الكولونيل شربل بركات/الجنرال أنطوان لحد

5912

الجنرال أنطوان لحد
بقلم/الكولونيل شربل بركات
12 أيلول/15

 يغادرنا اليوم اللواء أنطوان لحد الذي غاب عن الاعلام منذ الإنسحاب الإسرائيلي من الجنوب سنة 2000 وهو كان قاد جيش لبنان الجنوبي مدة 16 عاما وشغل خلال هذه المهمة جزءا كبيرا من هذا الاعلام.

اللواء لحد أحد الضباط اللبنانيين الذين عملوا بصمت وبدون ضجيج طيلة خدمته العسكرية في الجيش اللبناني وكان تخرج سنة 1952 وشغل في عهد الرئيس كميل شمعون منصبا مهما في المخابرات، ولكنه مع استلام الرئيس فؤاد شهاب الحكم أبعد عن العاصمة ليخدم في كافة المناطق اللبنانية متدرجا في الرتب والمناصب والمهمات حتى قيادة منطقة وكان قائدا لمنطقة الجنوب والبقاع والشمال تباعا في ظروف غير عادية. وعندما دخل السوريون إلى البقاع وكان يومها قائد منطقة البقاع سلم الامرة للرائد شاهين قائد ما سمي “بطلائع جيش لبنان العربي” بطلب من اليرزة وانسحب إلى القيادة التي عينته في صربا ليشكل من بقايا الجنود والضباط مع مساعده الرائد ابراهيم طنوس لواء جديدا استمر بتحمل مسؤولية ومشاكل المرحلة الدقيقة يومها. ويوم أختير العقيد طنوس لقيادة الجيش رقي هو إلى رتبة لواء وأحيل على التقاعد كونه لا يعقل أن يخدم تحت امرة مساعده.

 اللواء لحد، الذي كوّن أفضل العلاقات وكسب احترام الجميع في تنقله بين المناطق اللبنانية كافة وتعاطيه مع مختلف الشرائح التي شكلت النسيج الوطني مدة خدمته الطويلة، لم يقدر أن يقف متفرجا بعدما رفض السوريون الاتفاق الذي ينظم انسحاب إسرائيل لا بل عادوا لضرب التعايش اللبناني وفرضوا حربا جديدة هجرت الجبل (مسقط رأسه) بأهله واسقطت العاصمة تحت أنظار القوات المتعددة الجنسية التي كانت تمثل العالم الحر، بينما بدأت إسرائيل تنسحب بدون اي تنسيق يحمي المواطنين ويمنع المجازر والتهجير.

 عندما اختير الواء لحد ليشغل قيادة جيش لبنان الحر بعد وفاة الرائد سعد حداد كان أول ما قام به تغيير اسم الجيش إلى جيش لبنان الجنوبي لأنه لم يكن لديه طموحات تحرير أو توسع بل حدد مهمته بتنظيم استمرار العيش المشترك في الجنوب وتأمين الدفاع عن مواطنيه إلى أن تقوم الدولة وتهدأ الأمور وتعود إلى مجاريها. لكن الدولة وبعد اتفاق الطائف وبأمر من سوريا، ولكي تبقي ذريعة لسيطرتها وإيران على الطائفة الشيعية والبلد، لم تحل موضوع الجنوب بالرغم من اعلان اللواء لحد موافقته على الطائف والاستعداد لتسليم المنطقة لسلطة الدولة وقيامه بمراسلة الرئيس الهراوي عارضا عليه الحلول.

 اللواء لحد كان رجلا وطنيا حاول بما أمكن التقليل من عناء الناس ونجح بذلك بالرغم من كل ما قيل وبالرغم من البدع التي تجعل من ينسق أمور الناس في منطقة محتلة،عميلا، بينما يسرح العملاء الحقيقيون والمرتزقة لدول تبعد آلاف الكيلومترات وينفذون لها مهمات لا تمت بصلة لشعبهم ووطنهم، هؤلاء الذين لا يعرفون إلا تهديم الوطن ومؤسساته ولا يزالون يضيعون الفرصة تلو الأخرى لقيام الوطن وعودة الاستقرار إليه.

 اللواء لحد لم يحارب خارج المنطقة التي تعهد حمايتها ولم يقم نظاما تعسفيا يرهب الناس، ولا قسم الناس بحسب طوائفهم أو دينهم أو عقيدتهم السياسية بل كان الكل مشاركا في السراء والضراء. وهو حاول، بالرغم من وجود جيش غريب على الأرض، أبقاء مؤسسات الدولة تعمل بانتطام وبدون تدخل. ويشهد له بأنه سمح بأن تدخل بيته فتاة غريبة من المغرر بهم حاولت قتله ثم ما لبث أن أفرج عنها، بينما يسوّق غيره لثقافة قتل الأبرياء ومد اليد واسقاط القيم والاخلاق والعبث بالقوانين والشرائع.

 نودع اليوم رجلا استلم مهمة وحاول الالتزام بها والسير بين “نقط” السياسات الدولية لحماية شعبه ووطنه بينما جيّر الآخرون وطنهم وشعبهم والطائفة لمشاريع اقليمية وأحلام توسعية لم تنجب سوى الدمار والخراب وأنهر الدماء ومسلسل العار المستمر تمثيله بطول المنطقة وعرضها وفي طن الأرز بالذات حيث لم يبق من الأسطورة التي حلم بها كل اللبنانيون ما يقيم بناء أو يستر عرضا أو يحمي طفلا في غابة الأحقاد التي تتخفى بظل الشعارات أو تحتمي بالكتب المقدسة التي هي براء منها.