محمد مشموشي/أردوغان: صوت عالٍ ضد الأسد ولكن

297

أردوغان: صوت عالٍ ضد الأسد ولكن

محمد مشموشي/الحياة/13 تشرين الأول/14

لا يشبه الصوت العالي لتركيا «حزب العدالة والتنمية» تجاه سورية ونظامها حالياً مثيله قبل نحو أربعة أعوام، لا من الزاوية المحلية التركية ولا أساساً من الزاوية الإقليمية والدولية. ولا يعني ذلك أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد يعلن غداً توغل قوات بلاده البرية داخل سورية لإسقاط النظام فيها، لكنه لا يعني في الوقت ذاته أن سورية ما بعد التحالف الإقليمي-الدولي للحرب على ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») وقراره الانضمام اليه، يمكن، من وجهة نظره، أن تبقى كما كانت في الأعوام الأربعة الماضية.

لماذا أولاً؟ وما الذي يمكن أن يفعله أردوغان لترجمة موقفه؟ وماذا يكون رد الدول الأخرى في التحالف، وفي مقدمها الولايات المتحدة، تجاه ذلك؟ أول الأسباب أن تركيا «حزب العدالة والتنمية» كانت، على مدى الفترة السابقة، في اشتباك سياسي وحتى عسكري مع الأكراد في الداخل من جهة ومع كردستان العراق وتواجد عناصر من «حزب العمال الكردستاني» فيها من جهة ثانية، فضلاً عن تحفظها على نشاطات فرع هذا الحزب داخل سورية وعلى حدودها من جهة ثالثة. الآن، تختلف الحال على الجبهات الثلاث، بل ان التظاهرات الكردية في ديار بكر وأنقرة وغيرهما من المدن التركية انما تحتج على أردوغان وتصطدم بقواته الأمنية (حوالى 20 قتيلاً في يوم) لأنه لم يتدخل حتى الآن… تحديداً لإنقاذ مدينة عين العرب السورية الكردية من اجتياح «داعش» لها.

وليس خافياً أن حوار اردوغان مع أكراد الداخل أدى الى خفض التوتر التاريخي معهم، وإن لم يصل الى انهائه بعد، كما أن علاقاته مع اقليم كردستان العراق ورئيسه مسعود بارزاني تمر في أفضل مراحلها، الى درجة أن طلقة نار واحدة لم تسمع على الحدود بينهما منذ أكثر من سنتين. ثاني الأسباب أن أردوغان نفسه، بعد تورطه مع «الإخوان المسلمين» في مصر وسورية وليبيا من جهة، واتهامه بدعم وتسهيل دخول عناصر «داعش» الى العراق وسورية من جهة ثانية، قد يجد في التحالف العربي-الدولي للحرب على الإرهاب فرصة لمحاولة تبييض صفحته ليس مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي فقط وإنما مع البلدان العربية أيضاً. هذا فضلاً عن حاجة أردوغان الشخصية، وحاجة تركيا التي تؤوي أكثر من مليون نازح سوري منذ نحو ثلاثة أعوام، الى المساعدة في إسقاط النظام السوري، ومعه إقفال نوافذ الحرب الأهلية والمذهبية التي يفتعلها في بلده، وفي المنطقة بعامة، والتي بدأت تتسرب منه الى بلدان الجوار بما فيها تركيا.

ثالث الأسباب أن الصورة التي ترتسم للإسلام السياسي في العالم، وبخاصة في أوروبا التي تسعى تركيا إلى دخول اتحادها، ان من خلال «القاعدة « أو «داعش» أو «جبهة النصرة» أو «الإخوان المسلمين» على حد سواء، ليست الصورة التي تريح أردوغان الآن أو حتى تساعده على مواصلة الحكم في المستقبل. ولعل الحرب المكشوفة التي أعلنها ضده وضد حزبه رجل الدين التركي النافذ فتح الله غولن بسبب سياساته التي ألحقت تركيا بجماعة «الإخوان المسلمين» وأساءت بذلك الى علاقاتها مع العديد من الدول العربية، أفضل دليل على ذلك.

رابع الأسباب أن الاستراتيجية التي اعتمدها «حزب العدالة والتنمية» منذ تسلمه السلطة قبل أعوام، وصاغها رئيس الوزراء الحالي، وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، تحت عنوان «صفر مشاكل» مع العالم، قد سقطت في شكل كامل في المنطقة نتيجة ممارسات حكومته في الفترة السابقة، والتي كان في صلبها التحاق تركيا بركب «الإخوان المسلمين» في مصر وليبيا وسورية وحتى في دول الخليج العربية. وإذا لم تكن لهذا الفشل نتائج سياسية واستراتيجية ظاهرة بعد، فليس من شك في أن آثارها في الاقتصاد التركي بدأت في التكشف على أكثر من صعيد. ولكن ماذا يمكن أن يفعل أردوغان لترجمة صوته العالي عملاً على الأرض هذه المرة، بعكس ما كانت حاله في السابق؟ وإلى أي حد سيكون قادراً على إقناع الولايات المتحدة وغيرها من دول التحالف بما كان يقوله دائماً من أن انهاء الإرهاب في سورية لن يكون ممكناً من دون إنهاء النظام السوري؟ لا بد بداية من استبعاد أن يأمر أردوغان، اليوم او غداً، قواته البرية بالتوغل داخل الأراضي السورية لأسباب ليس صعباً ادراكها محلياً وإقليمياً ودولياً. مثل هذا التوغل قد يعطي ايران ذريعة للتدخل، بالتالي توريط البلدين والمنطقة في مواجهات لا يريدها أحد في الفترة الراهنة، بخاصة أنه يمكن بسرعة اتهام هذه المواجهات بأنها حرب مذهبية بين جيشين سنّي وشيعي. كما أن التوغل التركي يقدم لروسيا الذريعة التي ربما تنتظرها لإنزال قوات في طرطوس واللاذقية بدعوى حماية قواعدها البحرية فيهما، وهو ما لا يريده أحد كذلك. من هنا تبدو دعوة أردوغان الى فرض حظر جوي وإقامة منطقة عازلة على الحدود بين سورية وتركيا، والتي رحبت بها باريس وأعلنت واشنطن ولندن أنهما تدرسانها، هي الخطوة الجدية الأولى على الطريق الى محاصرة نظام بشار الأسد وطيرانه وآلته العسكرية من ناحية، وإلى الإفساح في المجال لفصائل المعارضة المعتدلة (بعد تزويدها كما يقال بأسلحة نوعية) لاستعادة المبادرة وتوجيه ضربات موجعة لمن لا يزال من القوات المسلحة يقاتل الى جانب النظام من ناحية ثانية، فضلاً عن فتح الطريق لبدء رحلة عزل «داعش» و»النصرة» وغيرهما من التنظيمات الإرهابية عن الحياة السياسية للسوريين. هل تملك دعوة أردوغان هذه أنياباً داخل التحالف وبين دوله الفاعلة؟ هذا هو السؤال، لا سيما اذا كان مطلوباً تمريرها في مجلس الأمن الذي ينتظره «الفيتو» من روسيا والصين، أو من خارجه الذي ينتظره بدوره «الفيتو» الآخر من الولايات المتحدة… أقله حتى الآن.