شربل بركات/أبو مارون سالم فاعور دياب

134

أبو مارون سالم فاعور دياب
شربل بركات/28 – تشرين أول – 2016

أبو مارون “فاق التسعون بضع خطوات” ولكني لا أعلم اذا كان “ظلّ يروح ويجيء” كما قال مارون عبود في وصفه لأبي نعوم.
أبو مارون سالم فاعور دياب من الرعيل الذي نشأنا على صوته وطلته وضحكته الرنانة في كل لقاء. فهو من المدرسة التي تميّزت بحب الوطن والافتخار به في كل مناسبة واجتماع. وأبو مارون لم يترك تجمّع يفوته ولا مناسبة تحجبه بل كان دوما بحضوره اللائق وكلمته المعبّرة أول المشاركين في الأفراح والأتراح فكيف إذا ما كانت المناسبة احتفال وطني أو عيد مهم أو استقبال لزائر أو عودة لمهاجر؟..
منذ بدأنا بالسير في صفوف مدرسية كان علينا أن نكون جزءا مهما من زينة الاحتفالات ولو لم نكن نفهم ما يدور؛ ففي الخامس من أيار مثلا، كنا نلبس الثياب الموحدة وننطلق بصفوف متراصة من المدرسة إلى ساحة الشهداء حيث نقف طيلة ساعات، هي مدة الاحتفال، يتبارى خلاله الخطباء بالاشادة بمزايا الشهادة والشهداء وأهمية الدفاع والكرامة، وكان أبو مارون بالطبع أحد هؤلاء الذين يحرّكون المشاعر ويصفّطون الكلمات التي لم نعرف إلا القليل من معانيها، ولكنها بالنسبة لنا كانت اغنية محببة بلغة الضاد التي نسمع بعضا منها في دروس القراءة.
كان ابو مارون بعد عودته من المدرسة في السويدا بجبل الدروز حيث علّم المرحومين ابو صقر والمعلم يوسف، ولا أعلم إذا كان هو معلما يومها أو تلميذا، كان انتسب إلى حزب الكتائب كأغلب ابناء عين إبل وصار يتقدم بالبلاغة وفن الخطابة التي برع فيهما أمثال الياس ربابة ولويس ابو شرف وادمون رزق وغيرهم، وعلى خطى هؤلاء تبنّى أبو مارون الخطابة بصوته الجهوري ولهجته المميزة وعباراته التي كان بنتقيها من معاجم اللغة ويركبها متراصة متجانسة مع قواعد سيبوييه. وكنا نستهوي النغم الذي تنطلق به عباراته والذي يشتد قوة عند بلوغه عبارات الوطن والعزة والكرامة وقد رسم لنا فيها صورة متجسدة للعنفوان. فأي أربعين لم يكن لأبو مارون فيه كلمة إذا لم يكن هو نفسه عريّف الحفلة وأي عيد تم بدون أن تزينه تحفة من تحف أبي مارون.
وأبو مارون كان الولد الوحيد في العائلة بالاضافة إلى شقيقتيه شاكرة وتريز وقد ورث عن والده المخزن والبيت الذي بناه بقرب الكنيسة وكل الأراضي بخاصة ما كان جمعه الوالد بالشراء والمبادلة في الضهور ليصبح من أكبر الملاكين في البلدة. وقد تربى ابو مارون بالعز والوفرة في بيت والده الذي مارس التجارة والتي كان تعلّمها في الولايات المتحدة وجعلته يعود إلى البلدة مع ثروة، كبعض اترابه، ساعدته على تنفيذ مشروعه. ولكن ابو مارون، وبعد أن كسدت التجارة المحلية بسبب تغيير الظروف، حاول تحديث المزرعة بنقب الأرض وتجليلها فوقع بالدين قبل أن ينتهي المشروع ما جعله يهاجر، كما الوالد من قبله، ولكن إلى الخليج هذه المرة ويعمل في مشروع زراعي تنفذه شركة فرنسية ما أعطاه امكانية استعادة الأرض والاستمرار بتكملة الحلم ولو جزئيا.
يغادرنا ابو مارون اليوم ونحن بصدد بناء منارة جديدة لأم النور فوق مزرعته وبيته في الضهور حيث حلم والده من قبله أن ترتسم حدود الكرامة والفخر وتبقى لعين إبل عزتها. وقد كان تخلى عن البيت بقرب الكنيسة ليكون أقرب إلى الأرض التي أحبها وحاول أن تكون هي راس ماله ومصدر العيش الكريم وحاضنة الجذور.
فإلى زوجته وأبناءه وابنته وعيالهم وخاصة الحبيب مارون وإلى شقيقته تريز وأبناء شقيقته شاكري وإلى بيت فاعور والعائلة الكبرى عائلة دياب وإلى كافة أبناء عين إبل في العالم أجمع نتقدم بالتعزية طالبين من الله عز وجل أن يسكنه فسيح جناته…