كونه وحتى وقت قصير قبل موعد الجريمة، كان النائب غانم غائباً عن السمع بسبب تواجده خارج البلد «لأسباب أمنية» اضطرته يومها للغياب عن القداس الذي أقيم في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل.

بعد يومين من ذكرى الجميل، حجز النائب الشهيد انطوان غانم مقعداً على أول رحلة طيران من دولة الإمارات العربية إلى لبنان ليكون بين مُحبيه وعلى تماس مع الوضع المأزوم، وهو الذي ظن بأن اخفاء خبر قدومه إلى لبنان، من شأنه أن يرفع يد الغدر عنه، لكن يبدو أن القاتل كان بالمرصاد لحركة غانم، يرصد تحركاته ويلازم خط سيره إلى أن أُتيحت له الفرصة لينفذ جريمته الدنيئة ويُدخل البلد مُجدداً في حداد عام وحالة من الرعب الدائم. واللافت أن غانم، كان «أقسم» في يوم وداع الوزير الشهيد بيار الجميل، بأن «دماء بيار لن تذهب هدراً»، مردداً بيتاً من شعر يقول مطلعه «إن الوطن تُميته الدموع وتحييه الدماء». لكن أحداً لم يكن يتوقع، أن القسم سوف ينتقل منه الى بقية الشرفاء في الوطن، وأن دماءه هو ستكون جرعة لإحياء الوطن.

في التاسع عشر من أيلول عام 2007، انفجرت عبوة ناسفة قُدّرت زنتها بأربعين كيلوغراماً من مادة الـ «تي ان تي»، كانت كافية للنيل من الشهيد غانم وستة شهداء وخمسة وستين جريحاً. لكن قبلها، كان وقف غانم خلال اجتماع للمكتب السياسي في حزب «الكتائب» ليطلب الاذن بالكلام شكر يومها كل من استفسر عنه وعن ظروفه بعد نشر شائعة عن وفاته وسأل يومها رفاقه إذا كان أحد منهم على علم بمَن فبركها وإذا ما كانت تتعلق بالوضع الانتخابي الذي كان سائداً في تلك الفترة. يقول احد أصدقائه: «يومها تنهّد أنطوان قليلاً وقال: أنا هنا في المكتب السياسي لأقول مهما كانت الظروف المحيطة بالاستحقاق الرئاسي ومهما كانت مواقف الكتل النيابية، فإنني ألتزم قرار المكتب السياسي الكتائبي بحذافيره في الاستحقاق الرئاسي وما قبله وما بعده».

نظام مُبدع في الإجرام والإرهاب وفي ارتكاب المجازر، اختار النائب غانم ليكون هدفاً له خوفاً من إنتخاب رئيس للبلاد وتكريس وجود الدولة، وخوفاً من عدالة محكمة دولية خاصة ببلد انتفض اهله وأخرجوه مكسوراً يجرّ وراءه أذيال خيبته. هو أيضاً خوف من رجل كان ينتمي إلى فئة تُمثّل أكثر من نصف اللبنانيين لاحقها الموت وحدها دون البقيّة. ومن المعروف، أنه في تلك الحقبة وعند وقوع أي انفجار، كان اللبنانيون يعلمون أن النظام السوري وعملاءه في لبنان، قد «اصطادوا» سياسياً من قوى 14 آذار، لكن وزير «الدعاية» السوري حينها، أو ما يُسمّى بوزير الإعلام السوري محسن بلال، ارتأى كما نظامه، أن من اغتال الشهيد غانم ورفاقه ممن سبقوه، هو العدو الذي يريد شراً بلبنان وسوريا ويعمل على مزيد من الانقسامات بين البلدين، محاولاً رفع التهمة عن نظام بلاده المجرم، لكن يأبى التاريخ إلا ان يُسجّل كل الجرائم الموقعة باسم وبإشراف هذا النظام.

كثيرًا ما غُرست في الأذهان مفاهيم من قبيل أن الوطن يُسقى بدماء شهدائه، وتمّت التربية على فكرة النصر أو الشهادة، لكن تبقى للموت رهبة في النفوس، وتحديداً عندما يكون المُستهدف رُكناً أساسيأً في وطن يُصرّ أبناؤه على النضال للخروج من شرنقة موت يُحاصرهم ويُكبّل حياتهم. الى هذا الرعيل انتمى النائب الشهيد غانم الذي سيظل صوته يصدح في ساحات الأحرار وتحديداً في ساحة الحريّة التي كان جزءاً من ناسها وأحد ابرز صانعيها. مع العلم، أن تلك الساحات لم تكن تُدرك أن أحد أبرز خطبائها، سيرحل شهيداً على طريق لم تكن على لائحة تحركاته اليومية ولا العادية، ولا هي تؤدي حتّى إلى منزله الشتوي في فرن الشباك ولا الصيفي في القليعات، ما يؤكد للمرة الألف، أن النائب غانم كان وضع على لائحة موت أعدها نظام مشهود له بخنقه للحرية وقتل كل مؤمن ببناء دولته حتّى لو كان طفلاً سوريّاً.

المفارقة، أنه وقبل مجيء النائب غانم إلى لبنان، كان قد طلب من ابنته التي كانت تزوره في المنفى الاجباري أن تكتب وصيته، وصيّة حدد فيها كل شيء، من مراسم دفنه إلى ما يجب القيام به بعد الوفاة. يقول أفراد من عائلته، إنه كان يعلم أن عودته الى لبنان من أجل انتخاب رئيس للجمهورية هي دخول إلى الموت لكنه أصرّ على العودة خصوصاً وان شعاره الدائم كان «الوطن بحاجة الينا». والعودة بالذاكرة إلى ذلك اليوم، تُختصر بالحرائق المُندلعة واصوات سيارات الاسعاف ورجال الاطفاء وهم يقومون بمساعدة الناس، اخماد النيران مع صور عشرات الاصابات من جراء الزجاج المتناثر داخل البيوت وخارجها. والمفارقة يومها، أن سكان المنطقة لم يكونوا يعرفون هوية المستهدف بالاغتيال. وسادت شائعات كثيرة يومها عن ان غانم لم يكن داخل سيارته ما ساهم في تهدئة الحشود المتجمعة في المكان بعض الشيء.

برحيل غانم، صدقت مرة أخرى توقعات معظم قياديي الأكثرية النيابية. مُجدداً إحدى العبوات تتسلّل إلى فئة محددة وهذه المرة إلى ساحل المتن الجنوبي. فعلى بعد أمتار قليلة من منزل الرئيس أمين الجميل في سن الفيل، بالقرب من مستديرة الصالومي، كانت عبوة الموت، المختبئة في سيارة من نوع مرسيدس تحمل لوحة مزورة تعود لسيارة من نوع داتسون، تنتظر هذه المرة سيارة شفروليه سوداء اللون تحمل الرقم 486482 وبداخلها النائب أنطوان غانم ليُزف شهيداً على لائحة شهداء جعلوا من دمائهم وأجسادهم، جسر عبور لحالة الاستقرار التي يعيشها لبنان اليوم، والمزينة بالانجازات والانتصارات.