مقالة رائعة ومعبرة جداً للصحافي عقل العويط وبأسلوبه الساخر المميز عنوانها:ماذا سيفعل الرئيس العتيد بحاشيته الأكولة؟

2103

ماذا سيفعل الرئيس العتيد بحاشيته الأكولة؟
عقل العويط/النهار/28 تشرين الأول 2016

سنفترض أن الأمر قُضِي في الانتخاب الرئاسي المنتظَر. هذا محض افتراضٍ ليس إلاّ. وعليه، فقد كان ينبغي للترويض – تُطلَق عليه تعابير من مثل الترهيب والتركيع والترويع والابتزاز والإذلال – أن يصل إلى أقصاه، من أجل تأمين النصاب، وإحراز الأكثرية المطلوبة. الآن، بات في مقدور المهنّئين أن يتوافدوا، ومن الأفضل، بل من المستحسن، أن يكونوا زرافاتٍ زرافاتٍ، لا وحدانا، من أجل الالتحاق بالركب، وترتيب العراضات الشعبية، وتظهير الولاء، وإعلانه جهاراً، مبرمَجاً بأرتال الوفود، وأسرابها، و… مستحقّاتها.

التهنئة ستكون للحاشية، أكثر منها للرئيس. هي الرابحة الوحيدة في هذه التجارة. وعليه، يجب أن تتوجَّه الأنظار والقلوب والمهج إليها، وستقدَّم إليها دفاتر العروض وفروض الطاعة. هذه حقيقةٌ بديهيةٌ في “السياسة” عندنا، فكيف لا تكون بديهيةً مع “سياسة هذه الحاشية” بالذات. المتحسّرون يجب أن يتحسّروا طويلاً، وعميقاً. ويجب أن يضربوا أخماساً بأسداس. في مقّدم هؤلاء المتحسّرين، يجب تعداد المعترضين الذين رفضوا أن يلينوا مع الرياح. هؤلاء، سيذهب اعتراضهم هباء، ولن ينفع في شيء. المعارضة، في نظامٍ كالنظام اللبناني، تعني – للأسف – عدم مشاركة المعارضين في اقتطاع قسمٍ من قالب الجبنة، وإنما الاكتفاء بمراقبة عملية الالتهام… بالنظر.

كم كان ليكون فريداً من نوعه لو أن أهل الطبقة السياسية تركوا في هذا النظام، مكاناً ضيّقاً، لكنْ كريماً (من الكرامة)، يتسع للقلائل الذين لا يريدون الانضمام إلى مفهوم القطيع، لأنهم يرفضون الفلسفة القطيعية. هؤلاء سنعيّرهم بعد قليل بأنهم “مدنيون”، ومَن أراد التشفّي سيعيّرهم بأنهم قصيرو النظر في تدارك “قالب الجبنة”، وبأنهم طفيليون. على كلّ حال، لا يجوز في مثل هذه الأحوال الدقيقة، استخدام بعض الأمثال الشعبية، لأنها لا تليق بالمقامات، وقد تنطوي على قلّة احترام، وأحياناً على بذاءة.

 تأملوا مثلاً القول السائر: القافلة، قافلة الانتخاب الرئاسي، تمرّ و(…) تعوي. اللهمّ نجِّنا من قولٍ مشينٍ كهذا.

يوازيه في الوزر والوطأة والإذلال، قول الحريري القائل، عندما أراد تبليع مؤيديه هذه التسوية، إنه إنما هو يضحّي بمكانته ومصالحه ونفوذه من أجل لبنان، وردّ السيّد نصرالله القائل: نضحّي كثيراً بالقبول بالحريري رئيساً للحكومة!

نِعم هذه التركيبة الذليلة، المهينة، الرخيصة، لكن الملأى بالغلال الوفيرة، لمَن يتحرّق الوصول إلى زمن القطاف والحصاد، بعد طول كسادٍ وانتظار!

يقول القائلون إن إيران هي التي ربحت عندنا، وفازت بعملية استكمال الهلال، عبر انتخاب هذا الرئيس. مبروك للفائزين.

هذا في السياسة الإقليمية.

أما في السياسة المحلية فالزمن يجب أن يكون زمن الحاشية بامتياز.

علينا أن نعي تماماً المعنى والدلالة والمفاعيل.

فبعد أيام، لا بدّ أن تصعد الحاشية، ومَن ينضمّ إليها، إلى القصر، فتصير هي القصر، وهي سيّدة القصر، وهي الحكومة، وتصير هي السلطة، بالتوافق والتراضي. وستصير هي المعنى والدلالة والمفاعيل.

الواجهة الرئاسية أساسيةٌ ومهمةٌ بالتأكيد، لكن الحاشية التي تقيم في الكواليس، وتدير الأوركسترا، هي الأهمّ.

لا أحد في مقدوره أن يستشرف آفاق الدور الحقيقي الكامل الذي ستضطلع به هذه الحاشية.

هل نعرف كيف “ستنتقم”، وتفشّ كربتها، وتشفي غليلها، وتشبع جوعها المزمن إلى السلطة؟

هل نعرف على مَن سترسو مناقصاتها، كلّ مناقصاتها؟ أقول المناقصات، وأقصد أوّلاً بأوّل، المناقصات في مسألة تركيب الحكومة، وتوزيع الحقائب “السيادية” والحقائب الاقتصادية و… التنفيعية. وأقصد مناقصات قانون الانتخاب (هل سيكون عندنا قانون جديد للانتخاب؟!)، ومناقصات كيفية تركيب مجلس النواب العتيد.

ألا ينبغي، والحال هذه، أن نكشف النقاب أمام “الرأي العام”، الآن وفوراً، عما ستؤول إليه مناقصات الغاز البحري، والبترول، والكهرباء، والنفايات، والمجارير، والمياه، والسدود، وأهراءات المرفأ والمطار، ومشاريع الأشغال العامة، والبنى التحتية…؟

الحفلة ستبدأ بعد قليل.

لبنان هو الذي سيكون في هذه المناقصة العلنية المشهودة. سيشرف على هذه المناقصة، أهل الحاشية، المعلومون وغير المعلومين، المنظورون وغير المنظورين.

وسيكون المشهد جدياً للغاية، وعبثياً للغاية، ومضحكاً للغاية، في الآن نفسه.

وسنسأل بالطبع عن مشاريع التغيير والإصلاح، وعن النزاهة في الحكم، والنظافة في الكفّ، وإعادة أموال الدولة إلى الدولة.

وسنسأل عن اتفاق الطائف، وإعادة التوازن إلى السلطة، واستعادة حقوق المسيحيين.

وسنسأل عن شعارات 14 آذار، وعن شعارات 8 آذار، وعن ثورة الأرز، وعن الاستقلال الثاني، وعن جنود “سوريا الأسد” في لبنان، وستكون الأجوبة جاهزة، ومرتّبة، ومكتوبة على الدفاتر، ومرقّمة. كل شيء مضمون، ومفكَّر فيه. بالقلم والورقة.

الحاشية هي الحاشية، وفي “لسان العرب” و”محيط المحيط” تفسيراتٌ جمّة. من مثل: جانب الثوب. هل سيقول لنا أحدٌ ماذا يعني “جانب الثوب” في هذه التسوية الرئاسية، وماذا تعني الحشوة التي فيه؟

هل ستكون هذه الحشوة منتفخةً ومنفوخة، أم ستكون رقيقةً وخاليةً من العيوب و… السرقات؟

نعرف ماذا تقول المعاجم والكتب في متونها، لكن هل في مقدور أحد أن يضمن ما يُعلَّق على حواشي الكتب من الشروح والزيادات و… الملحقات؟!

نعود إلى الحاشية، وهي “أهلُ الرجل وخاصّتُه وناحيتُه وظلُّه”.

الرجل معروف، فهو الرئيس أو الملك أو السيّد، أو مَن شابَهَ هؤلاء.

لكن “الأهل”، مَن هم الأهل؟ ومَن هم “الخاصة”؟ و”الناحية”، ما هي الناحية؟ و”الظلّ”، مَن هو الظلّ… في هذه التسوية؟

فلننعم النظر قليلاً أو جيّداً في المشهد. نرى في الـ”زوم إنْ”، “شعب لبنان العظيم”، ومَن يُداخله من الحاضنين والمؤيدين. ونرى أيضاً “خاصّة الرجل”، وهم الخلّص الذين ظلّوا إلى جانبه في أوقات المحنة.

وسنرى الانتهازيين الذين قفزوا إلى القطار في منتصف الطريق، ولِمَ لا في آخره. هؤلاء، كيف سنكافئهم؟ وبماذا؟

لكن، من المهمّ خصوصاً، أن نتعرّف إلى “الظلّ”.

هل هو ظلّ الرجل، أي خياله، أم هو بديله؟ وأيّ دورٍ هو له؟ هذا “الظل” العظيم الذي سيكبر، ويتمدد، في الليل أكثر منه في النهار، مَن سيحجّمه في هذه المعمعة الرخيصة، ويعيده إلى قياسه الطبيعي؟

نستحضر صور الحاشية في بلاطات الملوك وقصور الرؤساء، فلا نعثر إلاّ على وثائق الصفقات والخيانات والدسائس والاقتصاصات والانتقامات والتنفيعات والسرقات وعمليات النهب المنظّمة، وحكايات الفضائح ونوادرها غير المشرّفة.

نرجو أن لا تكون حاشية العهد العتيد على هذه السويّة من الذكريات والصور.

فؤاد شهاب، وحده من بين الرؤساء، لم يتخذ لنفسه حاشية.

هل يمكننا أن نرتجي شيئاً مماثلاً؟! ليس للرجاء والارتجاء أيّ فاعلية في هذا المجال.

نريد أن نعرف ماذا سيفعل “الرجل” بهذه الحاشية الأكولة التي تتحرّق للصعود إلى القصر، والاستيلاء عليه؟

سنفترض أن الأمر قُضِي في الانتخاب الرئاسي المنتظَر. وما دمنا في الافتراض، فسنطلب من “الرجل” الذي في القاموس، أن “يحجّم” “أهله وخاصّته وناحيته وظلّه”، أي أن يعيدهم إلى أحجامهم الطبيعية (هل نتذكر ضفدعة لافونتان؟!)، ويرفع الحدّ بينه وبينهم، ويبقيهم عند هذا الحدّ.

أما الرئيس العتيد فسنخاطبه بهذا الخطاب، من أوّل الطريق، لا من آخره: إيّاك والحاشية، ظاهرها والبطانة.

هذا، إذا كان فخامة الرئيس يريد أن “نترحّم” على عهده، وعليه، بعد عمرٍ مديد.

وهذا إذا كان يريد أن يذكره التاريخ بالخير والاحترام والتقدير… لا أن يرميه بحجارةٍ من سجّيل، وبطيرٍ أبابيل!