خالد غزال: عن تقسيم سورية وتقاسمها/ياسين الحاج صالح: أين المشكلة في مفهوم العلوية السياسية/عبد الرحمن الراشد: لافروف وتسويق الأسد

813

 عن تقسيم سورية وتقاسمها
خالد غزال/الحياة/11 آب/15

أجرت الحرب الأهلية السورية جراحات عميقة في الكيان السوري، على صعيدي الجغرافيا والديموغرافيا، بحيث تحولت سورية بحكم الواقع إلى مجموعة «سوريات»، كل قوة من القوى السياسية والعسكرية تقتطع قسماً من الأرض وتقيم عليها ما يشبه الحكم الذاتي. لم يقتصر الأمر على «الميليشيات» المنتشرة، بل إن النظام نفسه بدأ ينطق في شكل شبه رسمي عن إمكانية انكفائه إلى الشاطئ السوري، بما يعني الذهاب نحو الدولة العلوية التي سبق لحافظ الأسد أن وضعها احتمالاً حقيقياً خلال حربه مع إسرائيل وإمكان وصول الدولة العبرية إلى دمشق.
لا يعني القول بحصول تقسيم واقعي على الأرض السورية أن هذه «الكيانات» قد رسمت حدودها الجغرافية والسياسية، وأنها مقبلة على تشريع وقوننة، فالحديث لا يزال يدور على وحدة سورية بكيانها الحالي. فمن المعروف أن القوى التقسيمية الآن الموجودة على الأرض من قبيل: قوى المعارضة المسلحة، «داعش»، «جبهة النصرة»، النظام نفسه…، لم تصل إلى الإعلان عن حدود دويلتها، لأنها تدرك أن كلفة التقسيم والحسم به أكبر بكثير من كلفة التوحيد والوحدة. إذا ما وضعت مشاريع لتقسيم سورية، عبر استعادة تاريخية تنطلق من كون سورية كانت مقسمة في الأصل إلى دويلات قبل قيام الدولة الراهنة، فإن ذلك يعني أن هذا البلد يجري التخطيط لإدخاله في حروب أهلية دموية لا نهاية لها. فالذهاب في التقسيم إلى نهايته يعني إجراء عمليات تطهير ديموغرافية وطائفية، إذا لم تكن صافية بالكامل، فعلى الأقل فيها غلبة عددية لفئة على أخرى. لم تخل الحرب السورية من مثل هذا التطهير نسبياً في مناطق حمص، حيث الحديث شبه صريح عن شريط جغرافي وديموغرافي من الطائفتين العلوية والشيعية، يجري بناؤه احتياطياً لما ستؤول إليه أمور الحرب. وهو أمر لا يزال ضمن الافتراض والتوقعات المستقبلية. لذا يبدو الكلام التحليلي عن استعادة سورية مقسمة على غرار ما كانت عليه كلاماً قد تنقصه المتطلبات السياسية والعسكرية، ناهيك بأن مثل هذه القرارات ليس بمقدور القوى المحلية المتصارعة تحقيقها. فالتقسيم قرار إقليمي ودولي، تدرك القوى الخارجية مفاعيله الخطرة داخل المنطقة العربية وخارجها. يمكن القول، بديلاً عن توقعات التقسيم، إن ما يجري هو إعادة رسم الحدود بين القوى المتصارعة، وإيجاد مناطق نفوذ تسمح لهذه القوى أن يكون لها موقع في التسوية السياسية القادمة التي بات الحديث عنها متداولاً، بما يوحي أن سكة هذه التسوية قد وضعت، وأن الاتفاق النووي الإيراني الغربي شكل أحد روافعها. هذا يفتح على شروط التسوية ومدى نضجها، وموقع اللاعبين المحليين من قوى النظام وقوى المعارضة على السواء، ومدى حظوظ أي تسوية من النجاح. يصدر تقدير الذهاب إلى التسوية من عجز أي قوة داخلية عن الحسم العسكري، أو بالأحرى منع أي قوة من الوصول إلى هذا الحسم. هذا يفتح ملف الخارج ومعه مسائل التقاسم الممكن للكيان السوري.
لم تعد القوى المتصارعة في سورية مالكة القدرة على إنجاز تسوية تعيد تركيب السلطة وتضمن مصالح المجموعات والمكونات السورية. باتت سورية ملعباً لقوى خارجية تتحكم بمسار الحرب، صعوداً أو خفوتاً. على غرار الحرب الأهلية اللبنانية، لن يمكن الوصول إلى تسوية إلا بتدخل خارجي من القوى اللاعبة العربية والإقليمية والدولية. والحديث عن «طائف» سوري ليس من الخيال، فأي تسوية سورية لا يمكن أن تقفز على الانقسام الطائفي والمذهبي والإثني الذي اندلع كله على الساحة السورية، مطالباً بحقوقه، مما يعني أن التسوية ستكون محاصصة بين هذه المكونات. يطرح سؤال عن مدى نجاة سورية من تقاسم ما ترغب فيه قوى إقليمية تريد حصة في الكيان السوري. فإسرائيل سبق لها أن نالت حصة من هذا الكيان عبر ضم الجولان إلى أراضيها، وتخلي النظام عن هذه الأرض، بل وتسخير الجيش السوري لحماية حدود اسرائيل. الدولة العبرية تبحث اليوم عن شريط حدودي على غرار ما حصل في جنوب لبنان. وتركيا التي ضمت لواء الاسكندرون إليها، وتخلى النظام السوري عنه كلياً في الاتفاق المذل الذي وقعه حافظ الأسد مع تركيا عام 1996، هذه الدولة ترغب أيضاً في منطقة نفوذ جغرافية. وإيران مهتمة بمنطقة نفوذ عبر «حزب الله» الذي يريد شريطاً طائفياً صافياً يربط سورية بالقرى الشيعية في البقاع، بما فيها إلغاء بلدة عرسال أو تهجير أهلها بصفتها إحدى عقبات الصفاء الطائفي المنشود.
ما جرت الإشارة إليه لا يزال حتى الآن يدور في دائرة الاحتمالات والتوقعات، فهل ستكون سورية أمام تسوية تعيد لها وحدتها على قاعدة ضمان مصالح المجموعات، أم أن مبضع التقسيم سيكون نافذاً بما يغرق هذا البلد في حرب أهلية لا قعر مرئياً لها؟

 

أين المشكلة في مفهوم «العلوية السياسية»؟
ياسين الحاج صالح/الحياة/11 آب/15
يستخدم الدكتور صادق جلال العظم مفهوم «العلوية السياسية» كتشخيص لبنية النظام الأسدي أو لوجه أساسي منها، ويؤسس على المفهوم تصوراً للتغيير في سورية يتمثل في طي صفحة «العلوية السياسية» على نحو ما طويت صفحة «المارونية السياسية» في لبنان في اتفاق الطائف عام 1989. هذه المقالة مساهمة في نقد مفهوم «العلوية السياسية»، وإن كانت لا تشارك في نقد متواتر للمفهوم، موجه نحو حجب طائفية النظام أو إنكارها.
كان زياد ماجد في مقالة نشرت في «الحياة» (30 نيسان – أبريل 2014) أظهر أن قياس العلوية السياسية على المارونية السياسية مجادَل فيه على الأقل. المارونية السياسية، يقول زياد، «تأسّست خلال الانتداب الفرنسي»، و «أتاحت بروزَها تحوّلاتٌ اقتصادية واجتماعية بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مطوّرة العلاقة بين جبل لبنان وبيروت، بالترافق مع انتشار التعليم وتعاظم أثر الإرساليّات الدينية ومؤسساتها». وإن لم يكن الموارنة أكبر الجماعات الأهلية اللبنانية بين تأسيس لبنان الكبير وأواخر ستينات القرن العشرين فهم ليسوا أقلية بينها. وأضيف أن لبنان الكبير تأسس على موقع ممتاز للموارنة الذين كانوا في الأصل جماعة صاعدة هي الأكثر تماسكاً في لبنان والأكثر وعياً بتميزها (ومعهم الدروز، الأقل عدداً). كان الموارنة أكثر تشكلاً من لبنان الذي تأسس أصلاً حول مكانة خاصة للمسيحيين فيه، ومكانة قائدة للموارنة بين المسيحيين. فعدا وجود إكليروس منظم مرتبط بروما منذ قرون، ومعرفته بأوروبا والعالم الحديث معرفة مميزة عما حوله، هناك مؤسسات تعليمية دنيوية متطورة، وهناك مستوى اقتصادي وثقافي أعلى من المتوسط اللبناني. وبفعل ذلك، قد يمكن التكلم بلغة ياسين الحافظ على «قوم» ماروني، جماعة بشرية متميزة وواعية سياسياً، تتطلع إلى الاستقلال عن محيطها أو الانفصال عنه، أو قيادته على الأقل. وفي تاريخ تشكل القوم الماورني صعود اجتماعي وسكاني وتعليمي في القرن التاسع عشر، وفيه نظام القائمقاميتين الخاص بجبل لبنان، وقد عاش نحو نصف قرن.
كان بناء لبنان الكبير على يد الفرنسيين بدا لنخب القوم الماروني مكسباً توسعياً وحلاً ممكناً للمجاعة التي عانى منها جبل لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن هذا الحل حمل في ثناياه تراجع وزن الموارنة في الكيان اللبناني بعد نصف قرن. والتشكل الأكثر تطوراً للمورانة قبل تأسيس لبنان يسوغ الكلام على مارونية سياسية. هناك ذاتية مارونية سابقة على الكيان اللبناني المعاصر، وطبعت هذا الكيان بطابعها بين نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الحرب اللبنانية قبل أن تتدهور في غمار هذه الأخيرة.
الأمر مختلف بخصوص سورية وموقع العلويين فيها وفي النظام السياسي. يفترض مفهوم العلوية السياسية ذاتاً علوية سابقة للسياسة، جماعة موحدة أو نزاعة نحو التوحد السياسي، النظام الأسدي هو نظامها، أو متشكل على هذا النحو بفعل هذه الذاتية السياسية. رأيي أن العكس أصح، وأن تشكل العلويين كطائفة تالٍ للسلطة وليس سابقاً عليها. قبل الحكم الأسدي كان معظم العلويين في سورية فقراء، مستواهم التعليمي غير مميز عن غيرهم، وليس لديهم جهاز ديني منظم، والتفاعلات الداخلية بين العلويين بالذات محدودة، وتفاعلاتهم بالعالم حولهم إن لم تكن أدنى من غيرهم، فهي لا تميزهم عن غيرهم.
وقبل الحكم الأسدي كان هناك كيان سوري، حياته السياسية مضطربة، ولا تكف نخبه عن تخيله جزءاً من شيء أكبر منه بقليل أو كثير. لكنه كيان قائم عمره أزيد من نصف قرن وقتذاك، وأكثر تشكلاً من أي جماعة سورية جزئية.
سوغ حافظ الأسد استيلاءه على السلطة عام 1970 بأيديولوجية قومية عربية، كانت سابقة عليه، تكثر إحالاتها إلى الاشتراكية والتقدم ومناهضة الإمبريالية. وكان لهذه الإحالات وللسجل الواقعي الذي كانت تستند إليه في ستينات القرن العشرين والسنوات الأولى من سبعيناته دور حاسم في تكون أكثرية سورية عابرة الطوائف، وحتى الإثنيات. بارتباطها مع الاشتراكية والتحرر الوطني وعدم الانحياز وما إلى ذلك. لم تكن العروبة مجرد رابط إثني أو أيديولوجية هوية كحالها اليوم، بل أيديولوجية عمل تحررية يعتنقها ويواليها حتى بعض من هم غير عرب إثنياً. وبفعل هيمنة القومية العربية والأكثرية الاجتماعية المتكونة حولها لم يواجه حكم حافظ الأسد باعتراضات تحيل إلى منبته الأهلي. بالعكس، جرى الترحيب به كمحرر.
أخذت هذه الأكثرية تتفكك بسرعة بدءاً من النصف الثاني من السبعينات بفعل مجموعة عوامل، أبرزها توقف التحولات الاجتماعية لمصلحة فقراء المدن والأرياف، وظهور طبقة من المليونيرات الجدد في كنف الحكم الجديد منذ سنواته الأولى، وضيق النظام السياسي الذي استقر منذ 1973 على شكله الحالي: حالة استثناء ناسخة لحكم القانون، وحظيرة للأحزاب الداجنة اسمها «الجبهة الوطنية التقدمية»، وحاكمية مخابراتية يحظى مديروها بحصانة كلية، ثم التدخل السوري في لبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. وترجم هذا التفكك نفسه في صراع اجتماعي وسياسي حاد تفجر على نحو عنيف في أواخر السبعينات، وهو لا يقبل التقليص إلى صراع طائفي، وإن يكن هذا وجهاً بارزاً له.
كان ظاهراً منذ وقت مبكر أن حافظ الذي استولى على السلطة بسهولة كبيرة يعرف أن الأهم من الوصول إلى السلطة هو الحفاظ عليها، وخلافاً لرفاقه في قيادة انقلاب شباط (فبراير) 1966 كان مدركا أن مواطن السلطة الفعلية هي الجيش والمخابرات (وليس حزب البعث و «الجماهير الشعبية» غير المنظمة)، وولى على أجهزة المخابرات التي توسع فيها موثوقيه من الأقارب ورعى أن تكون نسبة عالية من عناصرها من المنبت العلوي (نحو 12 في المئة من السكان)، وأسس أيضاً أو توسع في تشكيلات عسكرية ذات وظيفة أمنية مثل سرايا الدفاع والوحدات الخاصة والحرس الجمهوري، لها التكوين نفسه، وولى عليها أيضاً أهل ثقته. هذا ما سهل تماهي العلويين به وبنظامه، وطور في أوساطهم شعوراً بالتميز والذاتية. التشكل العلوي هنا مر بالسلطة العمومية والموقع الامتيازي في أجهزتها الأساسية، أجهزة القوة التي يعتمد عليها النظام في دوامه وإعادة إنتاجه.
وما أريد قوله هو أنه في البداية كانت السلطة، وما يقترن بها من سيطرة وامتيازات وأفضليات. لا يلزم أن حافظ الأسد كان طائفياً أصلاً وطوال الوقت، أو كان يضمر مشروعاً لحكم طائفي. من أجل الحفاظ على السلطة ميز الرجل لمصلحة موثوقيه الأهليين في أجهزة نظامه الارتكازية، أي مارس ممارسات طائفية، فطوّر نظاماً طائفياً. فمثلما أن من يدخن مدخن ومن يقتل قاتل، فإن الطائفي هو من يمارس ممارسات طائفية، ويميز تمييزاً طائفياً. الطائفية مسألة ممارسات وأفعال، وليست مسألة نيات وماهيات.
فهل يمكن التكلم اليوم، بعد 45 عاماً من توارث الحكم في السلالة الأسدية ومن حربين اجتماعيتين، كبيرة وأكبر، على علوية سياسية أو على قوم علوي؟ هل هناك إرادة سياسية علوية ومشروع سياسي علوي؟ هناك ولاء من أكثرية علوية كبيرة للنظام اليوم، ومنذ وقت مبكر من الثورة، وقبل الثورة طبعاً. لكن، لا يبدو لي أن هذا الولاء تعبير عن إرادة سياسية علوية جامعة، بل عن افتقار إلى هذه الإرادة المستقلة وعن ضعف التشكل العلوي. الإرادة والذاتية تمكن نسبتهما إلى أسرة وطغمة حكم و «دولة باطنة»، وليس للعلويين الذين يخشون أن يعيدهم سقوط النظام إلى الفقر وانعدام الشأن. العلويون في مأزق تاريخي، محصورين بين هذه الخشية وبين نظام أسرة وطغمة لا تحترمهم، تستخدمهم أداة حكم فحسب.
على أن نقد مفهوم العلوية السياسية يخطئ غرضه تماماً حين يستخدم للتكتم على طائفية النظام أو إسدال ستار من الصمت عليها، كما هو شائع. ينطلق النقد المسطر هنا من أن الطائفية ليست خاصية لطائفة أو جماعة أهلية أياً تكن، بل هي خاصية «نظام»، شكل بعينه من أشكال إنتاج السلطة وتوزيعها وممارستها. الكلام على نظام طائفي هو كلام على نظام، وليس على طائفة، ويكون النظام طائفياً إن كان قائماً على التمييز، أياً يكن منبت نخبة الحكم. نضع أنفسنا في موقع غير منيع من وجهة نظر السياسة العملية، وليس من وجهة نظر التحليل فقط، حين لا نستخلص من حقيقة أن الطائفية هي التمييز وفق المنابت الأهلية أن النظام الأسدي طائفي، وليس فقط حين ننطلق من مفهوم العلوية السياسة. ما نجازف به في الحالين هو أن نربط الطائفية بالجماعات الأهلية، بعضها أو كلها، وليس بالدولة والسياسة العمومية، فنخفق في تطوير سياسات عامة مضادة للتمييز الطائفي. مفهوم العلوية السياسة يجعل النتيجة، تقدم تطييف العلويين، والجماعات الأهلية عموماً، سبب مشكلاتنا الوطنية اليوم، بينما سيكون السبب، النظام الطائفي، نتيجة. وهو ما يتوافق على المستوى السياسي العملي مع التخلص من النتيجة، الموقع الامتيازي لعلويين في السلطة الفعلية، من دون محاربة التمييز نفسه، وربما مع قيام تمييز مضاد.

 

لافروف وتسويق الأسد
عبد الرحمن الراشد/الشرق الأوسط/11 آب/15
لم يكل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف منذ بداية الأزمة السورية من الدفاع عن نظام بشار الأسد، وهذا سبب أساسي في إطالة عمر النزاع ورفض الأسد لتقديم التنازلات، وعندما طالت الحرب دخلها التطرّف والإرهاب الديني. وقد وقفت موسكو ضد كل الحلول السياسية مثل لقاء جنيف، وتصر بشكل غريب على المحافظة على كامل نظام الأسد. ويمكن أن نتفهم دوافع الموقف الروسي لو أن منافستها الولايات المتحدة كانت طرفًا في محاربة الأسد، لكن الأميركيين وقفوا على الحياد السلبي، بل ومنعوا تزويد المعارضة المعتدلة من أية أسلحة نوعية.
إذًا لماذا يحرص الروس على مساندة نظام الأسد؟ قد يفسر موقفهم بأنه ينسجم مع حربهم على الجماعات الإرهابية، وفي سوريا بالفعل يوجد بين صفوف «داعش» مقاتلون إسلاميون روس. الحقيقة، موقف روسيا المساند لنظام الأسد قديم وسابق سنة كاملة لظهور أي مقاتل إسلامي في الساحة السورية. وكانت موسكو صريحة في تأييده وحرصت أكثر من مرة على استعراض قوتها البحرية في طرطوس للتأكيد على دعمها لنظام دمشق.
إضافة إلى ذلك، فإن الدول العربية الموالية للمعارضة سبق أن أبلغت موسكو استعدادها للتعاون معها ميدانيًا لمقاتلة الجماعات الإرهابية في سوريا، وإطلاع موسكو على كل ما يحدث من جانبها، إلا أن الروس يصرون على ضرورة التعاون مع النظام هناك.
وقد يفسر الموقف الروسي بأنه مبدئي، ضد أي تغيير للخريطة السياسية، وضد إضعاف توازن القوى الإقليمية، يعكس حالة القلق في موسكو مما حدث في أوكرانيا. لكن هذا، أيضًا، لا ينسجم مع المواقف الروسية في مناطق النزاع الأخرى، ولم تُبْدِ موسكو أي قلق من الفوضى في ليبيا أو العراق أو غيرها!
وروسيا حتى «تشوش» على ضيوفها دائمًا تكرر أمامهم أنها لا تهتم بمصير الأسد، وأن الرئيس فلاديمير بوتين زار المنطقة ورفض زيارة دمشق. وردد المسؤولون هذه التأكيدات، «الأسد لا يهمنا» أمام زوار الكرملين، من أميركيين وأوروبيين وخليجيين، لكن الحقيقة أن الداعم المستمر للأسد هو الحكومة الروسية؛ هي التي أعطته الخبراء والأسلحة والنفط وطبعت له حتى عملته بعد أن توقفت مطابع سويسرا ضمن المقاطعة!
أما لماذا هذا الإصرار الروسي على حراسة نظام الأسد، فلا يمكن فهمه إلا في إطار وجود تحالف وثيق مع إيران، التي تعتقد أنها قادرة على اكتساح المنطقة، وفرض هيمنتها، كما نجحت في العراق. وتعرف إيران أنه من دون تأمين الحكم في سوريا، فإن العراق لن يستقر لها.
والثنائي الإيراني الروسي يلعب الموقف المنسجم نفسه في قضايا أخرى، مثل الاتفاق النووي مع الغرب، والعلاقة مع العراق. ويستفيد من سياسة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بالتخلي عن حلفاء بلاده في المنطقة، حيث يفرض الإيرانيون والروس شروطهم، مثل القبول بالأسد رئيسًا وليس فقط بنظامه، رغم ما قد يعنيه ذلك من إشكالات خطيرة لاحقًا.