حسام عيتاني: تسمّم الخطاب/ساطع نور الدين:عن لقاء جده المحيّر/نديم قطيش: صدى بغداد في بيروت

334

تسمّم الخطاب
حسام عيتاني/الحياة/11 آب/15
فاجأ عدد المشاركين الكبير في التجمع الاحتجاجي يوم السبت الماضي في وسط بيروت على سياسات الحكومة اللبنانية في مجالات الخدمات المنظمين والمشاركين انفسهم. فبعد أعوام من انحسار اعداد المستعدين للوقوف ساعات قليلة للتعبير عن موقف من قضية عامة، الى بضع مئات، ارتفع العدد الى آلاف عدة. لا يضاهي الرقم التقديري للذين نزلوا الى ساحة الشهداء الارقام التي تجذبها مهرجانات وخطابات وإطلالات زعماء الطوائف وقادة التيارات المكرسة، لكنه يقول شيئاً عن درجة الاحباط والاحتقان السائدة في اوساط اللبنانيين الذين يرون اوضاعهم المعيشية تتدهور بين ليلة وضحاها من دون القدرة على وقف التراجع او حث السياسيين (المنتخبين ديموقراطياً؟) على تحمل مسؤولياتهم الأبسط والأكثر بداهة في توفير نظافة الشوارع والكهرباء والأمن، ما داموا يقرون بعجزهم عن الاتيان بأي خطوة اصلاحية جدية كتمرير قانون عصري للانتخابات او حتى التوصل الى تسوية سياسية موقتة كانتخاب رئيس جديد للجمهورية واحياء المؤسسات الدستورية المصابة بموت سريري. بيد أن ايجابية التحرك ودلالته على قدرة اللبنانيين على تجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية المتفاقمة، اصطدمت بمفاجأة من نوع مختلف. وفي الوقت الذي كان المنظمون والمتحدثون من منبر التجمع والأكثرية الساحقة من المشاركين من فئات الشباب، كانت الكلمات التي قيلت تنتمي الى اجيال ماضية. ردد الخطباء دعوات الى استقالة وزير قصّر في اداء واجباته. وهذا كلام حق. ثم انغمس بعضهم في استعادة حرفية لمواقف وعنجهية زعماء الطوائف باطلاق تهديدات فارغة واستخدام لغة القوة (المتخيلة، في حالة شباب التجمع البيئي) في أفضل تعبير عن وفاء لا واعٍ لدروس القيادات الطائفية في كيفية الحشد والتعبئة والتحريض.
لا يهمنا في قليل او كثير كيف يستخدم منظمو تجمع ضد تراكم النفايات في الشوارع قدراتهم البلاغية. لكن المهم أنهم اخفقوا في الارتقاء الى مستوى مختلف في التعامل مع قضايا مختلفة. لم يأت الجمهور لسماع تهديدات باقتحام مجلس النواب ولا الى ذلك الكلام الخفيف عن «مندسين» بين المشاركين، بل للبحث عن أمل ولو صغيراً في قدرة المجتمع المدني اللبناني على الخروج من دهاليز الطوائف والممولين والمنتفعين. بكلمات ثانية، يمكن الحديث هنا عن «تسمم الخطاب» (والمقصود بـ «الخطاب» هو التعبير عن وعي ومصالح وثقافة). لقد زحفت سموم الخطاب الطائفي باستعراضيته ونزعته المنطوية على التلويح بالعنف، الى اساليب التفكير عن شرائح واسعة من اللبنانيين الذين كان يفترض بهم ان يمثلوا شيئاً آخر غير ما يعرضه قادة المذاهب المتناحرة طوال ايام الاسبوع.
وعندما يكون الخطاب نتاج الوعي والمصالح ووسائل تحقيقها والدفاع عنها، تبدو الكلمات التي ألقيت هزيلة بالمقارنة مع المعاناة التي يعيشها اللبنانيون وسط حالة من الشعور بخيانة السياسيين للتفويض الممنوح لهم، مرة لتمديدهم لأنفسهم بذرائع الخشية على انفلات الأمن، ومرة ثانية لفشلهم في القيام بمقتضيات التفويض حتى لو كان مُصادراً من طريق الخداع للتغطية على افلاس عميم. المشكلة التي يشير اليها خطاب ضعيف من النوع الذي اظهره المنظمون، تتلخص في سلامة المجتمع اللبناني ذاته وقدرته على انتاج ادوات للخروج من المآزق التي يقيم فيها منذ اعوام، من جهة، وفي حقيقة تخلي اللبنانيين عن قياداتهم التي تدفعهم الى أسوأ السبل.

عن لقاء جده المحيّر
ساطع نور الدين/المدن/الإثنين 10/08/2015
من أهم ألغاز السياسة العربية وأصعبها ذاك الذي يربط بين دمشق والرياض، ويحيل العلاقة الثنائية بين العاصمتين الى نزاع دائم لا يخلو من الود الذي أباح في الماضي التضحية بالكثير من الفلسطينيين واللبنانيين والاردنيين..ويبيح الان الضحايا السوريين.
كأن الرياض لا تتسامح الا مع دمشق، مهما قست وتجبرت، ولا تنسى الا الاساءات السورية، و لا تغفر الا الضربات الاتية من بلاد الشام. وكما كانت الذاكرة السعودية ضعيفة في مرات عديدة سابقة، ها هي اليوم تقدم في لقاء جده، نموذجا جديداً ، محيراً ، لا يستقيم حتى مع ابسط سرديات الازمة السورية التي كان السعوديون شركاء في صنعها منذ اللحظة الاولى . في البدء كان ثمن وقف التظاهرات الشعبية إدخال اصلاحات فورية على بنية النظام الامنية، لكن الرئيس بشار الاسد رفض ان يدفع.. ثم صار الثمن إدخال اصلاحات سياسية وإقتصادية ضرورية، عندها تراءت له المؤامرة، برغم ان جميع دول الخليج العربي من دون استثناء ظلت حتي نهاية العام الثاني من الثورة تتوسل اليه عدم التورط في الدم، لكي لا تصبح سوريا عراقاً ثانياً، وبرغم ان تركيا كانت تعرض عليه مشاريع اصلاحية متعددة لا أثر فيها ل”الاخوان المسلمين”، وكانت تتمنى عليه ان يجري انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة، بل وتعرض عليه تمويل حملته الانتخابية لا سيما وان فوزه مضمون بها بنسبة تفوق الستين بالمئة، وعندما كان الغرب كله يتمنى عليه ان يحافظ على صورته المختلفة كرئيس إصلاحي درس في الجامعات الغربية وإطلع على القيم والمعايير الغربية. لكن الاسد الابن أبى أن يتخلى عن وصية والده وأصر على ان السوريين شعب عصي على الحكم الا بالقوة وشعب صعب المراس الا بالقمع.
تلك كانت قصة السنتين الاوليين من عمر الثورة السورية، اللتين توجهما النظام بشعار “الاسد او نحرق البلد”، وبهمس مفاده انه لا مانع من ان يعود عدد سكان سوريا الى ما كان عليه عند وصول الرئيس حافظ الاسد الى السلطة. وهو ما حصل بالفعل، عندما أقحم سلاح الطيران والبراميل المتفجرة والصواريخ البالستية في الحملة العسكرية التي ليس لها هدف سوى اسقاط العدد الاكبر من المدنيين السوريين وإركاع الباقين منهم.. فكانت النتيجة ان أُسقط من يد المعارضة التقليدية، وخرجت الى النور أشد التنظيمات والشبكات الاسلامية وحشية وظلامية، وتحولت سوريا بسرعة الى مركز تجمع رئيسي لمختلف اشكال المتطرفين الاسلاميين المتسللين من مختلف انحاء العالم.
في تلك الفترة بالذات، كان مجرد التوقف عن استخدام الطيران والبراميل والصواريخ ضد المدنيين بالتحديد كافياً لمنح النظام فرصة ثانية، ولفتح قنوات الاتصال معه من أجل البحث في سبل مواجهة ذلك السيل الارهابي المتدفق على الارض السورية، وفي طرق اقامة تحالفات ضمنية لازالة هذا الخطر الاقليمي والعالمي الطارىء الذي تمثله تنظيمات مثل داعش والنصرة. لكن الاسد مرة أخرى رفض ان يدفع هذا الثمن العسكري المتواضع وقرر بدلا من ذلك ان يضيف الكيماوي الى لائحة خياراته وادواته العسكرية وان يرمي حلفاءه المحتملين في الخليج وفي تركيا والغرب بتهم تصدير الارهاب الى سوريا.
في السنة الماضية وتحديدا في الاشهر السابقة من العام الحالي كان الثمن المطلوب من الاسد هو ان يفك تحالفه العسكري مع ايران وان يخرج مليشياتها من الاراضي السورية، لكن قراره المرجح، الذي لم تأخذه السعودية في الحسبان عندما استأنفت التواصل مع نظامه أخيراً ، هو ان يظل جزءاً من منظومة التفاوض الايرانية مع الغرب، وان يحاول، بالتعاون الوثيق مع طهران، تحقيق مكاسب شبيهة بمكاسب الايرانيين الذين لن يترددوا، حسب تقديره، في فتح العواصم الغربية أمام نظامه مجدداً، تحت شعارهم الاثير وهو اولوية مكافحة الارهاب.
ما شاع عن لقاء جده وما سرب حتى الان من روايات سورية او سعودية لا يوحي بان النظام السوري صار على وشك تغيير سلوكه، او ان الحكم السعودي قد غير اسلوبه.. ولا ينبىء بان ذلك اللغز التاريخي القائم بين دمشق والرياض سيجد طريقه الى التفكك.

صدى بغداد في بيروت
نديم قطيش/المدن/الإثنين 10/08/2015
في السنوات الإثنتي عشرة الماضية، كان العراق البقعة الأوضح في مسار تجذر المذهبية السياسية، كنمط وأسلوب حياة وهيكلية حكم وطبيعة نظام سياسي. ما يحدث اليوم في شوارع بغداد من رفض علني للمحاصصة المذهبية بإعتبارها الرافعة المركزية لمنظومة الفساد التي أفقدت العراق ألف مليار دولار، هو إعلان سقوط المحاصصة المذهبية على مستوى المنطقة بكاملها! من يتظاهرون اليوم هم في أغلبيتهم شيعة. هذا ما سهل نزع الصفة المذهبية عن التحركات وعطل إمكانية إستدراج الحراك الشعبي الى خانة التناقض المذهبي.
وهم في أغلبيتهم شيعة ليس لأن السنة أقل تضرراً من الفساد أو أقل رفضاً لنظام المحاصصة. بل لأن هذا النظام الذي يعترض عليه اليوم شيعة، ويتصدر التعبير السياسي عنه شيعة، وتحتضنه المرجعية الشيعية العربية في النجف، قد ألغى السنة عملياً من الحياة السياسية في العراق، وألغى بالتالي حيويتهم المدنية والشارعية. يزيد على ذلك أن السنة العراقيين اليوم هم أول ضحايا العدوان الإرهابي الداعشي على العراق، ما يجعل أولوياتهم لا تتجاوز البقاء على قيد الحياة، قبل التفكير في تحسين شروطها، أكان ضد المذهبية أم المحاصصة أم غيرهما.
وحين تكون الأغلبية الشبابية المعترضة من الشيعة فهو ما يشكل إدانة أعمق لنظام المحاصصة الطائفية، إذ أن من يعترضون ويتظاهرون هم من يفترض أن نظام المحاصصة قام على تبني قضاياهم و “محروميتهم” وإسترداد حقوقهم وتحقيق مصالحهم.
هذا تماماً ما يجعل سقوط نظام المحاصصة المذهبية مدوياً، ويتجاوز بإرتداداته العراق، الى كل المجتمعات المركبة في المنطقة. قد يتأخر صدى بغداد في بيروت. وقد لا يتجاوز الآن الصوت العراقي سدود النظام المذهبي اللبناني شديدة التحصين. لكن لصوت العراق ما يلاقيه عندنا، رغم كل الملاحظات على تفاهة وتهافت عناصر كثيرة من مكونات ما يسمى المجتمع المدني اللبناني. وعلى الرغم من الإستثمار الحزبي الضيق لحالة جدية من الكفر الشعبي بالنظام السياسي وتحوله الى فدرالية مذهبية مغلقة يديرها نادٍ من الافراد لا يتجاوز عددهم اصابع اليدين! فاللبنانيون كما العراقيين، يعيشون الآن إنهيار نظام المحاصصة المذهبية وسقوط كل إدعاداته في تأمين مصالحهم والدفاع عن قضاياهم. هذا النظام الذي إستثمر في أحقادهم ونواقصهم وحولهم الى جحافل من الناخبين أو المتظاهرين، عاجز اليوم عن تأمين حد أدنى من الخدمات بدءاً من حقهم البديهي بالعيش في بيئة بلا نفايات والإستفادة “الطبيعية” من خدمات الماء والكهرباء، وصولا الى الأمن والأمان. يستوي الدروز والسنة والشيعة والمسيحيون في أنهم وهم في أعلى درجات إستنفارهم المذهبي دفاعاً عن حقوق الطوائف والمذاهب وزعمائها، غير قادرين على الحصول من النظام الطائفي على أدنى إدعاءاته! كفر العراقيون الشيعة بنظام المحاصصة الذي تزعمه الشيعة، وكفر اللبنانيون بنظام المحاصصة المذهبية الذي تزعمه نادٍ من الأفراد، يقررون كل شيء في البلاد، خارج أي أطر حزبية تشاورية أو تشاركية حقيقية في صناعة القرار، وغالباً خارج معايير نظام الكفاءة الا في ما ندر، وهو اداء يشمل التعيينات من حراس البلدية الى الوزراء!! قد يبقى المشهد العراقي في إطار فولكلوري، وقد يشيخ قبل أن يزهر تجديداً واصلاحاً. لكن التقاءه مع المشهد اللبناني يعني أن ثمة شيئاً عميقاً يتداعى وأن ما جربناه وصل الى ذروة الفشل في تأمين وصيانة وحماية أي فضيلة للناس.