هنري عيد: مشروع تدمير قرية الجليلية الشوفية

3059

مشروع تدمير قرية الجليلية الشوفية
هنــري عيــد/النهار/1 كانون الأول 2016

يفاجأ المرء عندما يقرأ في جريدة “لوريان لوجور” وفي موقع “بوابة الإقليم” بأن “هناك مشروعاً لإقامة ثلاث مدن صناعية نموذجية في لبنان وضع على السكة …. تكنولوجيا، انترنت وصناعات ثقيلة”.

وقد أخذت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “UNIDO” على عاتقها تحقيق هذا الهدف، وأكدت مصادر خاصة لـ”الاقتصاد” أن العمل لا يزال في مرحلة تحضير الدراسات الخاصة والمخططات المتعلقة بالمشاريع الثلاثة، وستنتهي تلك المرحلة في كانون الثاني 2017، وبعدها تنطلق الأعمال على الأرض، ذلك أن ومعظم الأمور باتت جاهزة، وتمّ اختيار المواقع على الأرض في ثلاث مناطق لبنانية مختلفة حُددت كما يلــي :

– بناء المدينة الصناعية الأولى شمال مدينة بعلبك على مساحة 500 ألف متر مربع، والثانية في بلدة تربل البقاعية على مساحة كبيرة تصــل إلى مليون و800 ألف متر مربع، والثالثة ستكون في قضاء الشوف (محافظة جبل لبنان) وتحديداّ في منطقة الجليلية على مساحة تقدر بـ650 ألف متر مربع.

وتجدر الاشارة الى أن هذه المدن تتداخل فيها كل العناصر البيئية (جمع النفايات الصلبة ومعالجة المياه المبتذلة … وسوى ذلك)

وورد في المقال أنه “في لبنان نحو 131 مدينة صناعية خاصة عشوائية بمعظمها إذا صح التعبير، متداخلة مع الأبنية والأحياء السكنية وموجودة في مناطق غير ملائمة”. ومن الاطلاع على صفحة على “فايسبوك” تحت عنوان “الجليلية قرية حالمة من الإقليم” ورد أنها في إقليم الخروب و”تقوم بيوت القرية على ظهر تلة مستطيلة تحفّ بها الأودية من ناحيتي الجنوب والشمال، وتبلغ مساحتها 198 هكتاراً وترتفع عن سطح البحر 750 متراً وتبعد عن بيروت 60 كيلومتراً. وهي عبارة عن بيوت مهدمة وتجري أعمال البناء فيها، وكذلك كنيسة مار الياس التي كانت قائمة على الطريق العام بوسط القرية، وتُبنى كنيسة جديدة مكانها. ومن معالم القرية الباقية عين الضيعة وغابات الصنوبر والسنديان والخروب، وكذلك الكروم”.

ومن وصف قرية الجليلية هذا وواقعها نتساءل كيف اختيرت لإنشاء مدينة صناعية ومواصفاتها تبعد كل البعد عن المناطق الصناعية للأسباب التالية:

إن المساحة المقترحة تقتطع نحو 33 في المئة من مساحة القرية وهي مساحة تلاصق السكـن، وورد في مرسوم الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الرقم 2372 تاريخ 20/6/2009 في الفقرة 5-3-4 : “المناطق المعرضة لأخطار صناعية كبرى” ما يلــي:

“يوجد في لبنان عدد من المناطق الصناعية التي تشكل خطراً داهماً على مناطق آهلة بجوارها في حال نشوب حريق فيها أو حدوث انفجار أو إذا فُقدت عرضياً نفايات سامة صلبة أو سائلة… يجب منع البناء السكني والحد من نموّه إذا كان موجوداً. كما يجب حظر إقامة المرافق التعليمية والصحية، وعموماً حظر كل مرفق أو نشاط يرتاده عموم المواطنين”.

قرية الجليلية صغيرة، أرضها منحدرة جداً باتجاه السواقي التي تحيط بها وليس لها امتداد، فالمعامل ليست بحاجة إلى منحدرات لكشف المناظر، بل بالعكس إن تلك المنحدرات مضرة، إذ تشكل صعوبة في حركة المواصلات وزيادة جدران الدعم وكلفة البناء، والصناعة ترغب بالأراضي المنبسطة لتركيز المعدات على الأرض الطبيعية لا في الطوابق العلوية.

والجليلية بعيدة عن المجمعات السكنية والمدن، وتأتي المناطق الصناعية عادة لتسّد حاجات الكثافة السكانية وتحلّ مشكلة البطالة. فهذه القرية جبلية نائية سكنية، طبيعتها حرجية بعيدة من مصادر الطاقة والمرافق العامة كالمرفأ والمطار والشرايين الرئيسة من نقل بري وبحري وجوي ومصادر المواد الأولية وغيرها. كما أنه ليس من السهل الدخول اليها والخروج منها للشاحنات، فالطرقات جبلية ضيقة متعرجة ملتوية، ولا يوجد بنية تحتية من صرف صحي وسواه، وما هو موجود حالياً من كهرباء وماء يكاد لا يلبي حاجة القاطنين.

إن اختيار قرية الجليلية لإنشاء منطقة صناعية خاطئ وغير معقول ولا مقبول، لصغر مساحتها التي لا تتسع لإنشاء معمل واحد مهم في بلد راق.

وهذا الاختيار سيكون على حساب إزالة أحراج الصنوبر والسنديان وبساتين الزيتون والكروم وتدمير البيئة وتلوث ينابيع القرية التي يشرب منها الأهالي والتي جرى جرّ قسم منها إلى دير المخلص منذ عشرات السنين. كما سيتم على حساب منطقة أثرية عرفت بـ”الضيعة التحتا” التي كتب عنها الكثير من الكتب والمقالات. ونتساءل هل جرت دراسة الأثر البيئي على الهواء وغيره؟ هل جرت دراسة التأثير الاجتماعي والتغيير الديموغرافي الذي سيصيب منطقة الجليلية ومحيطها.

إن انشاء منطقة صناعية سيجذب سكاناً جدداً. وقرى الجليلية ومزرعة الضهر والزيتونية وبزينا والمطلة التي لا تتضمن إلا عائلة لبنانية واحدة هي عائلة عيد، ظاهرة فريدة في لبنان، وستتغير أوضاعها وعاداتها وتقاليدها وسيدخل غرباء من جميع الجنسيات، ولن يوفر هذا الضرر الاجتماعي القرى المجاورة.

قبل اختيار الجليلية، هل جرت دراسة لطبقات التربة والأرض بعد اقتطاع هذه المساحة الكبرى من القرية وتوقع تلويث مياه الشتاء للمياه الجوفية. هل فُكر في تأثير حركة الشاحنات على هذه المنطقة الجبلية والجوار وعرقلتها؟

إن حكي عن مشروع صناعــي مـن نوع Industrie Creative هو أخطر الصناعات غير المحدودة والمحددة والمضرة والمفتوحة على أي احتمال. كما غاب عن الهيئة التي اختارت الجليلية أن أهم عناصر اختيار المناطق الصناعية هو الأرض، العمال، والسوق. وجميع هذه العناصر غير متوفرة في الجليلية لأن الأرض غير صالحة واليد العاملة في الجوار غير متاحة. أما السوق، فليس هناك من سوق قريب حتى تكون الجليلية هذه المنطقة النائية هي المؤهلة لذلك.

إن الجليلية قرية اصطياف بامتياز بالنسبة إلى ارتفاعها عن سطح البحر ومناخها المعتدل وهوائها العليل. وأي تلوث بانبعاثات صناعية سيضرها والقرى المجاورة كمزرعة الضهر والزعرورية وحصروت والمطلة وبسابا. فاقتراح مدينة صناعية في الجليلية الصغيرة مشروع مستحيل. ويعتري الناظر العجب عندما يتفحص الصور الجوية لهذه القرية ومحيطها، وزجّ هذا المشروع الصناعي بحجة أن هذه الأرض تقدمها الرهبنة المخلصية من دون استمزاج رأي الأهالي، مع العلم أن الرهبنة المخلصية تملك أراضي شاسعة واسعة تمتد من بلدة جون حتى بسابا على شاطئ نهر الأولي تتضمن اقساماً منبسطة وقريبة من معملي جون وبول قرقش لتوليد الكهرباء ومشروعاً لبحيرة بسري، وتبلغ مساحة تلك العقارات ملايين الأمتار وغالبيتها أرض بور بعيدة كل البعد عن القرى والبنيان واستعمالها للصناعة لا يضر بمحيطها.

إن مشروع مدينة صناعية في الجليلية ليس مشروع إنماء، بل مشروع تدمير للبيئة وتهجير الباقي من القاطنين الذين لم يهجروا بعد. فحذار اللعب بهذه المنطقة واستضعافها. كفى منطقتنا دماراً، لم يبق منها شيء بعد الحرب، وكادت تستعيد أنفاسها حتى تأتيها منطقة صناعية لتخطفها بانبعاثاتها السامة.

لذلك نرفض هذا المشروع المبني على مصالح وأرباح رفضاً باتاّ، ضارباً بعرض الحائط طالبين إلغاءه من قلب القرى العيدية، كما نطلب من الغيارى على منطقتنا وقريتنا المحرومة منذ عهود ان يستبدل هذا المشروع بمشروع انمائي يتلاءم مع طبيعة أرضنا وتقاليدنا وتراثنـا وتاريخنا ومحيطنا.