الكولونيل شربل بركات/عين إبل بين الماضي والحاضر – الوجه الاقتصادي

1269

عين إبل بين الماضي والحاضر – الوجه الاقتصادي
(محاضرة بقلم الكولونيل شربل بركات ألقيت في قاعة الكنيسة في عين إبل – 1999 )

مقدمة : عين إبل بلدتنا الحبيبة التي كانت أولى القرى النشيطة في المنطقة منذ أكثر من أربعماية سنة وقد عانت ما عانت وأعطت ما أعطت من الرجالات الصالحين وساهمت في بناء الوطن ورسم حدوده وفي تطور المنطقة وتقدمها وكانت مثالا في الجهد والعطاء، نراها اليوم وبعد كل هذه السنين تذبل شيئا فشيئا وتنزف بصمت وكأنها شاخت أو أصابها داء بدأ يفقدها شبابها، وعزها، وافتخارها، وصرنا نراها تتقلص بدل من أن تكبر، وتراوح بدل من أن تتقدم، في زمن لم تزل تدفع فيه ما عليها من الضرائب للوطن وللمنطقة التي كانت أحد أعمدتها الأساسية . فما هو إذا سبب هذا التقهقر الحاصل ؟وهل هو دورة حياة طبيعية للشعوب كما الأفراد ؟ أم أنها كبوة لا بد من أن تزول، أو غفوة لا بد من أن تصحو منها ؟ في شتى الأحوال يجب علينا معرفة الأسباب كي نحاول تجنبها أو الأمراض فنسعى الى مداواتها لتعود بلدتنا الى سابق عهدها أو الى إنطلاقة جديدة في عصر العلم والمعرفة التي كنا روادها …

 القسم الأوللمحة تاريخية (1)

عين إبل، التي تقع على طرق القوافل الصاعد من صور ليلتقي تلك القادمة من البادية الشامية والثالثة المتوجهة الى مصر عبر سهول فلسطين، كانت إحدى القرى التي سكنها الآموريون بحسب العهد القديم . وبينما يشارك أحد أول أسماء الخلق الآرامي (آبل أو هابيل) اسمها مع اله الخصب الأموري (أون) للدلالة على إرث حضاري، نجد الإله اليوناني “أبولون” يتربع، حتى ما بعد المسيح، على أحد أجمل تلالها، في الدوير (إرنست رونان ) ويأخذنا الى الإعتقاد بأنه الإله القديم نفسه (أون-آبل) و(آبل-أون) .

وإذ تتركز عبادة “أشيرة” أو “عشيرة” أم الآلهة عند الكنعانيين على التلة الجنوبية في (أ-شيرتا) ، والتي بقيت حتى زمن المسيح مركزا لاحتفالات “تموز” (دامو) (لاجرانج) ، وهي الديانة العالمية المشرقية حتى ذلك الزمن – وتزامن الهيكلين يعطي فكرة عن هذا التمازج الحضاري (هيكل أبولون وهيكل أشيرتا) – نجد المرتفع الأعلى والأجمل فيها مكرسا ل”أم النور”، ونقول بأنها “السيدة العذراء” التي أخذت بعد “البشارة” محل كل الآلهة المؤنسة وخصائصها، وفي بعض الأحيان صفاتها : فهي “العذراء” “عناة”، وهي “الأم” “أشيرة”. وتصبح البلاد التي تعبدت للإلاهة الأم من البحر في جنوب صور صعودا حتى المنخفضات الشرقية أي، من ” أم العمد ” الى ” أم عفي ” الى ” أم التوت ” الى ” أم الزينات ” الى ” بعلة ” الى ” أم-يه ” فالى ” أشيرتا ” و” أم النور ” و” النبية ” و” عناة ” و” حبلة “، تصبح كل هذه البلاد التي عرفت فيما مضى على ما يبدو ب”بلاد عشيرة” أو “أشيرة” أو “أشير”، تصبح “بلاد بشارة” منسوبة الى “بشارة العذراء”، ومن هنا أهميتها وأهمية سكانها في المسيحية الأولى، ونذكر هنا أن الرسل كانوا قد هربوا اليها أي الى هذا الجليل عند بدء الاضطهاد، وقد عقد المجمع المسيحي الأول خارج القدس في صور في بدايات المسيحية وضم ثلاثمئة أسقف . وقد بقي طابعها المسيحي المنفتح ما بعد الإسلام، ما جعل بعض أبنائها يستقبلون، كما فعلوا مع كثير من الأفكار الإنسانية الشاملة ومنها السيد المسيح ورسله من بعده، يستقبلون ” أبو ذر الغفاري ” الصحابي المنفي من قبل معاوية أو الهارب من جوره الى بلاد تستقبله وتحميه، وبنفس هذا الانفتاح على الأفكار والعقائد ساند جزء من سكان هذه المنطقة ” أبو ذر ” هذا وتشيعوا معه … ولكي تكون هذه المنطقة مركزا فكريا منفتحا كان لا بد لها أن تكون في بحبوحة مادية . ولكي نفهم هذه البحبوحة، علينا أن نعرف أن صور، أمها وسيدتها، كانت عاصمة التجارة العالمية لمدة الف سنة متواصلة، ولأخذ فكرة أدق، فلنرى ما يصفها به حزقيال النبي ( حزقيال: 27؛ 1-25)، ولنقارنها بباريس القرن الماضي أو بنيويورك اليوم، فنستطيع أن نتصور ساعتئذن مستوى الشعب الذي سكن فيها أو بمحيطها ومستوى التمازج الحضاري والأفكار الإنسانية الشاملة التي نتجت عنها لمئآت من السنين الأخرى … عين إبل هذه بقيت، كما رفيقاتها، حتى نهاية الحروب الصليبية، بعقيدتها وأهلها. وتركها سكانها قسرا جراء حملات المماليك الذين أفرغوا المناطق بعمق أربعين كيلومتر من الشاطيء خاصة في مثلث عكا – صور – صفد خوفامن عودة الصليبيين ومساندة السكان لهم . وبعد ما يقارب المئتي سنة أعاد الجدود، القادمين من شمال لبنان في الانتشار الماروني الثالث (الأول مع رهبان مار مارون تبشير، الثاني مع المردة الوصول حتى القدس، الثالث بدأ من زمن المعنيين )، إعمارها، وكانت خربة لا تزال بقايا كنيستها بادية، وأكوام البيوت المهدمة، و”قبر النصراني”،  فسكنوها، وعمروها، وشيئا فشيئا أعادوها الى الحياة، وأعادوا الحياة اليها…

 مقومات الحياة (2)
لماذا عين إبل وما هي مقومات الحياة فيها بالنسبة لهؤلاء القادمين من شمال لبنان ؟
سؤال يطرح نفسه، والجواب يتطلب أيضا قليلا من الشرح التاريخي : نقول إن عصر المماليك كان من العصور السيئة على لبنان وعلى المسيحيين فيه خاصة، فقد أفرغت مناطق كثيرة من سكانها، ومنع المسيحيون من السكن على السواحل، وأفرغ كسروان بكامله، وحشر المسيحيون بعد محاولات يائسة من المماليك، كان فيها النصر حليف هؤلاء الجبليين، وخاصة في موقعتي الفيدار ونهر إبراهيم، حيث إجتمع المقدمين وفرسانهم وقضوا على الجيوش الغازية في مرتين متتاليتين، وبعدها ترك هؤلاء ليعيشوا معزولين في جبتين من جبل لبنان : جبة بشري وجبة المنيطرة. وخلال المئتي سنة التي تلت تلك الحروب، تتالت المآسي والضربات والأوبئة على منطقة الشرق الأوسط بأسرها، فكان الطاعون يضرب حينا، ثم يأتي الجراد، ويليه البرد القارس حيث يصل الثلج الى السواحل أو “القيظ الذي تيبس منه الكرم”، ما جعل الحياة في جوار الجبل اللبناني صعبة فقل عدد السكان، وقد فقدت مصر وسوريا وفلسطين أكثر من نصف عدد سكانها (الدويهي)، بينما تكاثر هذا العدد في مناطق الموارنة حيث انقطع الاتصال بالجوار فلم تنتشر الأوبئة، وحيث ساهم الماء المتدفق بغزارة بتخفيف أمور كثيرة . وبسبب البرد والثلوج التي تغطي مناطقهم لعدة أشهر سنويا، كان على هؤلاء الفلاحين أن ينظموا أعمالهم، ويعتادوا شظف العيش، واستصلاح الأراضي، واستغلال كل شبر منها، فإذا بهم، مع دخول عصر جديد فيه شيء من التسامح، قد ضاق بهم الجبل حتى انفجر؛ دفعات من المغامرين النشيطين أصحاب الخبرة في استصلاح الأراضي وتنظيم إنتاجها، فكانوا يخلقون البحبوحة أينما حلوا، ويضحك لهم التراب، وتفرح بهم الأرض، فزاع صيتهم، واستقبلوا على الرحب إينما ذهبوا، فملؤا كسروان أولا، ثم الشوف، ووصلوا بعدها الى بلاد بشارة . وكانت عين إبل أحد المراكز الأولى التي أعيد إعمارها. كانت عين إبل صعبة على غيرهم فاختاروها؛ أولا لإمكانية الحماية، ثم لوجود الينابيع، وغير ذلك كان نشاطهم يتكفل به . كانت  تتلخص مقومات الحياة إذا بالنسبة لهم ب: الماء، الموقع، المرعى، ووسع الآفاق، أي وجود مجالات للعمل والاستصلاح، وكان كل ذلك مؤمنا في عين إبل…

الأرض
اختلفت قليلا عما هي عليه في موطنهم الأول شمال لبنان كونها أسهل للاستصلاح مع عدم وجود منافسة قوية حول الإنتاج والتملك .

الماء
وجود عدد من الينابيع كان كافيا بالنسبة للقادمين ولو لم تكن ينابيع غزيرة أو أنهار كما كانت الحالة في الشمال .
وجود عدد من الآبار خاصة في الخرب المتعددة التي تحيط بعين إبل .
وجود العين التحتى كبركة ومجمع ماء قديم مع بعض المجمعات السطحية (البرك) التي تنتج عن الأمطار كما هي الحال في شلعبون

23 الأخيرة
كان لهؤلاء القادمين كما قلنا خبرة في الإنتاج الزراعي واستصلاح الأراضي وزراعتها والاعتناء بالأشجار المثمرة خاصة، ثم في استعمال كل ما ينتج، وفي تخزين وتصنيع الإنتاج الوفير في فصل البحبوحة للاستعمال في فصول القلة والشح . وينطبق هذا على غالبية أبناء الأماكن التي تكسوها الثلوج لمدة طويلة ولا يغادرها أهلها .

 المنافسة
لم يكن هناك منافسة حقيقية لهم في المنطقة، أولا لأن السكان المقيمين كانوا قلة، لنفس السبب الذي ذكرناه سابقا، ولو أن البعض يعتقد بأن توطن المجموعات الشيعية كانت سابقة لهم، إلا أن هذه لم تشكل أعدادا كبيرة، ولا مجتمعات مستقرة كبيرة، خاصة في هذه المنطقة بالذات، وقد كانت العصابات والعشائر المتنقلة في شمال فلسطين تزور أحيانا هذه المناطق . وقد ظلت المدن مثل صور وعكا خرابا حتى القرن الثامن عشر . وقد أعاد ضاهر العمر بناء عكا بعد أن استولى عليها في 1746 وكانت كناية عن أكوام من الركام يسكنها بعض الصيادين وتنتشر حولها قبائل من البدو وقد سدت الأتربة ميناءها، فقام بإعمارها وتنظيف الميناء وجعلها مركز حكومته،  وقد أصبح بعدها زعيما على شمال فلسطين وورث الجزار من بعده ما أصبح بفضل ضاهر العمر ولاية . أما صور، فلم تغدو أكثر من قرية صغيرة للصيادين، فيها ملاحة واحدة، ولا تؤم ميناءها أية سفينة إلا ما بعد 1750، أي أكثر من مئة سنة بعد إعادة إعمار عين إبل . ولم يكن السكان يتقنون فنون الزراعة كما كان يتقنها أبناء عين إبل، على ما يبدو، وقد تلخصت زراعاتهم على بعض أنواع الحبوب، وكان زعماؤهم والمنظورون فيهم، كما كانت حالة الدروز في الجبل، يهتمون بالفروسية والقتال ويفرضون فرضا ما يراضون به الدولة العلية، وكان أكثر الإنتاج المعتمد هو الماشية كما هي حالة البدو. وفي المراحل الأولى لم يكن سكان عين إبل بحاجة أصلا للأسواق، أما في القرون التي تلت فقد أصبحت عين إبل، ولانعدام المنافسة تقريبا لإنتاجها، أحد المراكز المهمة في المنطقة، لا بل يمكن القول، من حوران وحتى الساحل، فقد كانت أصبحت بعد المئة سنة الأولى مركز الزيت والفاكهة وخاصة العنب والتين كونهما يعتبران أشجارا ذات إنتاجية عالية ويمكن تنويع تصنيع وحفظ منتجاتها ما يوفر أسواقا لهذا التفرد في الإنتاج .

 الأمن والسلطة
كان من الطبيعي ألا يتجراء هؤلاء الفلاحون الموارنة الجبليون على الانتشار خارج جبلهم لولا وجود أجواء أمنية تسمح بذلك، ولن نطيل الشرح في هذا الموضوع كونه يتطلب وحده محاضرة كاملة، ولكن يجب التذكر بأن موضوع طريق القدس وأرض البشارة هذه، كان لهما تأثيرا في توجيه الفلاحين الموارنة باتجاه الجنوب . ويحاول بعض المؤرخين الربط بين، استلام الأمير فخر الدين لمنطقة صور ومن ثم صفد، وبين قدوم السكان، ومنهم سكان عين إبل، وقد تم ذلك في 1602 (أي استلام فخر الدين للمنطقة) وهذا ليس بعيدا عن التصديق،  ولكننا نقول أنه ليس بالضرورة أن تصبح البلاد تحت الإمرة المباشرة لفخر الدين حتى يتسابق هؤلاء المغامرون الى الانتشار حتى هذه المنطقة، ويكفي مثلا أن يكون للأمير سلطة في الشوف وتفاهم أو علاقة مع بعض الزعماء المحليين هنا، أو يكون بعض الزعماء المحليين أنفسهم رأوا وسمعوا عن الازدهار المرافق لهؤلاء الفلاحين النشيطين فشجعوهم على القدوم والاستقرار … ولكن ما يورده مؤرخ الأمير فخر الدين “الخالدي الصفدي”، وهو إبن المنطقة ويجب أن يكون أكثر من يعرفها، بأنها “كانت مليئة بقطاع الطرق والعصابات”، لا يشير الى وجود زعامة محلية ذات شأن، ومن هنا تعلق البعض بتاريخ استلام فخر الدين مسؤولية هذه المنطقة المباشرة . ولكننا لا نستبعد أن يكون أجدادنا مثل كل المغامرين اللبنانيين في العالم قد خرقوا الحدود وتمادوا في الاتجاه جنوبا حتى وصلوا عين إبل دونما حاجة الى مظلة أمنية يعتمد عليها، فيكونون بذلك قد سبقوا الأمن أو السلطة الى منطقة تقع خارج حدود هذه السلطة، ما أعطاها، أي هذه السلطة، دافعا أكبر للحاق بهم، كما كان يجري مع المغامرين الأمريكيين في القرن الماضي في المناطق الواقعة في الغرب الأميركي وتحت سلطة قبائل الهنود الحمر، حيث يلحق الجيش المستوطنين لدعم الأمن والاستقرار وليس العكس، وهذا ما يفسر اختيارهم للمكان . هذا في البدء، أما فيما بعد، وعندما أصبح إنتاج وغنى البلدة مصدر جذب للطامعين، فكان لا بد من التفاهم مع الزعماء الشيعة الذين كانوا يمثلون نوعا من السلطة المحلية، ولذا أصبح هناك علاقة مع هؤلاء الزعماء حيث لم تعد عين إبل وحيدة بل تكاثر عدد القرى المسيحية في المنطقة وخاصة بعد الانتشار “الرومي” والذي دفع بخبرات تختلف عن تلك التي للموارنة وهي خبرات صناعية وتجارية فقد كان منهم الحدادون والنجارون والعمارون والتجار الخ…

 مراحل التطور
الاستقرار
النشاط المرافق
يتطلب الانتقال الى أماكن جديدة، كما قلنا، رغبة في تحسين الأوضاع المعيشية، وإذا كانت روح المغامرة قوية لدرجة خلق مواقع استقرار جديدة فيجب أن تترافق هذه ولا شك بنشاط كبير، وحسن تدبير، واندفاع، وإقدام، وإلا فالفشل يكون رفيق هذه المغامرة . ومن معرفتنا اليوم لطبيعة أرض عين إبل وموقعها نعرف كم كانت قيمة الجهود المطلوبة للنجاح في الاستقرار هنا . لم يكن انتقاء المكان صدفة فقد اختير ليكون قريبا من الطرق الرئيسية، ولكن ليس عليها مباشرة، لأن الطرق تجذب معها كل شيء وخاصة المتطفلين والطامعين، وبالنسبة لمجموعة صغيرة تريد الاستقرار في بيئة جديدة وتتكل على سواعدها فقط، فأن تأمين بعد كاف عن عيون المارة وشهواتهم ضروري، خاصة في البدء . ولذا فقد كانت خربة عين إبل أفضل لهؤلاء من خربة كرسيفا مثلا، أو خربة شلعبون، أو كورى، أو غيرها من الخرب دون أن نسمي ما هي قرى اليوم ولم تكن كذلك يومها . وقد تعلقت، هذه، فوق النبع، واستندت الى غابة ضهر العاصي من الشمال، بينما حماها خطان من الأودية في خلة الدير- خلة المل ثم البخينق -خلة العين ومنحدرات الكسار وكرم نصر وسواها من الغرب والجنوب، وسيجتها التلال الصخرية في بسبسة وشرتا والمنصورة والقدام، والتي تغطيها غابات السنديان والملول والقندول والسويد، من بقية جهاتها . وفي الخمسين سنة الأولى منإعادة إعمارها كانت مزرعة عين إبل تنمو شيئا فشيئا وكان نشاط أبنائها بدأ يظهر كروما وبساتين، وبدأ الزيتون “الكفري” في البخينق وسواه “يشبشب”، وأصبحت بقايا الخرب في “الدوير” و”شلعبون” و”طيربنين” وغيرها أول الجلالي التي ضحكت بأزهار اللوز وأوراق التين وعناقيدالعنب . وكان كل ذلك يحتاج الى نشاط لا مثيل له . وقصة ذلك الفلاح الذي كان يعمل ليلا وأعجب به “علي الصغير” وبنشاطه ودوامه على العمل حتى في الليل ليكمل برنامجا وضعه لنفسه، كما تقول القصة، ما هي إلا تأكيدا للصورة التي ظهر فيها هؤلاء . ولا تزال “نجمة بيت خريش” حتى اليوم دليلا على هذا النوع من النشاط حيث لم يكن هؤلاء يعودون الى بيوتهم قبل ظهور هذه النجمة، ما يعني دواما طويلا جدا من العمل في الحقل .

 الإيمان
كان الإيمان أحد أسس الحياة في القرية وقد رافقها منذ نشأتها، ففي 1630 رسم فيها أول كاهن وهو عبد المسيح الطويل من حدث الجبة أحد أوائل خريجي المدرسة المارونية في روما، وقد بنيت الكنيسة الأولى في زمنه وفي مكان الكنيسة القديمة، كما يعتقد . وكان الأهالي، مثل الرهبان، يحضرون القداس قبل ذهابهم للحقل، ولذا كان الكاهن يقوم بالقداس في الثالثة صباحا . ولم يبدر أحدهم حقله، حتى هذا القرن، قبل أن يصلي الكاهن على بذاره . ولم تدخل غلة الى خلية قبل أن يرسل قسم منها الى الكنيسة ولم يأخذ ملاك زيته من المعصرة قبل أن يضع قسما منه في تنكة الدير . وعندما كان يقرع جرس التبشير، مثلا، كان الفلاح يوقف فدانه في وسط التلم، وتنزل المرأة جرتها أو حملة الحطب عن رأسها، لتلاوة التبشير . وقد عشنا كلنا وعرفنا مع أمهاتنا كيف لم تعجن امرأة دون أن تصلب على العجين، ولم يزين صحن “كبة ني” بدون إشارة الصليب عليه، وقد كان هذا النوع من الإيمان والممارسة حافزا آخر ودافعا للاستمرار ودعما نفسيا على تجاوز الصعاب .

 التعاون
كان التعاون قضية أساسية في نشاط الناس، وهو يبدأ في البيت، حيث تساعد المرأة رجلها في جزء من الأعمال خاصة تلك التي تتطلب أياد وكثرة في فترات قصيرة، وكان الأولاد من أساس المساعدة أيضا، ثم تأتي مساعدة الأقارب والجيران، وهنا تنشأ العونات حيث يساعد الناس بعضهم في كل شيء . وكانت العونات والهبات على واجهة معينة، حيث يقوم الجميع بالحصاد مثلا في جهة معينة ويتعاونون ليكملوا هذه الجهة لكي يسمحوا للرعيان والقطعان أن تزورها بعد أن تكون الغلال الأساسية قد رفعت منها . ويتعاونون في بناء البيوت فقد تطلب بناء البيت كثيرا من الأعمال مثل قطع الحجارة والأخشاب للسقف والركس والبلان وتحضير كميات التراب للردم والتطيين وما الى هنالك من أعمال لم يكن صاحب البيت قادر على إنهائها بمفرده، وقد كان العمار، الذي يقصب الحجارة ويبني القناطر والحيطان يقبض أجرة، أما بقية الأعمال فكانت بالعونة . وكانت العونات فرصة للمرح والعمل في نفس الوقت كونه تكثر الأيادي فيسهل العمل ويسيطر جو الفرح وينتهي عادة بوليمة أو باحتفال . ولم تكن العونات فقط للعمل، بل لكل أنواع المساعدة فعند “دبة الصوت” تجتمع البلدة للمساندة، وعندما تضيع دابة يقوم الجميع بالتفتيش عنها والى ما هنالك … وكان العمل العام، كالأعمال الفردية، له جزء من تعاون البلدة عليه، فتنظيف النبع والعيون الأخرى وبناء حيطانها يتم بالعونة وشق طريق أو بناء المدرسة والدير والكنيسة تتم كلها بالعونة . وكان النظام التركي يمنع أحيانا بناء الكنائس أو الأديرة ولذا فقد بني الدير في أثناء الليل وتوقف العمل بالكنيسة مدة ستة عشر سنة ولم يسمح بإكمالها إلا بأمر من الباب العالي . وبالعونة تم تبليط طريق العين وبناء حائط العين التحتى وتم شق طريق بنت جبيل عين إبل رميش .

 القناعة
كانت عين إبل، مع النشاط والاندفاع الذين أسهما في بنائها، تتميز بالتدبير والقناعة . ولم تكن قناعة في الإنتاج، ما يحث على الكسل، ولا كانت قبولا بالأمر الواقع ورضوخا تاما، ولكنها كانت قناعة بالخيار، واقتناعا بضرورة العمل، وبأن الإنسان “من عرق جبينه يأكل خبزه” . ولكن البيت العين إبلي امتلأ بالخير؛ في خوابي الزيت والدبس، وخلايا القمح والشعير، ونعائر الزقاليط والقورمة والتين المغلي، وصحاحير التين المكبوس شرائح أو “دحروب”، وجرار العسل، أما عن العدس والحمص والفول والباقية والكرسنة وكل أنواع الحبوب، فحدث ولا حرج، وعن الزبيب والبرغل والكشك والزيتون المكبوس، وعن الجوز واللوز والزعتر والسماق، وجدائل البصل والتوم المعلقة بجانب رزم من أنواع الأعشاب وأكياس الزهورات، يضاف الى كل ذلك مقششية عرق وجرة أو أكثر من النبيذ . وكان في البيت بقرة أو أكثر للحليب فلا يغيب الحليب أو اللبن أو الجبن عن المائدة وكان الدجاج يسرح في الدار ويبيت في الإسطبل ويزين بيضه وفراخه موائد الأعياد والمناسبات، وكانت أفضل الفواكه تتحلى بها موائد هؤلاء الفلاحين ولكن في مواسمها . وكان كل بيت يربي مرفعية يعلفها لأسبوع المرفع عدا عما كان يذبحه في الربيع والصيف من الجداء أو الخرفان أو حتى العجول التي لا يريد إبقاءها لتأكل أعلاف الحيوانات المعدة للعمل أو الحليب . من هنا وفيما تعلق بغذائه على مدار السنة كان الفلاح العين إبلي المكفي “سلطان مخفي” كما يقول المثل . ولا أخال أي مجتمع قد عزز ونوع موائد غذائه في الدورة السنوية كما عززها التراث الموروث لهذا الفلاح . وقد تكون القناعة في المظاهر، كالملابس والأواني والحلى ومواد التباهي والمزايدات، هي القناعة التي تميز بها مجتمعنا لمئات من السنين فساهمت في نموه واستمراره وازدهاره نوعا ما . وإذا ما أمعنا النظر الى الموضوع أمكننا تلخيصه بأنه : تسابق نحو الأفضل في الإنتاج المحلي، وهنا تكمن حوافز التقدم، ومحافظة على قواعد الدورة الإنتاجية. والملاحظ بأنه عندما أصبح هناك زيادة في بيع الإنتاج في الخارج بداء يدخل الى البلدة أنواع من المنتجات الغير محلية، والتوازن بين المنتوج المحلي “المصدر” و”المستورد” إذا صح التعبير هو معيار التقدم أو التراجع في اقتصاد البلدة . إذا القناعة التي رافقت البلدة في مرحلة كبيرة من وجودها ساهمت نوعا ما بضبط التدهور الاقتصادي لا بل سمحت بنمو تمثل بزيادة مساحةالأراضي ونوعية الإنتاج وبالتالي كميته، وسمحت فيما بعد بنشوء تجارة خارجية وطموحات أوسع .

 الدورة السنوية للعمامل
كان انتهاء الشتاء أوانا لبدء العمل في الحقل ويكون الفلاح قد جهز عدة العمل وخاصة السكه والنير للفلاحة وهو يبدأ باستغلال الأيام الناشفةفي شباط لمخالفة الشقاق في أملاكه والبدء بتقطيش الدوالي وتشحيل الأشجار ويكمل أحيانا زراعة الشعير اللقسي والبصل وهو يعود محملا ببعض الحطب والتقاطيش لدعم النار وقليلا من “الغرف” للخرفان أو الجداء التي في البيت، وفي هذا الشهر لا يسمح الطقس بالعادة بأيام كثيرة للعمل في الخارج وأحيانا يرفع الفلاح سلسال تهدم من الشتاء أو يكمل آخر في حال زادت الأيام الصالحة للعمل . ولكن ما أن يدخل آذار، بالعادة، حتى تصبح البلدة كخلية النحل، ففي “آذار طلع بقرك عالدار”، وفيه يبدأ الكسار، وفيه لا يعود اللحم والحليب والسمن وحتى الزيت يدخل الموائد، فقد دخل الصيام والقطاعة عن كل ما هو حيواني، ويصبح الأكل من الأعشاب (السليقة)، في الغالب، ومن الحبوب، ويجمع البيض حتى العيد الكبير، ويصنع من الحليب الزبد والسمن والجبن واللبنة، وكلها الى ما بعد العيد . وفي هذه الاشهر يشبع الفدان من الحفافي، ويعود الحمار محملا بالأعشاب المحشوشة للعشاء . وفي هذه الأيام يفلح الفلاح منذ الفجر، وعندما يتعب الفدان يوقفه ويغديه بينما ينكوش هو حول النصب ويحش الربعان، وبعد أن يفطر هو ويرتاح الفدان يعاود العمل فعليه، بعد أن يكمل كسار الملك، أن يحضر الأرض التي تركها للصيافي فيكسرها . وفي نيسان حيث “الشتوي بتسوى السكة والفدان” يجب أن ينتهي من تكريب الأرض للصيافي ويزرع الحمص والصحاري والدخان ويتني الملكيات قبل أن يبدأ الزهر (الزيتون). وفي أيار يبدأ التفريك، ثم الحليشة؛ القطاني أولا فالفول والشعير . أما حزيران فهو شهر حصاد القمح والتغمير والرجيدي وقلع البصل والتوم . ويصبح تموز شهر البيادر والغلال، وفيه يفلح من استطاع “ملكياته” مرة رابعة، وتبدأ بعض الثمار بالنضوج وتقطف النساء الزعتر . ثم يأتي آب حيث تدخل الغلال الى البيت فيمتليء بها ويبدأ موسم التين والعنب والفواكه الأخرى، وبعد أن يشبع الفلاح في هذا الشهر من خيرات الأرض، يقشقش حقوله ويصلح سناسله ويجمع بعض الحطب ثم يقطف السماق . وفي هذا الشهر تجري عادة الأعراس والأعياد المهمة فالخير يفيض بالبيت . ويأتي أيلول شهر التحضير للشتاء، فيحضر الزبيب ويصطح التين، ثم يحضر الدبس والنبيذ والعرق، ويسلق القمح للبرغل، بينما تجهز النساء المربيات والكشك وتدق الزعتر والسماق . وفي تشارين يجهز البيت بالحطب للشتاء، بشكل مكثف، وتشق الأرض بعد أول الري، ويزرع التوم والفول وأنواع الحبوب المختلفة وخاصة القمح، ويحوش الزيتون ويدخل الزيت الى الخوابي، ويمتليء الدرف باللبن التشريني للبنة المكبوسة بالزيت، ويوزع الزبل على الأشجار وخاصة الزيتون، ويكمل الفلاح أواخر زرعه من القمح في نشفة الميلاد، وبعدها يدخل الشتاء القارص ويفارق خلاله الفلاح حقله مرغما في أوان المطر الشديد والثلوج، وتقبع حتى الحيوانات في البيت الى أن يبدأ شباط يبعث بعض دفئه فهو “كيف ما شبط ولبط ريحة الصيف فيه “.

 التوسع
كان تطور البلدة، من المزرعة الصغيرة، والتي تضم بضعة عائلات قادمة من الشمال وتنحصر في بيوت معدودة بنيت في الأغلب من حجارة الخربة وحيث أمكن بالقرب منها، الى القرية التي تضم عددا أكبر من البيوت والأهالي مع كنيسة وكاهن وحتى مدرسة، قد أخذ حوالي نصف القرن الأول من وجودها وخلاله تم التحاق أكبر عدد من العائلات المتواجدة فيها حتى اليوم . وبزيادة العدد زادت القدرة الإنتاجية من جهة والحاجة الى مجالات عمل من جهة أخرى، فتوسعت المساحات المشغولة وزادت الأراضي المستصلحة وعدد الحيوانات “العمالة” و”البطالة” كما تطورت المصالح العامة التي منها العيون والمعاصر والمطاحن . وكان التوسع في البناء أو الأراضي المستغلة يزداد مع تزايد العدد، ويمكن تقسيم هذا التوسع الى ثلاثة مراحل :

 التوسع الأول : وهي مرحلة الانتقال من المزرعة الى القرية حيث لم يكن هناك منافسة وكانت الأمكنة المستغلة أكبر من العدد الموجود وقد تم خلالها استغلال الأماكن الصالحة والأماكن القريبة . وكانت البيوت في هذه المرحلة صغيرة نوعا ما ونعرف ذلك من بعض بقاياها التي لا تزال موجودة حتى اليوم، وذلك لعدم وجود الأخشاب الطويلة والكبيرة التي كانت بمثابة الجسور في البيت الماروني في الشمال وكانت هذه تستند على الأعمدة الحجرية أحيانا في وسط المنزل وتتحمل بقية الأغصان أو العوارض التي يستند عليها الركس ويحمل السقف المكون من البلان والتراب . في هذه المرحلة بنيت الكنيسة الأولى وتعلم الأطفال في دارها مع الكاهن ولم يكن لها بناء خاص كما هي الحال مع مدارس القرى كلها في حينه، فهي “مدرسة تحت السنديانة “.

 التوسع الثاني : وهي مرحلة توسيع القرية حيث زاد العدد وزاد من جرائه الطلب على مجالات العمل ومن ثم توسعت الأراضي المستصلحة والمستغلة الى حدود الخرب المحيطة وجوارها تقريبا . ومن الملاحظ أن المنافسة الخارجية على الأرض في هاتين المرحلتين لم تكن موجودة . أما البيوت في تلك الفترة فقد أصبحت ذات قناطر حجرية وقد استعملتبعد قدوم البنائين (العمارين الذين دعي بعضهم بيت العمار) وقد وسعت البيت العين إبلي فأصبح يحوي كل شيء حتى الحيوانات والدجاج والحطب أحيانا زيادة عن التبن وكل الغلة ومونة الشتاء . في نهاية هذه المرحلة بدأت المنافسة في المحيط مع قدوم مستوطنين جدد من الشمال وتكاثر عدد القرى ولكن في نفس الوقت فتحت أسواق جديدة في المدن مثل عكا وصور وصفد واستقر في البلدة من اصبح عمله التجارة وبيع المنتجات وأصبحت عين إبل مركزا لتجارة بين صيدا وحوران . ولكن المحيط القريب بقي منعزلا بعض الشيء ما دفع الى التفتيش عن الأسواق في الخارج فنشأت مهنة النقل وقوافل الجمال التي كانت سببا في توسع التجارة والتعرف على الخارج والتعامل معه فتطورت الذهنية وتوسعت الآفاق .

 التوسع الثالث : وهي مرحلة الاتساع حيث كثر العدد بشكل لم تعد تتسع معه الأرض من جهة، وزاد غنى البلدة وإنتاجها من جهة أخرى وأصبح التملك هدفا لتوظيف المال وزيادته، وفي هذه المرحلة تم شراء الأراضي المتاخمة لخراج البلدة والتي تقع في خراج قرى أخرى فتوسعت من خلاله حدود البلدة وزادت مجالاتها وفرص العمل فيها وبالتالي الإنتاج أيضا . وفي هذه المرحلة ظهرت الهجرة الخارجية كنوع من المغامرة والطموح وعاد البعض من هؤلاء ليزيدوا على البلدة غنى ونشاط وتوسع ويطوروا التجارة التي أتقنوها في المهجر، ففتحت المخازن في البلدة وتنوعت المبيعات وبعدت مسافات التجارة أكثر فأكثر فأصبحت مع الشام ونابلس وصيدا وحتى بيروت وكان أحيانا منهم من يصل الى حلب في مقاصد تجارية ودخلت تجارة الدخان وزراعته وتجارة الحرير . وفي هذه المرحلة أيضا تطور البيت العين إبلي ودخل القرميد فزين البلدة مثلما زين القرى اللبنانية يومها وتباهت به عين إبل . وفيها أصبح رجالاتها معروفون في بيروت والجبل والشام وفلسطين زيادة عن صور وعكا وصفد وتبوأ البعض مناصب عامة . وقد ساهم الإنفتاح العلمي، الذي تمثل بتخرج عدد من العين أبليين من مدرسة عين ورقة التي حلت محل المدرسة المارونية في روما،  بتوسيع هذه الآفاق أيضا وقد اشتهر بعضهم على المستوى الوطني ( يوحنا دياب أحد مؤسسي الحكمة وبطرس العين إبلي أحد مشاهير عين ورقة ) .

وقد كانت هذه المرحلة هي العصر الذهبي لعين إبل .
في هذه المرحلة بنيت الكنيسة الكبيرة، ومعرفة قصتها وما دار حولها يتطلب محاضرة كاملة .وفيها أيضا بني الدير ودخلت الأرساليات الأجنبية وبالتحديد اليسوعيون، وقد ساهم الدير ومدرسته في زيادة تقدم البلدة وتمايزها عن المحيط بإضافة بعد جديد للقرية تمثل في الاتصال المباشر بفرنسا ثقافيا وحضاريا وتنوعا في الإنتاج (النصوب في الزراعة، التفصيل للخياطة، أنواع من الآلات الصغيرة للعمل…)، ليزيد على ريادتها الحضارية والثقافية والانفتاحية التي جعلتها مرآة بلاد بشارة وقد سميت في القرن الماضي وبداية هذا القرن ب”باريس بلاد بشارة” .

  التنظيم
عندما توسعت البلدة كان لا بد من التنظيم وقد تنظم المجتمع العين إبلي في عائلات متعاونة نوعا ما لكل منها مرجعية، وكان للبلدة مرجعية تتكون من هؤلاء وقد أعتبر الحفاظ على الأملاكوحسم الخلافات وتأمين الحقوق من واجبات هذه المرجعية فكان تعيين ومتابعة النواطير من مهامها وحل المشاكل وردع التعديات أيضا وتنظيم الرعاية وفرض الغرامات وملاحقة المشاكل مع الغرباء .

 الخلاصة
الانفتاح والجهد مدعومين بإرادة قوية للتطور في موقع جغرافي ملائم رفععين إبل بالرغم من كل الظروف المحيطة من مزرعة صغيرة في بلاد شبه مهجورة لا أمن ولا سلطة فيها ولا ثروات، الى بلدة متقدمة متطورة ساهمت في نشر الحضارة وازدهار المنطقة وتوسع آفاقها وزيادة غناها .

 القسم الثاني
الأزمات
مقتل “العتريسي”
تعرضت عين إبل بعد خمسين سنة من وجودها لهزة شديدة نتج عنها رحيل كاهنها الأول عبد المسيح الطويل وهرب جريس الطويل والتجائه الى عرب الخريشات في منطقة الشعب . ويعتبر تدخل البطريرك يوسف العاقوري وإرساله عائلات جديدة لدعم سكان عين إبل دليلا على الأهمية التي كان يوليها لها هذا البطريرك الذي سبق أن كان مطرانا على صيدا وزار “مزرعة” عين إبل في 1630 وهو الذي كان رسم عبد المسيح الطويل أول كاهن على البلدة .

 التعديات الفردية والغزوات
لم تشهد المئة سنة التي تلت مشكلة العتريسي أزمات كبرى ولكن عندما تقلصت سلطة المعنيين ظهرت مشكلة الغزو والنهب وكانت تشكل أزمة حقيقية للبلدة ما غير في هندسة البناء وجعل البيوت تتلاصق وتتساند وتفتح فيما بينها “الطاقة السرية” التي كانت تشكل هاتف النجدة فإذا ما أحس أحدهم على من “ينقب” البيت سارع الى طلب النجدة فينتقل الخبر الى كل البيوت المتلاصقة وتجتمع البلدة لرد الغزاة . وكانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لرد الاعتداءات بغياب سلطة قادرة على حماية المواطنين . ولكن يبدو أن أخر هذه المرحلة قد شهد سلطة أعطت نوعا من الثقة في تثبيت الأمن وذلك في زمن ناصيف النصار ويظهر ذلك في إسم ناصيف الذي ظهر فجأة في أسماء جيل بكامله توزع على كل العائلات العين إبلية ما يعني محبة أو إعجاب بشخصية ناصيف هذا وهي بدون شك كانت قوية .

 مرحلة الجزار
عندما توفي ناصيف بعد سقوط جواده على “بلاطة يارون” في محاولته التصدي للجزار الذي كان نظم حملة لإخضاعه ، تشتت فرسانه ودبت الفوضى في المنطقة . ولما حاول الجزار ضبط الأمور بتنظيم فرق عسكرية محلية بالقوة كثر الفارون والعصابات التي تعمل ضده ودعيوا ” الطياحة ” ثم أصبحت البلاد تحت رحمة هؤلاء من جهة وعسكر الجزار وغيه من جهة ثانية فعادت أجواء الغزو والنهب . وقد فرض الجزار خدمة إلزامية في الجيش أو خدمة مدنية في العمران وهي كالأشغال الشاقة ما شكل أزمة حقيقية للناس، وكثيرون من العين إبليين عملوا في السخرة خاصة في أثناء بناء القناة التي جرت المياه الى عكا .

 مناوشات 1865 و1873
بعد الجزار عادت شيئا فشيئا سلطة بشير الثاني ووهرته لتضبط الأمور وتحسن الأوضاع ورفعت السخرة عن المواطنين . وفي الهجوم المصري المدعوم من قبل بشير الثاني لم تظهر أزمة حقيقية في المنطقة ولكن نهاية هذه الحرب أدت الى عودة سلطة الزعماء المحليين، فقد التحق حمد البيك بصفوف العثمانيين وحارب ضد المصريين فحاز على رضى العثمانيين . ولم تحدث مشكلات حقيقية في الحرب الأهلية في 1860 في هذه المنطقة كما حصل في حاصبيا مثلا. ولكن حادثا فرديا بين رعاة ونواطير في 1865 أدى الى هجمة من بنت جبيل جعلت الأهالي يهربون تاركين البلدة عرضة لبعض النهب . وبعد مراجعات وشكاوى (الأب طانوس صادر) قام الأتراك بنفي عشرين من زعماء بنت جبيل الى قلعة الحصن في بلاد العلويين وتغريمهم ببعض التعويضات . وقد ظهرت فيما بعد هذه الحادثة خاصة، وكانت الأولى من نوعها، مجموعات من القبضايات أخذت تغزو الجوار وترد على التعدي بالتعدي فزاع سيطها في المنطقة بأثرها .
وفي 1873 عندما حدثأن أحد هؤلاء خطف فتاة من حداثا (وتزوجها وسكنا في بيروت فيما بعد) أشاع أهالي هذه البلدة أنه قتل قتيل وتنادوا الى أخذ الثأر فهوجم الرعاة والفلاحون ووصلت أخبار الهجوم الى البلدة فحاول البعض الهرب ولكن الأب سارفيم الذي كان يخدم في الدير يومها أوقفهم ومنعهم من الهرب قائلا أنه سيرد الهجوم وهو مستعد لقتل كل من يدخل البلدة بالطبنجة التي يمتلكها . وهكذا فقد توقف الهلع ورد الهجوم قبل مداخل البلدة، ولم يحدث أي قتل يومها . وهنا نلاحظ في المرتين أن الخوف مما جرى في الجبل قد أثر على الأهالي خوفا من مذابح كما حدث هناك وهذه المناوشات كلها سوف تؤثر فيما بعد على تصرفات البلدة في أزمة 1920 ومواقفها تجاهها .

 حرب 1914
لم تشكل الحادثتين اللتين ذكرناهما مشكلة أساسية في تاريخ البلدة أو اقتصادياتها فلم تهدم البيوت أو تحرق ولم يبقى الأهالي خارج القرية أكثر من نهار في الحادثة الأولى . ولكن الأزمة الحقيقية التي هزت بالفعل أسس القرية كانت حرب 1914 فقد فرض الأتراك التجنيد الإجباري على الشباب في البدء من سن 18 الى سن 20 ثم تطور الطلب حتى وصل الى سن 45 وهنا فرغت القرية فقد فر من لم يلتحق بالجندية وهاجر من استطاع ولم يعد أغلب الذين التحقوا . وهكذا فقد تقلصت القدرة على الإنتاج ودب الفقر في بعض العائلات . ولكن ما أن عادت البلدة الى لملمت نفسها بعد الحرب  حتى كانت الأزمة الكبرى وهي كارثة 1920 .

 الأزمة الكبرى الكارثة 1920
إذا كانت عين إبل قد تجنبت الحرب في 1860 إلا أنها في 1920 كانت وقودا لها والكلام عنها وعن أسبابها وتفاصيلها يحتاج أيضا الى محاضرة كاملة . ولكننا سنكتفي بالنتائج التي أثرت على تطور البلدة موضوع محاضرتنا . فقد نهبت كل بيوتها وأحرقت ودمرت وتهجر الأهالي مدة أكثر من ثلاثة أشهر كاملة، هي أشهر الغلال، فضاع موسم بكامله زيادة عن كل ما كان في البيوت من عدد الإنتاج وحيوانات العمل والإنتاج والمونة وطبعا أثاث البيوت ما جعل هؤلاء العائدين الى القرية يواجهون فقدان الأهل والرزق وكل ما يدعم عودة الحياة . ولكنهم بعزيمة وجهد أعادوا في أقل من سنة لملمة أنفسهم وبفضل الأرض التي يمتلكون استطاعوا تجديد العزم على مواصلة الحياة في هذه البقعة من العالم . ولكن بعض من تأثروا بعظم المصيبة فضلوا السفر واختار البعض الآخر الهجرة القريبة للعمل كمستخدمين في حيفا المدينة التي كانت تنموا بسرعة بعد أن فتح الأنكليز فيها ميناء للسفن الكبيرة وزاد وجود الشركات اليهودية ومشاريعها من فرص العمل فيها أيضا . وإن كان عدد هؤلاء قليلا نسبيا في البدء إنما كان حافزا فيما بعد لكثيرين للحاق بهم بعد أن تأثرت الأسواق من جهة بسبب الكارثة وفقدان كثير من وسائل الإنتاج والنقل وأيضا الأسواق (تهجير قرى مسيحية كثيرة غير عين إبل فضل أهلها الاتجاه الى أماكن أخرى )، والتجارة العالمية التي دفعت الى مينائي حيفا وبيروت بمنتجات الدول الكبرى فرنسا وانكلتيرا فأغلقت شيئا فشيئا موانيء صيدا وصور وعكا وامتلأت الأسواق بكميات من البضائع الأفضل جودة والأقل كلفة ما جعل البضاعة المحلية تكسد . ثم أن توزع السلطة بين فلسطين ولبنان قسم أسواق عين إبل وجعلها في نهاية خط تجاري وليس في وسطه . ولولا تعلق أهل البلدة العاطفي بعين إبل وتمسكهم بالأرض التي يمتلكون لكانت القرية ذابت منذ تلك الحقبة . وفي الفترة التي تلت ظهرت مقولة “مشي تنروح عحيفا والفاعل فيها بعيش ” .

 1936حروب العصابات الفلسطينية
تأثرت عين إبل والجوار بالثورة العربية في فلسطين في 1936 بالرغم من أنها لم تكن تعنيها بشيء ولكن الثوار كانوا يملؤن الأرض والطرق ويزيدون من المشاكل التي يتعرض لها الجمالة الذين استأنفوا نقل بعض المنتجات ذهابا وإيابا وتعرض البعضللسطو وعادت أجواء الغزو تسيطر بعض الشيء . ثم دخلت الحرب الكبرى وسيطر الألمان على فرنسا فأصبحت بلادنا بين نار “فيشي” التي تحكم لبنان وتتعاون مع المانيا الهتلرية ونار الأنكليز الذين يسيطرون في فلسطين .

 دخول الأنكليز والتحولات المصيرية
في 1942 دخلت الجيوش الأسترالية تحت قيادة الأنكليز الى لبنان عبر الحدود الجنوبية وأحس العين إبليون بذلك دونما تأثر كبير في الأوضاع ولكن ما نتج عن ذلك هو فرض الأنكليز سياسة جديدة في لبنان تمثلت بالتيار العروبي فأصبح لبنان دولة مستقلة بوجه عربي جعله عضوا في الجامعة العربية ومن ثم أدخله متاهات السياسات العربية التي لا يزال يعاني منها حتى اليوم .

 1948 الهجرة الفلسطينية
أصبح لبنان بفضل السياسة الجديدة كما قلنا جزء من “الأمة العربية” فاضطر الى الدخول في حرب فلسطين والى استقبال أفواج اللاجئين وكانت عين إبل قد تعرضت لضغط شديدمن قبل هؤلاء فاضطرت الى تنظيم وجودهم في مواضيع التموين والماء ريثما نقلوا الى الداخل ولكن المشكلة الحقيقية التي تعرضت لها كانت إغلاق الحدود التي كانت لم تزل مفتوحة بشكل أو بآخر واضطر أبناؤها الذين كانوا يعملون في حيفا الى الهجرة تاركين خلفهم أرزاقا وأموالا . ولم تستطع البلدة استيعاب هؤلاء القادمين دفعة واحدة في مجالات العمل المتوفرة فيها في حينه، ولم يكونوا قد زرعوا فيها في بحبوحتهم عمرانا أو مصالح تسنده، ما جعلهم يفتشون عن أماكن جديدة للعمل فينزحون مجددا باتجاه بيروت وطرابلس ومن ثم الكويت التي فتحت أبوابها بعد قليل.

 النزف
كل الأزمات التي تكلمنا عنها كانت أسبابا للنزف التي تعرضت له البلدة ولكن العلاقات العاطفية والتعلق بالأهل والأرض والجذور وما شابه واعتبار الهجرة ” الحل الصعب ” كانت دوافع لتقليص هذا النزف . ولكن عندما بدأ الرحيل يصبح جزء من الطموح، والانسلاخ عن الأرض والعائلة عملا غير مستهجن، كون الهجرة ليست طويلة كالهجرة لأمريكة، وتعود الناس على العمل بالاستخدام وسهولة تقبله واعتباره نوعا من أنواع التقدم، زادت الهجرة وأعطيت قيمة ما جعلها أحد أحلام الشبيبة . ثم جاءت قضية العلم التي كانت فيما مضى أحد أسباب تقدم البلدة لتطرح مشكلة وهي : مجالات العمل لهؤلاء المتعلمين الذين زاد عددهم عما تستوعب البلدة، ومن ثم، في السنين التي تلت، مجالات التعليم للأجيال الجديدة، إذ لم يعد التعليم كافيا في البلدة، فتطلب ذلك التوجه الى المدينة، وبالتالي التعرف أكثر فأكثر على أسباب الراحة ومجالات العمل التي توفرها المدن، ما زاد في عملية النزف هذه

 عملية التقييم (أو القيم)
كان من الطبيعي بعد الانفتاح على المجتمع المدني “المتطور” (؟؟؟) أن تتأثر أجواء البلدة بهذا “التطور” فتتغير القيم شيئا فشيئا ويصبح عمل الفلاح عملا محتقرا وتصبح المظاهر سببا للاحترام وليس النشاط أو الإقدام أو الإنتاج، وشيئا فشيئا تتحول حوافز البقاء الى مصدر تهكم وازدراء، وتكثر عملية التباهي الفارغة من المحتوى، ولا يعود هناك مقياسا صالحا ترتكز عليه القيم، فيصبح بالإمكان الاستهزاء بكل شيء وخاصة بالإرث وبالتقاليد وبالانتماء . وهذه كلها تؤدي الى سقوط المجتمع في دوامة من المتاهات التي لا تستند الى جوهر، فتضيع الأهداف وتقل الطموحات ليحل الهرم في المجتمع فيهتريء …

 الضياع بين الماضي والحاضر
في هذا الفترات التحولية يضيع العين إبليون بين ماض عزيز ومستقبل غامض . فقد بقيت آثار هذا الماضي ماثلة أمام العيون؛ في الكنيسة الكبرى وضخامة بنيانها شاهدا على هذه العظمة، وفي قبر الشهداء وعددهم الشاهد على الانتماء والتضحية، وفي المشاريع العامة والشوارع العريضة نسبيا وأخبار الأيام السابقة عن التعاون والجهد في سبيل التقدم والازدهار، وفي التنظيم المحلي الذي سبق الدول الى ضبط أصول التعامل وحقوق الناس وفرض احترام الملكية التي ساهمت في التوسع والبحبوحة . وقد ظهر هذا الإرث في وسع الأراضي المملوكة والمستغلة في حينه دليلا على الثروة . ولكن العين إبلي ينظر الى المستقبل كما علمه الأهل والنظريات الحديثة بأنه عصر العلم فيرى العلم معاهد نظرية وثيابا نظيفة ومكاتب وسيارات ويرى في المقابل البلدة “الحبيبة” قرية صغرى تقبع في آخر الأرض حيث يشح الماء وتقل الحضارة وينعدم الإنتاج وتكثر الصعاب والمشاكل ولا يرى فيها أي أمل وأية صورة مضيئة . وعندها تصبح البلدة صورة فلكلورية للماضي نحب أن نزينها ولكننا لا نرغب أن نخطط للسكن فيها أو إقامة المشاريع لإنمائها وإعادتها الى الحياة .

فلسفة الكسل والإتكالية
في نظرياتنا الحديثة يقبع الكسل والإتكالية فلكل عمل نتصوره يجب أن يكون هناك من يدعمه ويموله وينظمه ويرعاه ثم يفتش له عن الأسواق بينما نقف نحن منتقدين ومنظرين نخاف من الإقدام ونخاف من العمل ونرى من حولنا الحياة تدب فنبرر قعوسنا بنظريات فارغة ونربط المشاريع والتطلعات بكل شيء ما عدا الجهد والعمل والمثابرة لأننا وللأسف فقدناها شيئا فشيئا . فمن هو العين إبلي الناجح جدا في الخارج، ومن منا أفضل من سكان المحيط، ولو أننا لم نزل مثلا لهذا المحيط في بعض الأمور ومثلنا هذا يضر به أحيانا . ولا نقول هذا من قبيل اليأس بل بالعكس من قبيل الدعوة الى النهضة، فالدماء التي جرت في عروق الجدود لم تزل تسيل فينا، والعزم والترابط وحتى الأرض والعلم والوسائل موجودة، ولكن الإقدام والاندفاع والتصميم ينقصون .

 القسم الثالث
الحلول
 (وهنا لن نعرض الحلول بل نطلب من كل واحد من أبناء عين إبل أينما وجد أن يقترح الحلول ونعتذر سلفا لكل من لا يوافقنا الرأي ونعتبر أن هذا الطرح يلزم صاحبه فقط وهذه المحاضرة كانت قد قدمت في عين إبل بطلب من نادي أبناء عين إبل يومها ضمن سلسلة محاضرات عن النواحي الاقتصادية والتاريخية التي تؤثر باستمرار البلدة وتطورها.)