خيرالله خيرالله: مسرحية في تدمر/روزانا بومنصف: تجارب الماضي القريب لجمت التهليل السريع وتساؤلات عن إمكان محافظة النظام على تدمر

176

مسرحية في تدمر
خيرالله خيرالله/العرب/30 آذار/16

مثلما سيطر “داعش” على تدمر قبل سنة، خرج منها بعد سنة. إننا أمام مسرحية شهدتها تدمر تدلّ مرّة أخرى، إن دلّت على شيء، فعلى مدى التواطؤ القائم بين النظام السوري والمجموعات الإرهابية التي تُعتبر جزءا لا يتجزّأ من تركيبته ومن ممارساته. يسعى النظام السوري حاليا إلى الترويج لانتصار تحقّق بفضل الدعم العسكري الروسي والميليشيات المذهبية التي وضعتها إيران في خدمته. لا يعرف هذا النظام أنه سقط منذ فترة طويلة وأنّ وجوده الشكلي عائد إلى رغبة في الانتهاء من سوريا التي عرفناها، والحاجة إليه في تحقيق هذه الرغبة. وهذا هدف روسي- أميركي- إيراني- إسرائيلي في الوقت ذاته.
انسحب “داعش” إلى الرقّة ودير الزور تحت أنظار الذين يدَّعون أنهم يشنون حربا عليه. هل كان صعبا على الطائرات الأميركية تحديد خط سير القوافل التي كانت تقلّ عناصر “داعش” المنسحبة بانتظام من تدمر؟ كانت كل قافلة تضمّ العشرات من السيارات، التي يسهل كشفها ليلا ونهارا، لكنّ الواضح أن ليس هناك من يريد رؤية “داعش”، خصوصا أولئك المتواطئين معه، من الذين يريدون خلق انطباع، بين حين وآخر ومتى تدعو الحاجة، بأنّ النظام السوري قادر على تحقيق انتصارات على شعبه… وأنّه يحارب الإرهاب فعلا! حسنا، عاد النظام إلى تدمر. ما الذي سيفعله غدا؟ مرّ يوم غد، ماذا عن اليوم الذي بعده؟
دخلت سوريا لعبة جديدة. هل دخلت الفصل الأخير من اللعبة ذات الطابع المأساوي أكثر من أيّ شيء آخر؟ هل ما نشهده اليوم هو الفصل الأخير، أم لا تزال هناك فصول أخرى تحتاج لاعبين آخرين ما زالوا بعيدين عن المسرح مثل تركيا، على سبيل المثال وليس الحصر؟
أعاد الروس النظام إلى تدمر بالتفاهم مع “داعش” الذي لم يكن، في مرحلة معيّنة، سوى حجة لتبرير التدخل العسكري لموسكو. كانت تلك العودة إلى تدمر، التي ترافقت مع غارات شنتها طائرات “سوخوي”، دليلا على أن الانسحاب العسكري الروسي لم يكن سوى انسحاب جزئي وأن هناك أهدافا محددة تسعى روسيا إلى تحقيقها بالتفاهم مع الولايات المتحدة وإيران… وإسرائيل طبعا.
ليس سرا، في موازاة عودة النظام إلى تدمر، أنّ الأكراد بدأوا يمارسون الحكم الذاتي في مناطق معيّنة من الشمال السوري. هناك على سبيل المثال صورة عن “إيصال قبض” صادر عن “الإدارة الذاتية الديمقراطية” في “مقاطعة عفرين- سوريا”. يتعلق الإيصال بمبلغ قبضته الإدارة الذاتية الكردية عن طريق “هيئة المالية- إدارة الجمارك”. هل هذه سوريا الجديدة في ظلّ التدخل العسكري الروسي وتفاهمات جون كيري- سيرجي لافروف والغطاء الذي توفّره الأمم المتحدة عن طريق رجل العلاقات العامة الذي اسمه ستيفان دي ميستورا… أو عن طريق بان كي مون الأمين العام للمنظمة الدولية الذي لم يتردد في الإشادة باستعادة النظام لتدمر؟
كذلك، لم يعد سرّا أن التسوية في سوريا تسير في اتجاه محدد يقوم على تقسيم البلد بما يتلاءم مع مصالح أطراف عدة يهمّها الانتهاء من نظام الأسد الذي أدّى المهمة المطلوبة منه في عهديْ الأب والابن، بل منذ كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع ابتداء من العام 1966 وإشرافه على تسليم الجولان، تسليم اليد، إلى إسرائيل.
لعب النظام كل الأدوار المطلوب منه أن يلعبها، بما في ذلك حماية إسرائيل طوال نصف قرن. شملت هذه الأدوار التدمير الممنهج للبنان ونقل سوريا إلى نظام الحزب الواحد، وهو حزب البعث، وذلك لتأمين الهيمنة العلوية على البلد، وصولا إلى هيمنة العائلة ابتداء من العام 2000، حين ورث بشّار الأسد سوريا عن والده.
ما الذي يمكن أن يتضمنه الفصل الأخير من اللعبة السورية؟
من الواضح أن الإدارة الأميركية تفاهمت مع فلاديمير بوتين على أن لا مستقبل في سوريا لبشّار الأسد. لكن الأميركيين أعطوا الروس الضوء الأخضر الذي يسمح لهم باختيار اللحظة المناسبة للقول للأسد الابن أن عليه أن يرحل. مثل هذا القرار المتروك لموسكو يأخذ في الاعتبار المصالح الروسية أوّلا. هناك اعتراف أميركي صريح بوجود هذه المصالح الروسية في سوريا. كيف ستستخدم موسكو هذا الاعتراف الأميركي؟ الجواب، بكل بساطة، هل هناك من هو مستعد لدفع الثمن الذي يريده فلاديمير بوتين في مقابل رأس الأسد الابن؟ الثابت أن روسيا التي تعاني من أزمة اقتصادية عميقة ستعمل من أجل رفع أسعار النفط والغاز التي تبقى مسألة حياة أو موت بالنسبة إليها. هذا لا يمكن أن يحصل من دون تفاهم مع المملكة العربية السعودية القادرة على لعب الدور الأساسي في هذا المجال. هل يحصل مثل هذا التفاهم السعودي- الروسي عندما يزور الملك سلمان موسكو قريبا؟
وحده الشعب السوري الذي لم يتوقف عن تقديم التضحيات، يبدو قادرا على قطع الطريق على بوتين الذي يتبين، كل يوم، أنه يمارس لعبة تفوق حجم روسيا وقدراتها
استعادت القوات التابعة للنظام تدمر أم لم تستعدها، مثل هذا التطور لا يقدّم ولا يؤخّر. هناك فصل أخير من المأساة السورية في حاجة إلى عملية إخراج لا تزال في انتظار بعض اللمسات الضرورية، علما أن ما لا يمكن تجاهله في أي شكل هو ذلك الإصرار لدى الشعب السوري على أن تكون له الكلمة الأخيرة له في شأن مستقبل البلد. مرّة أخرى، فاجأ الشعب السوري المتعاطين بأزمة البلد عندما نزل إلى الشارع، مؤكّدا أن رحيل بشّار الأسد لا يمكن أن يكون موضوع مساومات. في كلّ يوم جمعة يؤكّد السوريون، عبر التظاهرات السلمية، أنّهم ما زالوا في قلب المعادلة. إنّهم الحلقة الأساسية في المعادلة. من الصعب أن يقبل السوريون بعد كل هذه التضحيات أن يأتي من يقرر عنهم مصير بلدهم وأن يبيع ويشتري على حسابهم وعلى حساب الدماء التي بذلوها.
من سيتولى دور المخرج للفصل الأخير من المأساة السورية؟
ترك الأميركيون المسألة لفلاديمير بوتين القادر على التنسيق مع إسرائيل وإيران والتحكّم بالنظام وما بقي منه وبالعلاقة القائمة بين النظام و”داعش”. ليس معروفا إلى أي حدّ يمكن تجاهل السوريين العاديين الذين ما زالوا متمسّكين بوحدة الكيان والذين فاجأوا العالم قبل خمس سنوات بثورة عارمة حقيقية على نظام لم تكن لديه رغبة في يوم من الأيّام سوى تحويلهم عبيدا لديه… بتواطؤ أميركي- روسي- إيراني- إسرائيلي، وحتّى عربي للأسف الشديد. وحده الشعب السوري الذي لم يتوقّف عن تقديم التضحيات، يبدو قادرا على قطع الطريق على بوتين الذي يتبيّن، كلّ يوم، أنّه يمارس لعبة تفوق حجم روسيا وقدراتها. لو كان لروسيا الحجم والقدرات التي يتخيّلها بوتين… لكان الاتحاد السوفياتي لا يزال حيّا يرزق!

تجارب الماضي القريب لجمت التهليل السريع وتساؤلات عن إمكان محافظة النظام على تدمر
روزانا بومنصف/النهار/30 آذار 2016
بدا سياسيون لبنانيون كثر حذرين في التعليق على استعادة النظام السوري مدينة تدمر بمساعدة مباشرة من القوات الروسية، على رغم ان هذه الهدية التي قدمتها روسيا الى النظام تعزز آمال بعض الأفرقاء في لبنان لجهة إمكان تحسين أوراقه وتعزيز موقعه، وهو ما يمكن ان ينعكس على وضعهم سياسيا ايضا في لبنان. وقد رافقت هذه الاستعادة مؤشرات يبني عليها النظام وحلفاؤه ايضا الكثير، على غرار زيارة وفد نيابي فرنسي يفترض انه للتضامن مع المسيحيين في سوريا، فصار لقاء مع بشار الاسد لتمييزه عن تنظيم “الدولة الاسلامية” في معرض المفاضلة بينه وبين التنظيم وضرورة إعادة اوروبا النظر في علاقاتها مع النظام. وهذا الأخير كان ليعطي زيارة الوفد النيابي الفرنسي حجما كبيرا لولا ان استعادة تدمر استأثرت بواجهة الاهتمام، علما أن الوفد، وإن لم يكن معبرا عن السياسة الفرنسية الرسمية للرئيس فرنسوا هولاند، إنما يعطي مجالا ليستفيد النظام من هذه الخطوة ويوحي للرأي العام الفرنسي أنه من الافضل ان تعود فرنسا للتنسيق مع الاسد في ظل ضيق الخيارات المتاحة، بعدما وصل الارهاب الى قلب أوروبا. وهذا يفيد روسيا في مكان ما في ظل استمرار دفاعها عن الاسد ورفضها اشتراط رحيله في الوقت الراهن، علما أن التفجيرات الارهابية في بروكسيل اخيرا ربما تساهم في الوصول الى هذه الخلاصات رغبة من الدول الاوروبية في وضع حد لتدفق اللاجئين من جهة، وإقفال باب الارهاب من جهة أخرى على رغم ان القضاء على “داعش”، في ظل بقاء الاسد وفق رأي كثر، سيساهم في عودة “الدواعش” الاوروبيين الى بلادهم على نحو أكثر من أي وقت مضى، ولن ينهي أزمة سوريا أيضا. وقد بدت تصريحات النواب الفرنسيين ساذجة في نقل استعدادات الأسد للانفتاح وإعطاء حيز للمعارضة في ضوء ما كلفت الحرب التي يشنها النظام منذ خمس سنوات من أجل خطوات كان يمكن القيام بها من دون اي كلفة بشرية او مادية هائلة لدى بدء الانتفاضة ضده، ولم تعد تكتسب القدرة على توفير إعادة السيطرة راهنا أو في المستقبل كما كان سيكون مفعولها من قبل. لكن هذا لا يمنع في الوقت نفسه من أن يجد هذا المنحى صدى لدى الرأي العام الاوروبي، انطلاقا من المخاوف التي تسبب بها الإرهاب الذي يساهم في قلب الامور رأسا على عقب.
الحذر الذي يرافق مواقف السياسيين اللبنانيين في موضوع تدمر يرتبط أساسا بواقع التريث في الاندفاع في اتجاه حسم الربح او الفوز، ولو ان خطوة استعادة تدمر تسجل تحت هذا العنوان بعدما أثبتت تجارب السنوات الماضية تهورا في القفز سريعا الى استنتاجات، بناء على انتصارات محدودة أو معينة سرعان ما ذوت أو تراجعت في ضوء تطورات معينة، أو كون هذه الانتصارات أتت في سياق معين وليست هدفا في ذاته. فثمة أسئلة تطرح، وفق مصادر ديبلوماسية، قد يكون أبرزها هل يستطيع النظام أن يحافظ على تدمر، أي أن يكون يملك من القوات السورية ما يكفي للابقاء عليها تحت سيطرته وعدم فقدانها استنادا الى ان النقص في هذه القوات وعدم قدرتها على المواجهة المستمرة وضعت “حزب الله” وسائر الميليشيات الشيعية الداعمة له في وضع متقدم؟. فالسؤال يستتبع ضرورة معرفة إذا كانت روسيا ستواصل الاشراف على بقاء تدمر تحت سيطرة النظام وما ستكون الخطوة التالية لروسيا في هذا الاطار، ام ان الامر سيقتصر في سوريا على ما قامت به القوات الاميركية في مساعدة القوات العراقية في استعادة بعض المناطق من “داعش” في انتظار خطوات وعدت الحكومة العراقية باتخاذها وعجزت عن ذلك. ولا تزال الامور تراوح مكانها في العراق من دون القدرة على التخلص من “داعش” على نحو جذري ولا التقدم في الحل السياسي ايضا، على رغم ان ايران حاضرة في العراق كما هي في سوريا. فباستثناء التهانئ التي وجهها الرئيس فلاديمير بوتين الى نفسه بالنيابة عن النظام السوري واتصالاته بدمشق وطهران التي بادرت ايضا الى تهنئة الاسد، فإن الحذر كان سيد الموقف في موضوع استعادة النظام السوري مدينة تدمر. فهناك رغبة قوية في استعادة المدينة من تنظيم “الدولة الاسلامية”، لكن ليس لمصلحة النظام، وهناك تحفظ كبير واستياء من الهدية التي قدمها بوتين للاسد ومحاولة استكشاف مراميها وهي خطوته التالية، على رغم أن الخطوة كشفت مدى تضخيم الدعاية في شأن التدمير الذي حصل للمدينة لدى سيطرة “داعش” عليها، والتي كانت لعبة مهمة مارسها النظام ليكسب تعاطف الخارج، ولا يزال، بحيث تبين أن التدمير لم يكن بالمقدار الذي تم الترويج له من جهة، كما أحرج الغرب الذي لا يمكنه إلا الترحيب بدحر “داعش” عن المدينة، مع تحفظه عن استعادتها من النظام من جهة أخرى.
والى الغموض في شأن ما يرمي اليه الروس من هذه الخطوة وكيف سيضمنون قدرة النظام على المحافظة على المدينة، ثمة تساؤلات غير واضحة في طبيعة ما يتجه اليه الروس والاميركيون في ضوء اتفاقهم على المفاوضات السورية السورية في جنيف. فهل الخطوة الروسية هي من خارج الاتفاق او التفاف عليه وتاليا التفاف على المفاوضات بحيث تنتزع من المعارضة اي اوراق في شأن الانتقال السياسي.