عبدو شامي: الحريري في مراجعته: أنا المسؤول عن بطولاتي التي لم تقدِّروها

1614

الحريري في مراجعته: أنا المسؤول عن بطولاتي التي لم تقدِّروها
عبدو شامي
12 حزيران/16

فجأة، وجد نفسه خلف المِقوَد، ظن أن الوراثة تشمل رخصة قيادة لا يحمِلها، وضع المفتاح، أدار المحرِّك، وقاد بطريقة متهوِّرة؛ دخل في منعطفات كثيرة يمينًا ويسارا بسرعة جنونية استجابة لأوامر خارجية دون إعطاء إشارة مسبقة بل بعد أن أوهم مَن معه ومَن خلفه أنه ماضٍ الى الإمام على الوعد والعهد. كثرت اصطداماته وارتفعت حصيلة ضحايا قيادته الطائشة. استخفّ بالركاب، فرَّ من البلاد مفضِّلا ممارسة هواية قيادة السيارة عن بُعد عبر التويتر والسكايب والفيسبوك! قُبيل موعد تقرير “الخبير الشعبي” لبيان مسؤوليته عن حوادث القيادة المتهوِّرة عاد الى البلاد ليثبت وجوده أمام من نَسِيَه ويستنهض دعم ضحاياه. صدر قرار الخبير بنهاية أيار2016، غضبٌ عارم من تلك القيادة المتهورة وتمرُّد عليها: إدانة مزلزلة من خبير طرابلس بنسبة 85% وإدانة معبرة جدًا من خبير بيروت بنسبة 40%، مرورًا بإدانات متفرقة في بلديات أقل تأثيرًا أهمها 100% في سير-الضنية. أمام إدانة الخبير أطل القائد المتهوِّر من شبّاكه ليقول بوقاحة: نعم، أنا المسؤول عن كل ما حدث، غير أن تقرير خبيركم لن يجعلني أغيّر طريقتي في القيادة، وكل ما دخلته من منعطفات رغم ما نتج عنها من حوادث كان للسلامة العامة، وكان إما لحكمة جَهِلْتُمُوها أو لمصلحة لم تُحسِنوا إدراكها. نعم، أنا المسؤول عن بطولاتي التي لم تقدّورها أيها السفهاء!!

قصة قصيرة أعترِف للأمانة الصحفية أنها ليست من بنات أفكاري إنما استوحيتها من الرئيس سعد الحريري في 11/6/2016 يوم ألقى خطاب “المراجعة الشاملة” بعد نتائج الانتخابات البلدية التي لقّنت تيار الحريرية درسًا أليمًا ستنساه بالتأكيد لأنها كابرت واستكبرت باعتماد أسلوب التبريرات الواهية والكذب على الذات، بل وحوّلت بحبكة مدروسة أخطاءها الى حِكَم مخفية ومصالح وطنية وبطولات! وكانت لافتة خدعة مَنح “العِصمة” للحريرية السياسية عبر تعمُّد تسميتها بـ”الحريرية الوطنية” بعد أن فنّدت أخطاءها المقالات وكشفت زيفها الانتخابات. هذا ما اختصره الحريري بقوله: “أنا مسؤول مسؤولية كاملة عن المسار السياسي للتيار وللحريرية الوطنية منذ تسلّمي زمام القيادة بعد اغتيال الرئيس الشهيد الى الشوط الأخير من الانتخابات البلدية(..). ثمن غيابي عن بيروت كان باهظًا جدا (..)، لكن ثقوا أن تيار المستقبل لن يتأثر بعواصف الفناجين وسيبقى صامدا في وجه الريح يمسك قراره بيده، ولا يتأخر عن حماية لبنان”. “ما من شيء في هذا العالم يمكنه أن يستقوي على تيار المستقبل”!

هل نحن أمام “جنون العظمة” وإن كان من فعلاما يكون؟! هل نتائج الانتخابات البلدية مجرد “عواصف فناجين” أم تأجُّج وثوران براكين؟! لقد تجرّأت في هذا العالم فئة من أحرار الشعب اللبناني انتفضت لحريتها وكرامتها ودماء شهدائها، تجرّأت على الاستقواء على تيار المستقبل ومن حالفه فقالت في الصناديق حيث يمكن للصوت أن “يُوَدَّي”: “لاء، مش زي ما هي، زي ما نحنا بدنا ياها تكون”.

تابع الحريري مراجعته التكبرية والتنكرية للواقع والحقيقة والنتيجة، فعدّد مراحل عديدة من تنازلاته المخزية ليكشف لنا أنها بطولات! فهو مشى باتفاق الدوحة (أي وافق على منح الحزب الإرهابي المزيد من السيطرة على الدولة) كي لا يتحول تيار المستقبل الى ميليشيا مسلّحة! مضيّه في اتفاق الدوحة كان سبب وصولنا الى انتصار 2009 النيابي! تطييره الانتصار بتشكيله حكومة وحدة وطنية وبالثلث المعطل (الذي أسقط الحكومة فيما بعد) كان لتجنب التعطيل! مضيه في معادلة ال س.س (أي رهن لبنان للسعودية وسوريا وهدر دماء الشهداء) كان “الغرض منه مصلحة لبنان ولأنه على ثقة أن السعودية لا تريد إلا الخير”. ذهب الى سوريا ونام في قصر الأسد وجال معه بسيارته في شوارع الشام وتناول السحورات الرمضانية… “كي أفتدي بكرامتي الشخصية الهدف العربي النبيل”. مضيّه في ال س.س رغم تداعياتها القاتلة على تحالف المرحومة 14آذار كان من أجل “كشف كذب بشار الأسد وحلفاؤه”! وكان أيضًا استجابة لإلحاح السعودية وأوباما وساركوزي الذين تمنوا عليه أن “لا تقف مشاعره الشخصية في وجه وعود بشار الأسد لنا بالانفصال عن إيران”! وهل للسياسة الصهو-أميركية أن تتخلى عن خدمات بشار وإيران؟! لكن الحريري بريء بريء، فكلهم عادوا واعترفوا له بحكمته وقالوا له بعد أن أحكم الحزب قبضته على لبنان: “والله كان الحق معك ويا ليتنا سمعنا منك”. قبوله من لاهاي بحكومة ائتلافية مع الحزب (أي بتغطية احتلاله لبنان وإرهابه في سوريا) كان “من وحي ثوابت ثورة الأرز وحماية للاعتدال والعيش المشترك وقيم العبور الى الدولة”!! حواره مع الحزب كان “لضبط الاحتقان المذهبي”. اغتيال 14 آذار عبر ترشيح فرنجية للرئاسة كان “فقط لكي نكسر الحلقة المفرغة من دون نتيجة حتى الآن”. “أخلاقنا، مدرستنا، مسؤوليتنا الوطنية، خوفنا على البلد وأهلنا، فرضت علينا كل هذه الأمور”.

هو خطاب تجاهل تصدّع جدران البيت الأرزق والتعامي عن بداية انهياره على رؤوس أصحابه، الشعب بدأ يحاسب، “لبنان أولا” خشبة الخلاص و”السعودية أولاً” سبب الغرق.