خليل الحلو: إستشعار سياسة الإدارة الأميركية في عهد ترامب/الجزء الأول والثاني والثالث

197

 إستشعار سياسة الإدارة الأميركية في عهد ترامب (الجزء الأول)
خليل الحلو/نائب رئيس حركة لبنان الرسالة/23 كانون الثاني/17

يهدف الجزء الأول (من أصل أربعة) في هذه المقالة التحليلية إلى تسليط الضوء على سياسة الإدارة الأميركية الجديدة من خلال تصاريح ومواقف ومنشورات الرئيس دونالد ترامب أثناء حملته الإنتخابية، ومن خلال مواقف إدارته الجديدة خلال الفترة الإنتقالية، خصوصاً منطقة الشرق الأوسط.

نتناول في هذا الجزء، السياسة الداخلية وإنعكاساتها الخارجية على منطقة شرقي آسيا تحديداً، التي تعتبر اليوم “مصنع العالم”.

إستراتيجيات دونالد ترامب
إستلم الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب مهامه في العشرين من كانون الثاني 2017 وسط تساؤلات المراقبين عمـّا ستكون سياسة إدارته الخارجية وتحديداً فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، خصوصاً وأن شعاره خلال حملته الإنتخابية كانPeace through strength أي “السلام من خلال القوة”، وأن رؤيته الإستراتيجية التي أعلن عنها هي السعي لإستقرار عالمي وتخفيف حدّة ووتيرة الأزمات، والدفع بإتجاه مساحات مشتركة أكبر بين الدول، كل ذلك من خلال تقوية قدرات الولايات المتحدة العسكرية والمعلوماتية والنووية الكفيلة بردع أي جهة تسعى للنيل أو تقويض قوّة أميركا. هذا يعني أن ترامب يسعى إلى التخلي عن الإستراتيجية الأميركية الحالية القائمة على بناء الدول وتغيير الأنظمة، والإكتفاء بالقوة الرادعة وحثّ الحلفاء على تحمل مسؤولياتهم الأمنية والدفاعية والإتكال بوتيرة أقل على واشنطن.

هذه السياسة الخارجية المعلنة ستكون متزامنة ومتناغمة مع سياسة داخلية قائمة على إنعاش الإقتصاد الأميركي وتحقيق النمو، وهي الأهم بالنسبة لترامب، وهي التي جذبت الناخبين إليه، إذ ان الولايات المتحدة منهمكة منذ 26 عاماً في حروب دائمة، فمنذ إنهيار الإتحاد السوفياتي في العام 1990 أتت حرب العراق الأولى ثم حروب البلقان في البوسنة وصربيا وكرواتيا وكوسوفو ثم حرب أفغانستان التي هي أطول حرب خاضتها أميركا والتي لم تنته بعد، ثمّ حرب العراق الثانية والحرب المستمرة ضد القاعدة والنصرة وداعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة في العراق وسوريا وليبيا واليمن وفي مناطق أخرى من العالم … . هذه الحروب التي أتعبت الرأي العام الأميركي وجعلته يتوق إلى من يهتم بمعالجة مشاكله الداخلية وأوضاعه الإجتماعية والإقتصادية، وهذا الوعد حقّق الربح لترامب اتجاه الناخبين، أكثر بكثير من خطابه الشعبوي والقومي.

سياسة داخلية ذات إنعكاسات خارجية
تستحوذ السياسة الداخلية على الجهد الأساسي للإدارة الجديدة، ولا يمكنها إلا أن تنعكس عالمياً كون الولايات المتحدة قوة عظمى، وإنعاش الإقتصاد الأميركي هو الأولوية القصوى بالنسبة لترامب، رجل الأعمال الناجح، وينوي تحقيق ذلك عن طريق تطوير البنى التحتية من طرق مواصلات وقطاعات خدمات، وإصلاح ضرائبي، والأهم بنظره تفعيل وتطوير الصناعة في إعادة المصانع الأميركية إلى الداخل بعد عقدين من العولمة وإنتقال قسم كبيرمنها إلى الخارج، خصوصاً إلى شرقي آسيا حيث اليد العاملة والتصنيع أقلّ كلفة.

توقعات ترامب في عودة الصناعة إلى الداخل بعد هجرتها الخارجية، ستؤدي إلى ارتفاع فرص العمل وانتعاش الإقتصاد، ومن اجل بلوغ هذه الغاية، تنوي إدارته زيادة الرسوم الجمركية على السلع المصنعة في بلدان تعتبر شريكة تجارية للولايات المتحدة كالصين وفيتنام وكوريا الجنوبية وماليزيا، حيث تنتشر المصانع الأميركية داخل أراضيها.

في هذا السياق، يخشى بعض المراقبين أنه مع زيادة الرسوم على السلع المستوردة، من المتوقع أن ترتفع الأسعار بشكلٍ حاد وصولاً إلى فقدانها من الأسواق الأميركية والدولية. هذا الأمر إذا حصل سوف يضع العديد من الشركات الأمريكية وسط حروب تجارية خارجية مزعجة وربما كارثية، وستكون هذه الشركات أول المتضررين من جراء هذه السياسة الجمركية، والتي تطال السلع التي تصنّعها، وربما تضطر إلى الإقفال وحرمان الأسواق العالمية من انتاجها، كما يمكن للصين أو أيّ دولة أخرى إتخاذ إجراءات ضرائبية أو مالية بحق الشركات التي لها مصانع أو مصالح على أراضيها.

هذا التصعيد المتوقّع من بعض المراقبين، يمكن أن يتفاقم في حال اعترف ترامب بالصين الوطنية (المعروفة بتايوان) كدولة ذات سيادة إلى جانب الصين الشعبية مما يدفع الأخيرة إلى صراع مع تايوان، ينتج عنه بلبلة ونقص في الأسواق العالمية للجزئيات الإلكترونية والمعلوماتية والحواسيب، نظراً إلى ترابطهما في تصنيع هذه الجزئيات، خصوصا الاستثمارات التايوانية داخل الصين.

وفي حال نشوب هذه الأزمة، يُمكن للبحرية الأميركية (الأقوى في العالم)، أن تعرقل الملاحة في بحر الصين شمالاً لجهة تايوان، وجنوباً لجهة مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، والذي يربط شرقي آسيا بالهند والخليج العربي وأوروبا. بمعنى آخر، عرقلة وصول المواد الأولية والنفط إلى الموانئ الصينية، وتصديرها عبر المحيط الهادئ، مع الإشارة إلى أن الصين تعتمد بشكل أساسي على التصدير لتأمين مداخيلها.

هذا هو المنطق الذي يمكن أن يسود جراء سياسة حماية الأسواق الأميركية الذي تحدث عنها ترامب خلال حملته الإنتخابية، وما يمكن أن ينتج من إرتدادات على مستوى العالم ويجعل من المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي منطقتي توترات ساخنة، مما يجبر واشنطن على التورط في نزاعات ربما عسكرية لا تريدها أصلاً.

إستشعار سياسة إدارة ترامب: الشرق الأوسط (الجزء الثاني)
الثلاثاء , ٢٤ كانون الثاني ٢٠١٧

يتناول الجزء الثاني من المقال مستقبل العلاقات الأميركية الروسية على ضوء تصاريح بوتين وترامب وأيضاً على ضوء ثوابت الجغرافيا السياسية.

العلاقات الأميركية –الروسية في عهد ترامب
لا يرى ترامب في روسيا خطراً وجودياً على الولايات المتحدة فهي ليست الإتحاد السوفياتي السابق وقوتها الحالية أدنى بكثير مما كانت عليه ابان الحقبة الشيوعية، كما أن حلف “وارسو” لم يعد موجوداً، والخطر العقائدي على الدول الغربية بات من الماضي.

في المقابل يرى ترامب أن روسيا هي التي تشعر بالخطر الوجودي اليوم في ظل تعدد الإتنيات على أراضيها الواسعة، والأزمة الإقتصادية – الإجتماعية التي تعيشها، والتهديدات من الدول الحدودية على مرأى القيادة الروسية.

بعد سقوط جدار برلين في العام 1990 وانهيار الإتحاد السوفياتي، إنضمت معظم دول أوروبا الوسطى والشرقية (الشيوعية سابقاً)، إلى “حلف الناتو” ما عدا أوكرانيا وبيلوروسيا وجورجيا، وقد رأى بوتين في ذلك كارثة كبيرة وتطويقاً لروسيا تمهيداً لتفكيكها من الداخل، لذلك عندما سعت جورجيا للإنضمام إلى حلف الناتو قامت موسكو بغزو أراضيها في العام 2008، وفي العام 2014 عندما بدت ملامح تقارب جدّي بين أوكرانيا والناتو، أرسلت روسيا جيشها إلى الأراضي الأوكرانية لمساندة ميليشيات الأقلية الروسية في مقاطعة “دونباس” التي تسعى للإنفصال عن كييف، كما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، مما دفع الغرب إلى فرض عقوبات إقتصادية كبيرة عليها، سارية المفعول حتى الآن وخانقة ومسببة لأزمات إجتماعية – إقتصادية حادة في الداخل الروسي.

اعتبر بوتين أنه في حال إنضمت أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الناتو، سيكون ذلك خطراً وجودياً على روسيا، وهو لم يتردد في إستعمال القوة العسكرية لمنع ذلك، ويركز إستراتيجيته على نقطتين أساسيتين:

الأولى، بناء الهوية الوطنية الروسية لتمتين التماسك الداخلي الذي يمتدّ على مساحات شاسعة، ولكي يتحمل الشعب الروسي الضائقة الإقتصادية والإجتماعية ويتخطاها بروحٍ قومية، لكنّ هذا العامل غير كاف لتحقيق الاستقرار والوحدة الداخلية.

الثانية، حماية حدود روسيا من الغرب ومن الجنوب الغربي بالقوة العسكرية، وبسط نفوذ روسيا داخل الدول المحيطة بها لتخفيف خطرها، بشتى الوسائل واهمها: سلاح النفط والغاز وخلق لوبي موالٍ لموسكو داخل هذه الدول، يتكون من الأقليات الروسية التي تعيش فيها منذ أيام الإتحاد السوفياتي. بتعبير آخر يسعى بوتين لإستعادة نفوذ روسيا في الدول التي كانت تحت النفوذ الشوعي وتحديداً في جورجيا وأرمينيا وأوكرانيا ودول أوروبا الشرقية، وذلك، تمهيداً لإنتزاع إعتراف بهذا النفوذ من قبل الدول الغربية في مرحلة لاحقة، من أجل ضمان عدم التدخل الخارجي في شؤون بلاده، كي يتفرغ لمعالجة المشاكل الداخلية الضاغطة.

ترامب وبوتين والشؤون الأوروبية
ما يقلق بوتين هو أن إدارة ترامب أوضحت على لسان وزير خارجيته ركس تيلرسون ومندوبة واشنطن الجديدة في الأمم المتحدة نيمراتا هالي، التي تعتبر أن الخلاف مع روسيا يخص الشؤون الأوروبية.
بالمقابل، وفي سياق الغزل المتبادل على وسائل الإعلام بين ترامب وبوتين هناك إحتمالات كبيرة في أن تخفف واشنطن من لهجتها حول مسألة ضم شبه جزيرة القرم من قبل روسيا وإزالة هذه الإشكالية من أولويات سياستها الخارجية، وهناك إحتمال أن تعترف واشنطن بنفوذ موسكو في شرقي أوكرانيا. هذه الخطوات المحتملة هدفها التمهيد لتخفيف العقوبات الأميركية والغربية المفروضة على روسيا، وهذا ما يمكن أن يدفع بترامب لبدء حوار مع روسيا لهذه الغاية، خصوصاً وأن وزير خارجيته ركس تيلرسون يعرف جيداً الشخصيات النافذة في الكرملين على مدى سنوات خلال توليه إدارة شركة أكسون موبيل النفطية ومفاوضاتها على إستثمار حقول نفطية روسية في المحيط المتجمد الشمالي، ولكن من المعروف أن مفاوضات الأعمال مع روسيا تختلف عن مفاوضات تحجيم النفوذ الغربي عن محيطها.
وأصبح واضحاً أن إدارة ترامب لن تستعمل القوة العسكرية الأميركية المنتشرة في أوروبا وعلى الحدود الغربية لروسيا، والتي هي ضمانة لحلفاء الناتو. هذه القوى العسكرية تشكّل ورقة ضغط على موسكو التي تبذل جهوداً كبيرة لإظهار نفسها كقوة دولية عن طريق التدخل العسكري في سوريا وحشد قواتها البحرية مقابل الساحل السوري، كما أن موسكو لا تخفي ما تقوم به من تطوير لقدراتها العسكرية والنووية والصاروخية التي تشكل تحدياً للقوة العسكرية الأميركية.
تحافظ روسيا على موازنة عسكرية كبيرة رغم ضائقتها الإقتصادية وحاجتها الماسة لإستثمارات أجنبية وسيولة نقدية. هذا التطوير لقوتها العسكرية وعرضها يصبّ في سبيل تحقيق إستراتيجية بوتين القائمة على تنمية الشعور القومي والوطني من جهة والدفاع عن حدوده الشاسعة من جهة أخرى. بالإضافة إلى عاملٍ آخر يشجع موسكو على المضي قدماً في هذه السياسة، ألا وهو، احتمال التفكك الأوروبي بخروج بريطانيا من الإتحاد وتصاعد نزعة القوميات في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، مما يضعف حلف الناتو. وتجدر الإشارة إلى أن روسيا تُدرك تماماً، أنها لا يمكنها أن تراهن على تفكك هذا الحلف. بإختصار، هناك ثوابت تفرضها الجغرافيا السياسية، نتيجتها خلافات استراتيجية أميركية – روسية، لا يمكن للإدارة الاميركية الجديدة تخطيها مهما كانت العلاقات جيدة بين ترامب وبوتين.
(يتبع في الجزء الثالث)

 

 

إستشعار سياسة إدارة ترامب: الشرق الأوسط (الجزء الثالث)
خليل الحلو/27 كانون الثاني/17

في هذا الجزء، نلقي الضوء على سياسة الإدارة الأميركية الجديدة فيما يخص منطقة الشرق الأوسط من خلال تصاريح ومواقف ومنشورات الرئيس دونالد ترامب أثناء حملته الإنتخابية، ومن خلال مواقف إدارته الجديدة خلال الفترة الإنتقالية.

لم تتوضح بعد سياسة إدارة ترامب بدقة حيال المنطقة سوى بعض الخطوط العريضة. بالنسبة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على سبيل المثال، من المتوقع أن تبقى عملية السلام متعثرة أكثر، بعد شللٍ شبه تام لسنوات، بسبب انشغال الولايات المتحدة والعالم بأولويات أخرى.

في هذا الإطار، ينوي ترامب دون أي تحفظ أو شروط، الإيفاء بإلتزامات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، حليفتها الإستراتيجية، من مساعدات عسكرية ودعم دبلوماسي في الأمم المتحدة ونقل السفارة الأميركية إلى القدس إعترافاً بها عاصمة للدولة العبرية، كما أن ترامب غير متحّس لحل الدولتين “الفلسطينية والإسرائيلية”، ذلك وسط عدم إهتمام عربي ودولي بالقضية الفلسطينية، فدول الخليج منشغلة في أزماتها الداخلية وفي حرب اليمن وفي أزمة البحرين وفي الحرب ضد “داعش” والقاعدة وفي الحرب السورية، وبالتالي لم تعد عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية تتصدر سلّم أولوياتها، وكذلك مصر المنشغلة بمكافحة الإرهاب داخلها وبالحرب في ليبيا وبالوضع في السودان.

أكثر من ذلك، ومن زاوية الجغرافيا السياسية، أصبحت دول الخليج العربي طرفاً في نزاع حاد مع إيران و”حزب الله” على صعيد المنطقة ككل، لا سيما في سوريا والعراق واليمن والبحرين، وهذا مشابه لوضع إسرائيل التي هي في نزاع مع إيران من خلال “حزب الله”.

في هذا السياق، يقول ترامب في منشوراته الإنتخابية وتصاريحه الإعلامية إنه ينوي العمل مع حلفاء أميركا العرب وأصدقائها في الشرق الأوسط (تركيا وإسرائيل؟) وفي العالم لمحاربة “داعش” بشتــّى الوسائل، كما ينوي إلحاق الهزيمة بإيديولوجية الإرهاب الإسلامي المتطرف، وكان آخر موقف له في هذا الخصوص غداة تسلمه مهامه وأثناء زيارته لوكالة الإستخبارات المركزية الأميركية “السي آي أي” في فرجينيا. السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف سيترجم هذه السياسة؟ وما الفرق بين هذه السياسة وتلك التي اعتمدها أوباما؟

في الواقع، خصّصت إدارة أوباما الكثير من الموارد العسكرية والمالية لمحاربة التنظيمات المتطرفة مثل (داعش والنصرة والقاعدة) في المنطقة وفي العالم، وكان ذلك قد بدأ في عهد الرئيس جورج بوش الإبن غداة إعتداء 11 أيلول 2001. حارب أوباما الإرهاب ولكن دون التورط في النزاعات الأخرى المسلحة في سوريا والعراق، فبعد سقوط الموصل في يد داعش في العام 2014 وإقتراب الخطر من بغداد، أعادت الولايات المتحدة إلى العراق أكثر من 4000 جندي، بعد انسحابها منه في أواخر العام 2011. فهؤلاء الجنود هم بصفة مدربين للقوات العراقية ومنسقي نيران مع الطيران الأميركي، كما تتواجد القوات الخاصة الأميركية مع قوات سوريا الديموقراطية في الشمال السوري وتشاركها في عملياتها ضد “داعش”، وقد قام الطيران الأميركي منذ آب 2014 حتى الآن، عدا الحلفاء العرب والغربيين، بأكثر من 13500 غارة جوية على مواقع التنظيم في سوريا والعراق، مدمراً له أكثر من 28000 هدف ومستهدفاً الآلاف من كوادره، ولولا هذا الدعم الأميركي، لم يكن بمقدور القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي العراقي وقوات سوريا الديموقراطية والجيش السوري الحرّ الذي يشارك تركيا في عملية درع الفرات، استعادة مدن مساحات شاسعة من تنظيم الدولة.

خيارات ترامب لمحاربة “داعش” و”القاعدة” في الشرق الأوسط
إذا كان ترامب ينوي القضاء على الإرهاب والتطرف، يجب على إدارته أن تتورط أكثر وأكثر في هذه الحرب وبشكل مباشر، أي إنزال قوات أميركية على الأرض وبالآلاف (وهذا ما تهدف إليه التنظيمات الإرهابية لإعطاء شرعية لحربها ضد أميركا ولتجنيد الأشخاص بهدف “تحرير” أراضيهم من “الصليبيين، ألخ”)، وهذا ما لن يفعله الرئيس الأميركي. ويجمع المحللون الدوليون على أن ترامب ينوي إبعاد بلاده خطوة إلى الوراء عن الساحة الدولية، وعدم إقحامها في الدفاع المباشر عن حلفائها، والتخفيف من مساندتهم لكي يتكلوا على أنفسهم أكثر في شؤون الدفاع والأمن.

ما هي الخيارات الآخرى لمحاربة الإرهاب؟
تعبئة قوى محلية إضافية لهذه الغاية، مثل تركيا والأكراد والثوار السوريين وغيرهم، وهذا ما كانت إدارة أوباما تسعى إليه بالضبط، ولكن العوائق هي:

إنشغال تركيا بمشاكلها الداخلية، جراء نتائج محاولة الإنقلاب الفاشلة وذيولها في تموز 2016 ومطاردة أنصار فتح الله غولن في الجيش والقوى الأمنية وإدارات الدولة، وهم بالملايين، بالإضافة إلى المسألة الكردية في الداخل وعبر الحدود مع سوريا والعراق. فيما نتائج حرب تركيا على “داعش” لا تزال متواضعة.

إنعدام الثقة بين أكراد سوريا وتركيا
الحرب في سوريا بين الثوار والنظام، فالطرفان يركزّان على بعضهما البعض أكثر بكثير من تركيزهما على “داعش والنصرة”.

إنقسامات بين الثوار، فبالرغم من إنشائهم غرف عمليات مشتركة ما زالت قواهم العسكرية متعددة القيادات، الأمر الذي يخفّف من فعاليتها، كما أن هناك فصائل متحالفة مع جبهة فتح الشام – النصرة سابقاً.

حرب اليمن وإنشغال دول الخليج فيها، وتخصيصهم موارد عسكرية ومالية ضخمة لها ما يلهيهم عن الحرب ضد الإرهاب

الإنقسامات في العراق بين الأفرقاء السنـّـة والشيعة والأكراد …
إذا أرادت إدارة ترامب القضاء على الإرهاب عن طريق تعبئة هذه القوى وجعلها تركز على محاربة داعش والقاعدة، عليها إذن بذل الجهود الكبيرة لحلّ كافة الأزمات المذكورة أعلاه، ما يعني، لعب دور دبلوماسي وعسكري وإقتصادي فاعل، وهذا ما يتناقض تماماً مع توجهات ترامب الذي لا يريد المزيد من التورط في قضايا العالم …

أما الخيار الثالث، هو التحالف مع روسيا في الحرب على الإرهاب وهذا بالضبط ما تسعى إليه موسكو منذ العام 2014، ورفضته إدارة أوباما لكي لا تكون مضطرة إلى تقديم تنازلات لروسيا فيما يخص العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها جراء ضمها لشبه جزيرة القرم، وفيما يخص الأزمات في أوروبا الشرقية لا سيما الأزمة الأوكرانية وغيرها. في حال اعتمد ترامب خيار التحالف مع موسكو في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا، ماذا سيكون مصير التحالف الروسي – الإيراني الذي يحارب الثوار وداعش في سوريا؟ خصوصاً وأن إدارة ترامب تُظهر العداء الواضح لإيران، وهل يمكن لموسكو أن تبتعد عن طهران وهذه الأخيرة لديها قوى وحلفاء تربطهم علاقة عضوية على أرض الواقع في كل من سوريا والعراق؟ إضافة إلى ذلك، إذا تحالف ترامب مع بوتين، سوف يكون أمام أزمة كبيرة داخل حلف الناتو، وسيواجه وقائع جيوسياسية متناقضة مع مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية في أوروبا … .

الرؤية إذن ضبابية بخصوص السياسة الأميركية المقبلة في المنطقة، ولن تتوضح هذه الرؤية قبل مرور السنة الأولى من ولاية دونالد ترامب.

(يتبع في الجزء الرابع والأخير)