مقابلة/الدكتور داود الصايغ لـ”النهار الكويتية”: لبنان ليس مهدّداً في كيانه

383

الدكتور داود الصايغ لـ”النهار الكويتية”: لبنان ليس مهدّداً في كيانه

١٢ تشرين الاول ٢٠١٤

الحديث مع أحد اهم مستشاري رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري يظهر حجم المأزق الذي يوضع فيه الرئيس الحريري إزاء بعض موجات التطرّف التي تظهر في الشارع اللبناني، السنّي على وجه التحديد. وكمّ ونوعيّة الاسئلة التي رفض ضيف النهار الإجابة عنها، كفيل بإظهار حجم الحرج الذي يشعر به الرئيس الحريري في هذه المرحلة، وكأنه يوضع بين شاقوفيْن، تاريخه وثوابته وقناعاته المعتدلة وإيمانه الراسخ بلبنان العيش المشترك والانفتاح على الآخر كائناً من كان من جهة، وواقع الشارع المتجّه – نسبياً طبعاً لنوع من الداعشية الفكرية التي يرى فيها البعض نتيجة حتمية وطبيعية لسياسات حزب الله الداخلية والخارجية!

بخلاف ذلك، واضحة مواقف ضيفنا، مستشار الرئيس سعد الحريري الدكتور داود الصايغ، وهو مؤمن بأن لبنان محاطٌ بالاخطار ولكنه ليس مهدداً في كيانه لأنه رغم كل ما حصل، لم يظهر أي مكون من مكونات مجتمعه ينادي بالانفصال عن الآخر.

الصايغ شدد، في حديث لـ النهار من مكتبه في مقر تيار المستقبل في محلّة القنطاري في بيروت على أن الحكومة تفعل قدر المستطاع في ملف العسكريين المخطوفين ولا تقصّر بهذا الموضوع، وأكّد أن المقايضة دخلت ضمن المفاوضات، مركّزاً على أن الحريري ليس رمزاً لبنانياً فقط، بل هو رمز عربي للرجل المسلم المعتدل ويسعى بكل وسائله لإعلاء شأن الدولة وشرعيتها تفاصيل الحديث مع الدكتور الصايغ

 في الحوار الآتي نصّه:

بدايةً، كيف تقرأ مجمل الأوضاع التي تشهدها المنطقة مؤخراً؟ وأين لبنان من تداعياتها؟

 المنطقة بأكملها مشتعلة وكيانات بعض الدول مهددة كسورية والعراق، أضف إلى هذه الحروب الداخلية اليوم الحرب الخليجية المتمثلة بالتحالف الذي تقوده أميركا ضد الدولة الاسلامية. وفي ظل هذه النيران، مصير العراق وسورية مجهول. فهناك من يقول بأنه سوف تتغير حدود إتفاقية سايكس- بيكو على الرغم من أن هذه الاتفاقية لم تضع حدوداً بل وزّعت مناطق النفوذ وكرّست وكيانات نشأت فيما بعد.

لكن لا شكّ بأن ما يحدث في العراق وسورية اليوم هو الحدث العالمي الأول، أما كيف سينعكس ذلك على لبنان، فهناك مخاوف عديدة وقلق مشروع. وبرأيي أن وضع لبنان كنشأة وتطور واستمرار وكيان مختلف تماماً عن العراق وسورية. فهو أولا سبقهم في النشوء، وثانيا لا أحد من المكونات الموجودة فيه يريد الانفصال عن الآخر، في حين ان المكونات الموجودة في العراق أعلنت هي بأنها لم تعد تريد العيش سوياً. وكذلك في سورية، حيث الوضع أكثر تعقيدا، خصوصاً اليوم. فهذا الاهتمام الاقليمي التركي والايراني، إضافة إلى صعوبة التكوين الموجودة في المجتمع السوري، وفيها نظام قائم منذ عام 1970 ولا يزال يعتمد الوسائل التعسفية ذاتها وهو على قطيعة مع أغلب العالم باستثناء روسيا والصين وإيران، لكن سورية مجاورة للبنان وقد سبّبت له الكثير من المشاكل على مدى تاريخ استقلال البلدين. لكن هل لبنان مهدد؟ أعتقد أن لبنان محاطٌ بالاخطار ولكنه ليس مهدداً في كيانه.

الفيدرالية

 وما الذي يمنع تهديد كيانه؟

 نشأته طبعاً. فلبنان كيان انبثق من ذاته ولم يكن كياناً مصطنعاً. صحيح أن لبنان الكبير عام 1920 أعلن، لكن ذلك حصل بناء على تطور تاريخي كبير. ولبنان كان يتمتع قبل ذلك بنوع من حكم ذاتي واعترفت به دول. وفيما بعد عندما أعلن لبنان الكبير كان ذلك نتيجة لتطور كبير. ثم عانينا بعد ذلك من أحداث كبيرة وحروب، وفيما بعد حصل اتفاق الطائف. لكن حتى اليوم، وبالرغم من كل ذلك، لم يظهر أي مكون من مكونات المجتمع ينادي بالانفصال عن الآخر.

لكن هناك من اقترح الفيدرالية في الكواليس..

صحيح، لكنها غير عملية ومقترح غير مدروس البتة، بدليل أن الانقسام الموجود في لبنان اليوم سياسي وليس طائفياً. وبالتالي، فإن الفيدرالية الطائفية غير واردة.

لكن الانقسام يتحوّل إلى طائفي. وثمة من ينادي سراً بالانقسام عن الآخر. وثمة من لديه دويلته المتكاملة العناصر والمقومات. فعن اي استحالة تتحدثون؟

 البعض يجرب تحويله إلى انقسام طائفي ومذهبي، ولكن هذا الموضوع (الفيدرالية) يرافقنا منذ عام 1970. ومن موقعي كأستاذ في القانون الدستوري، لم أرَ حتى الآن صيغة مقنعة لفيدرالية لبنانية، علما أن الفيدرالية لا تتناقض مع الوحدة، ولكن أين وكيف ستنفذ هذه الصيغة؟

 دكتور، في الكواليس المسيحية ثمّة من يضع الكرة بملعب الرئيس سعد الحريري لتأمين ضمانات تمنع نزوح المسيحيين من بلداتهم في المناطق السنّية، بعد ظواهر التطرف التي تحصل، وثمة من يقسم لبنان إلى مارونستان وسنّستان وشيعستان، وكأن مخطط التقسيم يسير على قدم وساق. فما رأيك؟

 هذا تفكير غير واقعي إطلاقا. لأنه في لبنان لم يحصل نزوح سكاني كما حصل في قبرص. فقبرص تقسمت لأن الخلاف فيها كان عرقياً ودينياً، لكن في لبنان أين سيحصل هذا النزوح والتقسيم؟ فهو بلد صغير ومختلط طائفيا في كل مناطقه، وفيه وحدة متجانسة في الشوف وأسموها درزية ووحدتين شيعتين في الجنوب والبقاع. أما المسيحيين فمنتشرين في كل مناطقه، فأين يذهبون؟ وأين يذهب السنّة المنتشرون في بيروت وطرابلس والجنوب والبقاع والجبل؟ هذا الكلام غير منطقي على الإطلاق.

ما رأيك إذاً بما يُحكى عن إمارة سنية في الشمال اللبناني؟

 السنة موجودون في طرابلس وعكار وبيروت والبقاع الغربي وفي الشوف، فكيف سيحصل هذا الشيء وخدمة لمن؟

 لبنان الرسالة

 ولماذا يتم التداول بهكذا المشروع إذاً؟

 خدمة لاغراض سياسية. هذه المشاريع تصدر من جهات حزبية معيّنة نتيجة الخوف. وما يتم التداول به اليوم حصل ما يشبهه عام 1976، ويومها تم وضع شبه دستور فيدرالي، لكن طبيعة لبنان مبنيّة على الاختلاط. وهذا ما يميزه ولذا أسموه الرسالة ونموذج العالم في التعدد والديموقراطية.

لكن حتّى بعض القواعد الشعبية ناقمة وتنادي بالانفصال عن الآخر والعيش بسلام! فمن المستفيد من ترويج هذه الأفكار؟

 هناك من يريد السيطرة على الآخر، وربما هناك من يريد الخروج عن هذه المناصفة التي تحققت في اتفاق الطائف، وربما هناك من يريد حصة أكبر في الدولة، ولكن لم أر حتى الآن أي طرح مقنع حول مستقبل الصيغة الفيدرالية.

وهم

 حُكي منذ مدة عن مؤتمر تأسيسي في لبنان، والبلد اصبح يتجه إلى الشلل التام، فما هو الحل في ظل كل هذه الفراغات الدستوري التي نعيشها؟

 المؤتمر التأسيسي بدوره وهمي، لأن لبنان سبق وتأسس ولا يمكن لأحد أن يطرح فكرة إعادة التأسيس. فالبعض توهم أو نُسب إليهم أن تراكم الازمات الدستورية يمكن أن تؤدي إلى طائف جديد. والبعض تكلم بإلغاء الطائفية السياسية إلى حد أنه حصل تصريحات من قيادات كبيرة من أجل المؤتمر التأسيسي أو إلغاء الطائفية السياسية أو تعديل اتفاق الطائف، ولكن هذه المغامرة مجهولة النتائج ولا تصب في مصلحة أحد. فلبنان له ركائزه التي تجعله يختلف عن غيره، والتي لا يمكن لأحد أن يتلاعب بها، ومن أهمها العيش المشترك القائم على توازنات معيّنة. وفي حال اختلت هذه التوازنات، فهي تقتل مبررات وجوده. لذا في لبنان لا يمكن لأي أحد أن يسيطر على الآخر لا باسم العدد ولا بالاستقواء بالخارج ولا بالسلاح. هذا هو لبنان.

لا جواب

 نجتمع وأهالي العسكريين المخطوفين يتظاهرون للضغط على الحكومة. كيف تنظر إلى هذه القضية؟

 هذا موضوع طارئ وذلك نتيجة الحروب الموجودة في سورية وإقحام لبنان في حرب سورية. وخلافاً لكل المكونات التي تكلمت عنها فلبنان لا يدخل في حروب الآخرين ولا يصدّر الحروب ولا يستوردها.

ولكن نحن نعيش بجوار البركان وتصلنا نيرانه. فقد حصلت أحداث عرسال وكذلك أحداث بريتال. ومن هنا يجب أن ننظر إلى موضوع الأسرى من ضمن هذا المنظار، أما الحديث عن ماذا تفعل الحكومة في هذا الملف؟ فهي تفعل قدر المستطاع ولا تقصّر بهذا الموضوع. وفيما خص موضوع المقايضة والمفاوضات فهناك من هو معها ومن هو ضدها.

هذا واضح. لكن ما هو موقف الرئيس الحريري من مسألة المقايضة؟

 نحن موجودون بظرف دستوري استثنائي وهو أن مجلس الوزراء يمارس بصلاحياته مكان رئيس الجمهورية…

بموقف واضح هل أنتم مع المقايضة أم ضدها؟

 لست بوارد إلزام الرئيس الحريري بأي موقف في هذا الإطار، لذا أفضّل عدم الإجابة!

وماذا عن موقفك الشخصي؟

 أنا أعلم أن موضوع المقايضة دخل ضمن المفاوضات.

حسناً، وكيف تفسر وقوف أهالي المخطوفين بوجه الدولة، على عكس ما جرى في قضيّة مخطوفي أعزاز؟

 لست في وارد المقارنة أبداً، لكننا نتفهّم تحرّك أهالي العسكريين المخطوفين، لأنهم شاهدوا قطع رؤوس أولادهم بينما في قضية أعزاز كان الموضوع مختلفا وكانت المفاوضات تجري وأخذت الكثير من الوقت. أما اليوم فيتم التعاطي مع فريق يقطع الرؤوس، ولبنان يستعين بقطر وتركيا وبأي كان بسبب وجود الدم.

ولهذا السبب، اولاً هناك فراغ في رئاسة الجمهورية، واحتمال للتمديد للمجلس النواب، ومجلس الوزراء يحل مكان رئيس الجمهورية وهذا يزيد من الصعوبة والجميع اتفق بتسليم الموضوع إلى رئيس الحكومة، ففي ظل هذا الانقسام الداخلي، ومن يحرك التكفيريين وهم يضعون علينا الشروط تحت التهديد بالذبح واستخدام وسائل الإعلام بشكل احترافي لنقل حربهم. فنحن نعيش في دوامة القتل والخطف، إضافة إلى وجود مليون ونصف نازح سوري ونازحين عراقيين. وعلى الرغم من كل ذلك فأنا أصر على القول بأن الركائز الأساسية للبنان لن تهتز.

تباطؤ أم تواطؤ

 ما مدى قدرة تأثير الاعلام برأيك في مساعدة الارهابيين على فرض شروطهم؟

 يجب أن نضع المسؤولية على الاعلام طبعاً. فالاعلام في عدد من المجالات يساعد أحيانا في تغذية الانقسامات السياسية، خصوصاً أن بعض البرامج تسعى وراء الاثارة. أما فيما يتعلق اليوم بتنظيم داعش، فهم يستخدمون الإعلام ببراعة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. فاليوم الحروب تجري على شاشات التلفزيون، فعلى سبيل المثال، عندما حصلت أحداث حماه عام 1982 لم ير العالم ماذا كان يحصل على عكس ما يحصل اليوم فكل شيء يشاهد إن كان في سورية أو اليمن أو ليبيا حتى مقتل القذافي وصدام حسين شوهد.

نحن اليوم نعيش أحداث مصيرية على صعيد المنطقة والاحداث تتنقل من منطقة إلى أخرى، وبلادنا توضع امام احد خياريْن إما الانظمة الاستبدادية أو الارهاب، وذلك بسبب حصول التطورات الاخيرة ولها اسبابها العديدة، وفي مقدّمها نتائج ما سمّي بالربيع العربي وتباطؤ الأميركيين في استيعابه..

تباطؤ أم تواطؤ الأميركيين؟؟

 كلا، هم عبّروا ولم يتوطؤوا. وقد حمّل جو بايدن منذ فترة المسؤولية للأنظمة العربية في مساعدة المتطرفين. هم لم يتواطؤوا، بل إن احداث الربيع العربي فاجأت الغرب. واليوم الغرب أصبح إذا كان يريد التدخل، فهو يتدخل من أجل مصلحته. حتى في تدخلهم في سورية فهم لن ينزلوا إلى الارض وسيبقون في الجو، وحتى خلال الحرب اللبنانية التي استمرت 16 عاما فهم لم يتدخلوا.

وهل تدخّلوا اليوم برأيك لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد؟

 أنا أسمع فيه ولكن لا أؤمن به، فهذه مقولة تم نسبها إلى كوندواليزا رايس، أو فالفوضى الخلاقة. لكن اليوم يوجد أكثر من فوضى. حتى يوجد من قال بأن داعش هو إختراع الأميركيين أنفسهم، ليتبيّن فيما بعد أن هذا الكلام غير صحيح.

اليوم العالم يعيش تطورات مهمة ونتابع أيضا الموضوع الكردي. فتركيا لا تريد أن تجد كياناً مستقلاً ولكن أكراد العراق استقلوا. الوضع معقد جداً، ونحن نتابع مسيرة التاريخ وهل ستؤدي إلى أوضاع جديدة أو إلى كيانات جديدة أو مستحدثة داخل الوحدة!

الرمز

 لبنانياً، أين تقع المسؤولية على عاتق الرئيس الحريري كطرف سني معتدل لحماية لبنان من موجة التطرف؟

 الرئيس الحريري إن كان في خطابه في رمضان أو من خلال استقباله المفتي دريان أو من خلال خطابه عند عودته إلى لبنان، عبر عن ذلك ودعا إلى تصحيح كل المسار وإلى العودة للاصول. هذا خطاب الرئيس الحريري وكذلك كان خطاب والده، الذي كان أول مسؤول عربي ومسلم يستنكر أحداث سبتمبر 2001. فالرئيس الحريري اليوم ليس رمزاً لبنانياً فقط، بل هو رمز عربي أيضاً للرجل المسلم المعتدل ويسعى بكل وسائله لإعلاء شأن الدولة وشرعيتها.

لماذا لم يبقَ في لبنان؟

 سيعود. وسمعناه مؤخرا عندما كان يتابع موضوع التسليح مع فرنسوا هولاند. وهذا ما يدل على حرصه على الدولة والجيش. فنحن على رغم وجود كل هذه العواصف حولنا، ولكن لن تؤثر علينا.

أباً عن جد

 لكن كيف تفسر مقتل جندي من الجيش في عكار ، ووجود كتابات في صيدا لـ داعش؟ هل هناك نفَس سنّي متطرف في لبنان، أم ان هناك من يحاول حشر المستقبل في هذه الخانة؟

 تيار المستقبل هو رمز الاعتدال ورمز الاختلاط. هناك من حاول جعله حزب سني نعم، لكن هذا كان مرفوضاً من قبل الرئيس الشهيد رفيق الحريري والآن من قبل الرئيس سعد الحريري، فعدد النواب المسيحيين فيه هو عدد وافر، وأنا مسيحي من بين أكثر من مستشار غير سنّي للرئيس الحريري. هذا البيت معتدل أباً عن جد.

لكن بالمقابل، هناك من يسأل لماذا استقبل الرئيس الحريري أبو طاقية ورئيس بلدية عرسال خلال زيارته الاخيرة الخاطفة للبنان؟

_ هناك تعاطف دائم مع عرسال لأنها موجودة في وضع صعب للغاية. وأفضّل عدم الحديث في هذا الموضوع!.